" أثرك بغيض !
لكنه يهلل بفداحتك "
علي الربيعي
الاسم: علي الربيعي
البلد: ليبيا
التصنيفات : خاصة,سياسة وأخبار,ثقافة وفن,أدب وكتب
أظهر كافة المعلومات
| ► | يناير 2011 | ◄ | ||||
| سبت | أحد | إثنين | ثلاثاء | أربعاء | خميس | جمعة |
| 1 | 2 | 3 | 4 | 5 | 6 | 7 |
| 8 | 9 | 10 | 11 | 12 | 13 | 14 |
| 15 | 16 | 17 | 18 | 19 | 20 | 21 |
| 22 | 23 | 24 | 25 | 26 | 27 | 28 |
| 29 | 30 | 31 | ||||

" أثرك بغيض !
لكنه يهلل بفداحتك "
علي الربيعي
فطرته بعيداً عن الغرب
الفرنسي لوكليزيو يحوز “نوبل” العالمية للآداب

لوكليزيو
” روح تفلت من هذا العالم كي تجد ملجئها الوحيد في الفطرة الأولى ..!” .. هكذا وصف النقاد الكاتب الفرنسي جان ماري غوستاف لوكليزيو والذي أعلن اليوم فوزه بجائزة نوبل العالمية فرع الآداب لعام 2008 وبعد منافسة قوية مع عدد من الأسماء الأدبية الكبيرة التي كانت مرشحة لنيل الجائزة .
وقالت الأكاديمية الملكية السويدية التي تمنح جائزة نوبل ، في بيان لها الخميس، إنها قررت منح الجائزة للروائي الفرنسي على مجموعة كتاباته “الإبداعية” في أدب “المغامرات”، و”الأطفال”، حيث يُعد أول فرنسي يفوز بالجائزة العالمية منذ عام 1985.
تبلغ قيمة الجائزة عشرة ملايين “كرونا” سويدي، أي ما يعادل حوالي مليون و420 ألف دولار أمريكي، وسوف يتم تسليم الجوائز في حفل في العاشر من ديسمبر الجاري، الذي يصادف ذكرى رحيل مؤسس الجائزة العالم ألفريد نوبل عام 1896.
من الطفولة لـ .. نوبل

جائزة نوبل
يقول عن نشأته : ” الحرب واقع شرس. لم تكد طفولتي تفرغ منها حتى بدأتْ مراهقتي تتفاعل مع حرب أخرى، هي الحرب الكولونيالية، وكنت معنيًّا بها على جبهتين: فمن ناحيتي البريطانية، كان البريطانيون يحاربون ماليزيا؛ ومن ناحيتي الفرنسية كانت فرنسا في حرب مع الهند الصينية أولاً، ثم الجزائر. أي أني عشت باستمرار في قلب ضجيج الحروب، مهدَّدًا بالرحيل، ومقتنعًا بأنها حروب ظالمة. هذا الواقع هو الذي شقَّ دربًا لقلمي. ” .
من السيرة الذاتية لحائز نوبل للآداب 2008 نقرأ : ولد جان ماري غوستاف لوكليزيو في نيس عام 1940 من أب بريطاني ذي أصل بريتوني وموريسي ومن أم فرنسية. قبل التحاقه بوالده عام 1948 في نيجيريا، ربته أمه وجدته، حيث كان لتلك المرحلة أكبر تأثير على اتجاهه نحو الكتابة، فقد اكتشف فيها الكتب التي كانت تملأ المنزل العائلي، إضافة إلى أن الجدة كانت تمتلك مخزوناً كبيراً من الحكايات.
عند رحيله إلى نيجيريا للقاء والده الذي كان طبيباً استعمارياً في الجيش البريطاني-حيث يمضي عاماً- ، يكتب خلال الرحلة البحرية التي أخذته إلى هناك محاولتين روائيتين، “سفر طويل”، و”أورادي الأسود” ، استعادهما فيما بعد في عدد من أعماله.
نشر لوكلوزيو عام 1963 روايته الأولى «المحضر الرسمي» التي حصلت على جائزة رنودو ، وحصل عام 1964على دبلوم الدراسات العليا، بعد أن أنجز بحثاً حول «العزلة في أعمال هنري ميشو» ، ثم أصدر عام 1965 كتابه الثاني «الحمى» الذي كان عبارة عن تسع قصص عن الجنون.
كان عام 1967 عاماً حاسماً في حياته الشخصية والأدبية، حيث أدى خدمته ال
ألف وجه لألف عام - «برومثيوس» أندريه جيد
نحو إنسان يحرّر نفسه من القواعد الضاغطة
إبراهيم العريس

أحب الشعراء جميعاً شخصية برومثيوس. وراحوا يكتبون له وعنه القصائد والمسرحيات، كما ان رسامين كثراً تفننوا في رسم لوحات تصوره على مختلف وجوهه. ونعرف ان حامل النار هذا وملهم الشعراء، كان موضوع كتابين صدرا في مصر قبل سنوات مترجمين عن الإنكليزية (منشورات المجلس القومي للثقافة) ضمّا تلخيصاً وشرحاً وربطاً للعديد من النصوص والكتابات القديمة والحديثة التي تناولت هذه الشخصية الآتية، أصلاً من عالم الأساطير اليونانية.
والحال ان القرن العشرين لم يشذ عن هذا الاهتمام إذ نجد العديد من كتابه المسرحيين وشعرائه يخصون برومثيوس بنصوص أهم ما في معظمها أنها حررت الشخصية من عبء الماضي الذي كان يكبله ضمن أطر وأفكار تقليدية، لتعطيه جزءاً من حرية لا تتناسب معها بالنسبة الى البعد التاريخي فقط، بل تتناسب مع ما كان يجب ان تكون عليه صورة برومثيوس منذ القدم، أي، في كلمات أخرى، أن القرن العشرين، زمن الهزائم الكبرى والانتصارات الملتبسة، زمن النار وانفلات الأدب، ما كان يمكنه ان يرضى لبرومثيوس بصورته القديمة. ومن هنا عُصرن «الرجل» وصار جزءاً من ثقافة التمرد وحقوق الإنسان بصورة عامة. وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد ان نذكر واحداً من اهم النصوص التي كتبت عن برومثيوس في القرن العشرين من منطلق ذهنية هذا القرن نفسها.
ونعني بهذا النص، ذلك الذي كتبه الفرنسي اندريه جيد ونشره عام 1899، لكنه افتتح به ثقافة القرن العشرين وحداثته.
عنون اندريه جيد نصه هذا بـ «برمثيوس الذي أسيء تقييده»، وهو في عرف النقاد ودارسي أعمال هذا الكاتب الكبير، كتب خلال الحقبة التي يقال عنها دائماً انها كانت مناسبة تماماً لكتابة جيد أعماله الدراسية، وليس أعماله الإبداعية الخاصة. أي المراحل التي شهدت ظهور كتب مثل «بيت شيبا»، «فيلوكنيت» و «إلحاح» وهي من بين اعمال جيد المبكرة الكبرى.
بل ان ثمة بين النقاد من يقول ان «برومثيوس» جيد، هذا يعتبر من أنضج أعماله على الإطلاق، وعلى الأقل خلال النصف الأول من حياته ومساره الإبداعي. ويقول النقاد ان اهمية هذا العمل التي تلوح منذ النظرة الأولى تكمن في ان جيد اوضح لنا منذ البداية انه نقل البطل الأسطوري الإغريقي الى عصرنا الحديث. وهكذا منذ الصفحة الأولى للنص نكتشف برومثيوس المعاصر لنا، جالساً الى طاولة في مقهى وهو يستمع الى ما يحكيه له شخصان هما كوكليس وداموكليس… وما يحكيه هذا غريب في غاية الغرابة كما سنرى.
منذ الحوارات الأولى ندرك ان هذين الشخصين إنما هما تابع وضحية رجل ثري وغامض لا يفوت خادم المقهى ان يؤكد لنا انه يعرفه. وما هذا الشخص سوى صاحب مصرف يدعى زيوس، نكتشف ان من بين هواياته القيام بتصرفات غريبة ومجانية، وانطلاقاً من هذا التمهيد سرعان ما ستولد امام اعيننا سلسلة من الأحداث المتتالية التي إن كانت تبدو لنا غير متوقعة بعض الشيء. سرعان ما تبدو – ايضاً – متسمة بالمنطق، وهي كلها أحداث لها علاقة بالثلاثة الجالسين الى الطاولة برومثيوس وداموكليس وكوكليس. وذات لحظة يبدو برومثيوس وكأنه عازم على إرهاب بقية الحضور إذ نراه يستدعي نسره الذي يأتي وسط خوف الآخرين وفضولهم ليبدأ من فوره في قضم كبد برومثيوس والتهامه. ونحن، معشر القراء، ندرك من فورنا ان هذا النسر إنما يرمز في حقيقة أمره الى ضمير برومثيوس. فهو يغذيه ويتمتع بمشاهدة مسراته، من دون ان يدرك في الوقت نفسه انه اذ يجعله دائماً وسيماً اكثر وأكثر، إنما يفنيه ايضاً ويهلكه بالتدريج، بل اكثر من هذا» ان برومثيوس يعتقد بأنه ناجح تماماً في النظرة التي دفع الآخرين الى إلقائها على النسر، ومن هنا يقرر مواصلة مشواره المعرفي ومشوار الوعي لديه، جاعلاً من نفسه ناطقاً
انشطار جان جينيه الذاتي العنف
داخل مسرح المرتب اللاكانية الثلاث
بقلم / مارك بيزاتو
ترجمة / نعيم عاشور
![]()
فى كتابه الصغير عن بروست ، يقول صمويل بيكيت:
ان قوانين الذاكرة خاضعة لقوانين العادة الاكثر عمومية..
والعادة ما هى إلا تسوية تتم بين الفرد ومحيطه ، أو بين الفرد وشذوذاته العضوية، وهى ضمان لمقدسى يعوزه البريق الذى هو الدليل الساطع على وجوده ، إن العادة هى الثقالة التى تقيد الكلب الى قيئه “.
ولكن فى الذاكرة الروائية البروستية، وفقا لبيكيت هناك انقطاعات فى قانون العادة “عندما يتم للحظة استبدالى ضجر العيش بمعاناة الوجود” وفى لحظات كهذه تخرق المعاناة الوجودية “شاشة” الذاكرة والاعتيادية و”تفتح نافذة على الحقيقى..” هذه الملاحظات يمكن تطبيقها ايضا على كتابات جان جينيه ، وعلى الاخص من خلال المشهد الرئيسى لولادته الثانية ككاتب كما يتذكرها هو على الرغم من أن كتاباته تنطوى على قدر من الفانتازيا اكثر مما تحتويه من ذاكرة مستعادة بغرض الانبعاث الذاتى.
لقد كتب جينيه رواياته الاولى فى زنزانة، فيما يشبه “التسوية الناقصة الأونانية بين الفرد ومحيطه ” ومن خلال عادة اداته فى الكتابة “وفى امور غيرها” قام جينيه، بقذف معاناته وشذوذاته الجنسية على الورق مفتتحا بذلك نافذة تخيلية على الحقيقى بداخله ، وحتى لو كانت هذه الأونانية “عدم بلوغ الذروة” التى يتذكرها جينيه على انها اصل رواياته مجرد ذاكرة ملفقة او استعارة فإن النرجسية الاونانية “العاجزة عن بلوغ الذروة” لاسلوبه فى الكتابة تظل واضحة وهذا يدعونا الى التساؤل عما اذا كان جينيه قد كتب ما كتب لكى يقرأه احد أخر غير نفسه ؟ يقول بتاى مختلفا مع سارتر الذى يحيط “القديس جينيه ” بهالة من القداسة: (1)
فى الواقع ، لا يوجد اتصال بين جينيه والقارىء.. وعلى الرغم من ان سارتر يعتبر عمله هذا صحيحا… إلا ان جينيه ، وفقا لسارتر قد جعل من ذاته مقدسة عن طريق القارىء… وهذا يقوده الى التأكيد على ان الشاعر انما يسعى لكى يعترف به من قبل جمهور هو لا يعترف به اصلا لكن “وفقا لبتاى” فإن العملية التقديسية او الشعرية انما هى اتصال أو لا شىء.
اذا كان جينيه قد كتب اصلا لنفسه وحسب فهو لابد قد تخيل قارئا واحدا على الاقل فى الواقع ، سيكون الغرض الوحيد لكتابته عندئذ هو ان يقرأها بنفسه وان يعيد قراءة ذاته وتخيلاته ، كما يعيد تخيل ذاته من خلال فنتازياته المكتوبة، على الاقل كان جينيه يتواصل “ويتوق الى التواصل ” مع ذاته ،ولكن تلك “الذات ” كانت تمثل آنذاك جينيه - القارىء -الخارجى والمستقبلي وكان جينيه - الكاتب - يراودها من اجل تواصل وصلة حميمة محتملين هذا الانشطار بين لحظات الكتابة ولحظات القراءة، وبين جينيه الكاتب وجينيه القارىء،يكشف عن انشطارات اخرى بين تلك اللحظات “الذاوت اللحظية المتكررة” وبين لحظة الذات المتخيلة، جميع هذه الشخصيات الجينية “نسبة الى جان جينيه ” الثلاث والانشطارات فيما بينها، تكمن فى تلك اللحظة التى تخترق فيها “معاناة الوجود”، “ضجر العيش ” وسكنى السجن ان ذاتية جينية الثلاثية ككاتب وقارىء وحالم يقظة توضح كلا من وعيه المعتقل وغربة ذلك الوعى عن ذاته “ذات الوعى”… فى التوق الى الأخر وتوق ذلك الأخر ذاته.
هذا الوضع لايختلف كثيرا عن وضع اى كاتب وحالم وناقد ذاتى مجهول يحاول ان يكون مقروءا من قبل الآخرين… سوى ان جينيه كان مسجونا.خلف جدران حقيقية واكثر صلادة من العادة ومن رغبة الكاتب فى التواصل مع ذلك فنحن جميعا “كتاب وغير كتاب ” مشكلون كذاوت منشطرة طبقا لما يقوله جاك لاكان “تأسيسا على الانا الفرويدية المنشطرة”. “ما اخبركم به أنا لا كان مقتفيا فى ذلك خطى الاحافير الفرويدية،هو ان ذاتا كتلك ، غير يقينية لانها منشطرة بتأثيرات اللغة… إنالذات دائما ما تدرك نفسها أكثر فى الأخر لكنها فى الوقت نفسه ، تسعى هناك الى ما هو اكثر من نصف ذاتها، فالذات هى كذلك فقط لانها تخضع لمجال الأخر… وهذا هو السبب فى ان الذات ينبغى ان تخرج… ان تضع نفسها خارجا..( 2)
لقد وضع جينيه نفسه خارجا بالفعل -ان كان السجن هو المقصود - وذلك عن طريق الكتابة وقراءته من قبل الأخر الموجود خارج اسوار السجن “وعلى الاخص سارتر وكوكتو“.
ان سعيه من اجل ما هو اكثر من نصف ذاته فى شخصياته المقذوفة خارجا بشكل غير مكتمل “الاخرون المتخيلون من قبله ” قد أنتج فى المحصلة الاخيرة جمهورا حقيقيا ربما اكبر مما قد حلم به قط وحينما اتجه جينيه نحو الكتابة للمسرح ،جسد ممثلون حقيقيون يشاهدهم جمهور آخر حقيقى،شخصيات الآخرين المتخيلة من قبله ، عندها امتدت ذاتية جينيه الانشطارية كحالم وكاتب وقارىء اكثر فأكثر الى/ وفى خضوع “لمجال الآخر” والى حد ما، قام مخرجون وممثلون ومصممو ازياء ومهندسو اضاءة وديكور وفنيون بالاضافة الى الجمهور الليلى “ولايزالون ” باعادة تخيل واعادة صياغة مسرحياته على خشبة المسرح العمومى “الحى” كما كان يفعل القراء الحقيقيون لرواياتهم وهم فى عزلة، وهكذا قادت الممرات المسرحية التى تشق مقاعد المتفرجين الى مدخل جينيه الكاتب المسرحى الجديد والممتد “رغم عدم اكتماله “.
وبناء على ما يقول هيربرت بلو، وهو مخرج امريكى اخرج مسرحية الشرفة فإن:
“مسرح جينيه يداعب ارتياب الممثل ويجعل من تجربة الانتهاك والاغتصاب الحدث الرئيسى فى المسرحية… إن الممثل يقاوم سيناريوهه “جينيه ” وهو ما ينبغى له فعله والمسرحية تكتسب كثافة المعنى من بتشيع شكاوى الممثل الطبيعية“.
فى انتاج بلو، تم استنفاد معنى الانتهاك والمقاومة فى المسرحية بين الممثلين والنص ، وبين الممثلين وشخصياتهم ثم بين الممثل / الشخصية وجمهور المسرح.
“كانت مهمتهم العثور على الذات فى انسجام خضوعهم..وكممثلين كانوا سيستغلون التوقعات التلصصية الشهوية التى يمكن ان يشعروا بوجودها لدى المتفرجين “.
ينبغى على ممثلى مسرحيات جينيه “اى مسرحية” ان يبحثوا عن ذات عن شخصية يصورونها على الخشبة الامامية اذ على الرغم من ان فكرتهم وفكرة المتفرجين عمن يكونون فى أية لحظة لاتكونان متطابقتين إلا انهم دائما ما يكونون فى تدفق حواري اثناء الاداء.
ان علاقة الممثل - المتفرج بالمسرح تعكس ذاتية جينيه الثلاثية فى كلا الاتجاهين: فالمتفرج يقرأ، يحلم ، و”يعيد”كتابة الشخصية التى يقدمها الممثل على خشبة المسرح الامامية فى نفس الوقت الذى يقوم خلاله الممثل بقراءة، وتخيل ،والاستجابة “للتوقعات التلصصية الفضولية” التى تبدر عن المتفرجين. ان الممثلين وعلى الخصوص فى مسرحيات جينية يقومون بتخيل شخصياتهم ويعيدون كتابتها “تمثيلها” باستمرار على الخشبة الامامية عن طريق قراءة ردود افعال مشاهديهم “وزملائهم الممثلين ” اما المتفرجون فيحلمون بالمسرحية مثل “جينيه الاونانى ” حيث يدركون بأن الاداء يغيرها بالفعل فى داخلهم وفى تأثيرهم على الممثلين “مثل جينيه الكاتب ” ان هذه الفجوة المتفاعلة بين خشبة المسرح والمقاعد انما تعكس الفجوة التى بين جينيه وشخصياته المكتوبة كما انها توضح التشظيات داخل جينيه نفسه المسقطة من خلال الأخرين المتخيلين من قبله ، بحيث تعكسه وتخضعه لحظة يحلم بهم ، ويكتبهم ويعيد قراءتهم (كما يحلم ويكتب ويعيد قراءة ذاته هو) وهكذا فقد كانت كتابته للمسرح تدرك وتضخم ذاته المنشطرة.
لقد بدأ جينيه حياته كطفل لقيط لعاهره ، وكمنبوذ من المجتمع لم يكتسب فكرته عن الذات إلا عبر الجريمة… وعبر استيلاد ذاتى عنيف ، كما يشرح ذلك ايهاب حسن:
المنبوذ لا يرفض المجتمع فحسب ، ولكن ايضا كل نظام للاشياء انه يعمل ضد الطبيعة، ويبتكر جنسه وذاته ، من اجل ان يقطع كل الروابط التى تربطه بالكون.
مع ذلك فإن هذا الرفض هو وسيلة لاستغلال القوانين المرفوضة فى المجتمع والطبيعة من اجل صقل هوية المنبوذ الخاصة، ان الروابط فى الواقع لاتقطع ابدا، بل انها على العكس تشتد احكاما، فالمجرم يبنى على نحو مزعوم ما تتكىء عليه هويته “كخارج على القانون ” ويتملص بشكل مؤقت ، من القانون لكى يؤكده ولكن هذا الوضع فى النهاية يؤول به لان يصبح تحت بصر وقبضة القانون بشكل اكبر… كسجين ان متكئه الذاتى يسعى به الى قضبان الزنزانة، انه بحاجة لان يلقى القبض عليه لكى يثبت انه (خارج على القانون).
فى نهاية مسرحية جينيه الاولى”الاولى كتابة وليس تمثيلا” “حرس الموت ” يرتكب لوفرانك جريمة قتل فى زنزانة السجن من اجل الأخر الذى يحرسه ير
ديوان شعري غير منشور لبوكوفسكي
الأيام تمضي مثل أحصنة متوحشة


ديوان شعري غير منشور وسيرة جديدة حياة مجنون يعيدان الى الواجهة الكاتب الأميركي الراحل شارل بوكوفسكي الذي يستمر في اغراء محبيه ومواجهتهم بكل ما يمكن ان يصدم الرأي العام، فهو الكاتب البعيد عن المألوف، الصدامي والحر الى اقصى درجات الحرية الذي كتب تماماً كما املت عليه اهواؤه ومزاجيته وجنونه. رحل بوكوفسكي ولا زالت حياته الخصبة محط اهتمام النقاد وآخرهم هوارد سونز الذي كتب السيرة بوحي الكثير من القصص المعروفة عن بوكوفسكي وغيرها من غير المعلن. وفي تفاصيل السيرة ان الرجل لم يعرف طفولة.. فهو عانى في سن مبكرة مع والد يضربه الى حد الأذية وأم مهملة اقل ما جعلته يعانيه ذاك المرض الجلدي الذي اكل جمال وجهه وترك اثره عليه طوال العمر، فوجد نفسه فريسة للوحدة والمعاناة.
ولد شارل بوكوفسكي في 16 آب 1920 في آندرناك في المانيا، والده اميركي من اصل الماني وقد عاشت العائلة ثلاثة أعوام في المانيا قبل الانتقال الى اميركا في العام 1923. وفي خضم الأزمة الاقتصادية اللاحقة، عاش الولد معاناة وطفولة عنيفة في ظل والد مدمن على الكحول يضربه ويضرب والدته. هذه الوالدة كانت صورة المرأة الأولى في حياته وتألم لوضعها الخاضع خاصة حين كان هو يواجه والده، وحين لم تكن لتعرف ان ترد له الثقة بنفسه امام السخرية التي كانت تلاحقه من قبل زملاء الدراسة حيث كان لقبه الخفي وهمساً: كيزيمودو المشوه. أما فترة المراهقة فكانت تصب في الوحدة وبالتالي باهتمام زائد بالدراسة مدعومة بارادة الوالد ان يكمل ابنه شهاداته لاشباع رغبته بمكانة بورجوازية للعائلة حين كان يستفيق من ثمله وشغفه بالكحول، فكان ان ارسله الى افضل المدارس وكان آخرها للشهادة الثانوية في لوس انجلس هاي سكول.
القصيدة و الجسد
حنا عبود
إن الشعر ملك الملوك ،لأنه هو الأساس وهوالمنشأ لكل الفروع والأنواع الأخرى. وقد ربطنا بين الشعر والجسد ،فلا يوجدعضو من أعضاء الجسدإلا يتقدم بمطالبةإلىالسلطةالمهيمنة… إلى العقل.. وهناك في القبةالجاثمة بين الكتفين تتم دراسة الطلبات، بعضها يرفض ، وبعض منها ينفذ، وبعضها الأخر يقمع ويوبّخ العضو ويعاقب على مطالبه تلك. فالقمع النفسي لا يتحقق في الهواء.. إنه يتحقق داخل الجسد، والحرية النفسية بالمقابل، لا تتحقق في في الهواء، بل في الجسد نفسه. فالطبيعة البشرية خزان النفس ومستودعه،فلا بد من الانطلاق منها لمعرفة (المعنويات المتجسدة في كتابة).إنها مقياس المقاييس، ورادار المعرفة. إن أي فكرة في مجال الشعر، مهما أوغلت في التجريد، لا بد من أن تستعين بأعضاء الجسد وأجهزته، حتى يكون لها حضور وبروز، بدءاً من الخلية وانتهاء بأرقى الأجهزة العصبية. ومهما أوغل الشاعر في التجريد، ومهما أكثر من استخدام (الأمل) و(الرجاء) و(المحبة) و(الصبر
اللّيلــــــة
أنسي الحاج


■ استعجال مبرَّر
أحد الأسباب الكامنة وراء نهج الكتابة البرقيّة: نفاد صبر الكتابة من الكاتب أو نفاد صبر الكاتب من الكتابة. إنه في كلّ حال تصرّف مُذْوِق حيال القارئ، الذي هو أَنْفَد الجميع صبراً.
■ الرشيق الخَطِر
جرّبْ الكتابة دون استعمال صيغة المتكلّم. صمودك فيها هو على قَدْر رفضك أن يرى غيرُكَ جراحك.
كما أنّ انجرافك مع صيغة المتكلّم هو على قَدْر جرأة صدْق لا يحتسب العواقب، وهذا بدوره احتشام.
«الأنا كريهة» كما قال باسكال الرشيق الخَطِر، ما خلا حين تُحَطّم قيودنا بانغماسها المُطْلَق في البوح، والتركيز، والتلاشي.
■ الجديد
تشتغل جَسَدَها ليشبه صورته، وتحت التصوّر تَصوُّر، والغوص يفضي إلى الغوص. مَظْهرٌ هو الكأس المقدّسة، شَعْرٌ هو روح، وسَطْعَةٌ من لَحْمها تُذكّر بأنَّ الجديد ليس الّا وجهةً لهذا السطوع.
■ غصون الأودية
لا جديد إلاّ له جذور في أودية الرأس.
■ معادلة
إلى جانب القول إن الإنسان متحدّرٌ من القرد، لمَ لا يقال إن القرد نوع (متخلّف؟) من البشر؟
■ رتابة الدهشة
الذي يَبْني على الحبّ لا يُحاسَب. الحبّ يعلو القِيَم، ولا يهمّ تحديد نوعه، كل أنواعه وجوه منه، ولو كان جَسَديُّه هو الأكثر تحريكاً لأعماق البحيرة.
الحبّ هو ما يأخذكَ نحو آخر. ما يحنيك، ما يُصْعدكَ بفضل آخر. ما يخلبكَ فيه، أو يجلوكَ، أو يعطيكَ أكثر ممّا تتوقّع، أو يدمّركَ كما تدمّر الصخرةُ الصاعقةَ التي تخترقها.
لا حاجة إلى إضافة وصف إلى الحبّ، فالشوق، فيه، يتضمّن كلّ المعاني التي قد يجد البعض حَرَجاً في تعدادها. إنّ الشوق، هذه الكلمة التي لا أعرف لها مرادفاً بجمالها في لغة أخرى، هو كلّ ال
دنيس جونسون ديفيز
قد يكون هناك كاتب عربي مهم لكنه لا يرضي بالضرورة القارئ الأجنبي


دنيس جونسون ديفيز مترجم ومبدع، كرس حياته لترجمة الأدب العربي الحديث إلي اللغة الإنكليزية، أحب هذا الأدب، ووجد أن أحسن وسيلة للتعريف به هو ترجمته، وقد كان من الأوائل الذين قاموا بهذه المهمة، حيث كانت أول ترجمة له سنة 1947 بترجمة مختارات قصصية لمحمود تيمور، نشرها علي حسابه الخاص، لا أحد كان آنذاك يهتم بالأدب العربي الحديث، وقد كانت مساهمة هذا المترجم الفذ ذات أهمية كبيرة في التعريف بهذا الأدب، وفي الوقت نفسه ساير تطوره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلي الآن، فترة زمنية ليست بالسهلة، عرف فيها دنيس مشاكل وعراقيل كثيرة، وهو يؤكد أنها مشاكل تواجه كل من يفتتح مجالا لأول مرة، لكنها لم تثنه عن المضي في درب الترجمة معرفا بالأدب العربي الحديث للقارئ الغربي الذي لم تكن له أي صلة بهذا الأدب، وقد كانت محنته كبيرة في البحث عن ناشر لترجماته في غياب أي دعم عربي، ولولا مجهوداته الشخصية لما تكلمت كثير من النصوص العربية اللغة الإنكليزية..
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي أن دنيس جونسون ديفيز كان يصدر مجلة ثقافية فصلية، في أوائل الستينيات، بعنوان أصوات ، وهي باللغة العربية، نشر فيها السياب والبياتي وغسان كنفاني، وزكريا تامر وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم من الكتاب والأدباء، ودام صدورها سنتين ونصفاً بأربعة عشرة عددا، وهي مساهمة منه في البحث عن أصوات جديدة والتعريف بها، لتساهم بشكل فعال في المشهد الإبداعي العربي.. لا يسعنا إلا أن نقف مذهولين أمام هذا العمل الجبار الذي قام به هذا المترجم المتواضع والودود، والذي يفيض محبة للعرب وللأدب العربي. وهو الآن عاكف علي ترجمة القرآن الكريم مع الأستاذ والباحث الدكتور عز الدين إبراهيم (المستشار الثقافي لسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله)، وبما أن القرآن الكريم صعب بالنسبة للأجنبي، فقد قاما بترجمة أجزاء كبيرة منه، تكون مبوبة من حيث الموضوع، وقد سبق لهما أن ترجما الأحاديث النبوية، والأحاديث القدسية، وكتاب ابن تيمية الكلم الطيب ..
وحتي تعم الفائدة نشير هنا إلي بعض الأعمال الأدبية العربية التي ترجمها ديفيز إلي اللغة الإنكليزية:
المختارات القصصية العربية: (القصة العربية الحديثة 1967)، (قصص عربية 1983)، (تحت السماء العارية 2002).
المجاميع القصصية: (قصص من الحياة المصرية لمحمود تيمور)، (جبل الشاي الأخضر ليحيي الطاهر عبد الله)، (الوقت والمكان مختارات قصصية لنجيب محفوظ)، (آخر كوب من الشاي لمحمد البساطي)، (كيد الرجال لسلوي بكر)، (النمور في اليوم العاشر لزكريا تامر)، (قنديل أم هاشم وقصص أخري ليحيي حقي).
الروايات: نجيب محفوظ: (رحلة ابن فطومة)، (ليالي ألف ليلة).
ـ الطيب صالح: (عرس الزين)، (موسم الهجرة إلي الشمال)، (بندر شاه ومريود).
ـ صنع الله إبراهيم: (تلك الرائحة).
ـ محمد البساطي: (البيوت وراء الأشجار).
المسرحيات: ترجم مجموعة من مسرحيات توفيق الحكيم (مصير صرصار أربع مسرحيات )، (يا طالع الشجر) وغيرها. الشعر: (موسيقي اللحم البشري لمحمود درويش).
بالإضافة إلي مجموعة قصصية صدرت له سنة 1999 بالإنكليزية بعنوان: مصير أسير وسيصدر له في نهاية هذه السنة كتاب بعنوان مذكرات مترجم . وكتب أيضا للأطفال حيث أصدر أربعين كتابا كلها تمتح من الثقافة العربية الإسلامية: خالد بن الوليد، صلاح الدين الأيوبي، عمرو بن العاص، ابن بطوطة.. الخ، وأيضا كتب عن قصص جحا الشخصية المفضلة عند ديفيز..
هذا فقط غيض من فيض، لنضع القارئ أمام مجهودات، أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها عظيمة، وتستحق منا التقدير والاحترام..
إن هذا الحوار الذي نتمني أن نغنيه بلقاءات أخري مع الأستاذ دنيس جونسون ديفيز قد تأخر لأكثر من سنة بسبب مشاغله وأسفاره الكثيرة، وأيضا لأنه نادرا ما يوافق علي محاورته.. وفيما يلي نص الحوار الذي أجريناه معه في منزله بمدينة مراكش. هنا نص الحوار:
من هو دنيس جونسون ديفيز؟ حدثنا عن حياتك وعن علاقتك باللغة العربية.
إنه حديث طويل جدا، لكن ما أريد تأكيده هو أنني درست اللغة العربية بالمصادفة، وبالمصادفة فقط. لقد عشت جزءا من حياتي وأنا طفل، في مصر وفي السودان ثم في أوغندا. وأنا في السودان كان عمري من أربع إلي ست سنوات، كنت أعيش في مكان اسمه وادي حلفة في الشمال، كل زملائي الأطفال سودانيون، لم يكن هناك أطفال إنكليز، وكنت مضطرا الي أن أتقن اللغة العربية (اللهجة السودانية). إن الطفل يتعلم بسرعة، لكنه ينسي بسرعة، لذلك حين ذهبت إلي انكلترا كان عمري إثني عشر عاماً لم أبدأ في تعلم اللغة العربية إلا في هذه السن، ولم أكن أعرف آنذاك ولا كلمة في اللغة العربية، ولذلك بدأت من الأول، لكن ربما كانت في أعماق ذاكرتي بقايا من اللغة العربية. إن الموضوع غريب فعلا، وقد تحدثت عنه في كتاب سينشر في بداية السنة المقبلة، وهو بعنوان مذكرات مترجم ، لقد حكيت فيه كيف بدأت في ميدان الترجمة.. يجب أن تعلم أنني لم أكن ناجحا في دراستي بالمرة والرتبة التي كنت أحصل عليها في القسم هي 23 علي 25، وكان لابد أن أكرر السنة، والشيء الغريب الذي حصل هو أنني كنت ألعب في المدرسة، اسكواتش، وهي لعبة مثل التنس تلعب داخل غرفة مغلقة، وكنت ماهرا في هذه اللعبة، بحيث كنت بطلها في المدرسة، لكن الناظر منع لعب هذه اللعبة بالنسبة للتلاميذ الذين لا يتجاوز عمرهم ست عشرة سنة، وبطبيعة الحال لم أكن قد بلغت بعد هذا السن (كان عمري آنذاك أربع عشرة سنة) فتدخل أبي وقال للناظر بما أن ابني بطل اسكوتش فلا بد أن يسمح له باللعب، ووصل به الأمر أن هدد بأخذي من المدرسة وفعلا فعل ذلك، فخرجت وكنت مبسوطا جدا، لأنني كنت أكره المدرسة كرها شديدا لأنها كانت داخلية وقاسية، وسألني أبي بعد ذلك قائلا: الآن، ها أنت قد خرجت من المدرسة فماذا ستفعل؟ لقد وضعت نفسي في مشكلة معك. فوجدت نفسي أقول: أريد أن أدرس اللغة العربية، فرحب بالفكرة، لكنه أوضح لي أنه لا بد أن أدرس سنة كاملة وأنجح لكي أتمكن من دراسة اللغة العربية، وفعلا اشتغلت ولأول مرة في حياتي شعرت أن أبي في موقف صعب، فدرست بشكل جيد وصارم ونجحت في الامتحان الذي يؤهلني لدخول جامعة كمبردج، لكن مرة أخري سأصادف مشكل السن، لأن عمري آنذاك خمس عشرة سنة، وهو سن لا يسمح بدخول هذه الجامعة، ولا يمكنني ذلك إلا بعد سنة، أي في سن السادسة عشرة (رغم أن العرف هو ثماني عشرة سنة)، فذهبت إذاك إلي لندن، والتحقت بمدرسة اللغات الشرقية وبدأت في دراسة اللغة العربية، وبعد ذلك دخلت جامعة كمبردج.. الخ. ولحسن حظي كانت الحرب قد بدأت فأرسلوني إلي بي.بي.سي (B.B.C) القسم العربي، وبقيت فيها خمس سنوات و
الكآبة
السويداء سبب عبقرية الغرب وجنونه


لم يشغل الغرب أي ميل للنفس البشرية زمناً طويلاً وبشكل مستمر كما شغلته الكآبة (Mlancolie). وإلى حد اليوم يبقى هذا الموضوع في صلب المشاكل التي يواجهها الإنسان، ويطال ميادين مختلفة: الفلسفة، الأدب والفن، طب الأمراض العقلية، الدين، الخ. وهذا ما يمنح المعرض المقام حالياً في "القصر الكبير" (باريس) كل أهميته. فمن المسلات الإغريقية وحتى الأعمال الفنية المعاصرة، مروراً بفنانين كبار مثل ديورر وبوسان وغويا وفريدريش ودولاكروا ورودان وفان غوغ ومونخ ودو كيريكو وبيكاسو، يقدّم المعرض الذي يتألف من 250 تحفة فنية تتراوح بين رسوم ولوحات ومحفورات ومنحوتات، نظرة شاملة لتمثيلات الكآبة في الغرب، مبيّناً كيف أن هذا الطبع الخاص سيكيّف العبقرية الأوروبية.
والكآبة التي تسبّب الألم والجنون هي أيضاً، منذ أرسطو، طبع الشخصيات العظيمة. وتشهد تسميتها بـ"المرض المقدّس" على هذه الازدواجية. غامضة، لا تزال الكآبة تحمل هذه الصفة الى حد اليوم، وإن أُخضعت منذ فترة قصيرة لمقاربة طبية وعلمية تحت تسمية "اكتئاب" أو "إعياء نفساني" (d?pression). ومن الرومانسية الى ما بعد الحداثة، شكّلت جميع الطوباويات الاجتماعية إعلانات حرب على "شعور التعاسة"، كما حرّمت أيديولوجيات التقدّم مشاعر النفس، وبشكل خاص عنف الكآبة. ولكن منذ بضع سنوات، حصل تغيير في عملية تفسير هذا الطبع. إذ بدأ مؤرخون، مثل جان ستاروبينسكي، بالنظر الى الكآبة كمحاولة للابتعاد بالنفس عن "خيبة الأمل" التي يخلّفها العالم فينا. وهي النظرة التي يتبناها القيّمون على المعرض الحالي من خلال كشفهم عن غنى التمثيلات الصورية المذهل لهذه الحالة النفسية وتنوع المشاعر التي تعبّر هذه الصور عنها، كالرقّة والعنف والوهن والهيجان والحلم والغضب واليأس. ولهذا لا نعجب أن يقوم تاريخ الفن ـ مع مؤرخين مثل ريمون كليبانسكي وإيرفين بانوفسكي وفريتز ساكسل ـ بمنح أسس المقاربة الجديدة لتاريخ الكآبة.
الصالات
يتألف المعرض الذي يحترم التسلسل التاريخي لظهور الأعمال الفنية المعروضة، من ثماني صالات:
الصالة الأولى مخصصة للكآبة في العالم القديم ويتقدم الأعمال المعروضة فيها سؤال أرسطو الشهير: "لماذا جميع الذين تميّزوا في ميادين الفلسفة والسياسة والشعر والفن كانوا أشخاصاً كئيبين، حتى ان بعضهم عرفوا ألماً شديداً مصدره "المِرّة السوداء" (مٌىق مْىَُ)؟ ويشير المعرض في هذا السياق الى تثبيت نظرية الطباع الأربعة في كتابات هيبوقراط في القرن الخامس قبل الميلاد. وقد اعتُبرت الكآبة كأخطر هذه الطباع نظراً الى تقلّباتها. ونشاهد في هذه الصالة عدداً من المسلات والأنصاب التذكارية والتماثيل الإغريقية والرومانية التي تتميّز بخصائص تشكيلية توحي بالكآبة.
وتنتقل الصالة الثانية بنا الى تمثيلات الكآبة في القرون الوسطى، فيشير القيّمون على المعرض فيها الى ابتعاد عدد من المسيحيين عن مجتمعهم انطلاقاً من القرن الثالث ميلادي وانعزالهم في الصحاري ا
سِماهم في صورهم
خافيار ماري/ترجمة: سامي سليمان

عالم الأدب اشتهر تشارلز ديكنز بكرسيه، وأوسكار وايلد بأناقته، ولم يكن بوسع إليوت فعل الكثير فيما يتعلق بآذانه. وهنالك المزيد، هنا يضعنا خافيار ماري أمام معرض خاص به يضم بعض الصور لبعض الأدباء في هذا الشأن، والتحليلات المتعلقة بها.
لا أحد يعلم بالضبط كيف كان سرفانتس يبدو أو يتصرف تماماً، ولا أحد يعرف بدقة كيف بدا شكسبير، ولعل الكثير من الوجوه والتصرفات التي تمر بنا يومياً تشبه إلى حد كبير هؤلاء، ولذا فقد انساقت الأجيال اللاحقة لوضع تصورات وأشكال توحي بالقلق والتردد والإضطراب والمعاني التي تخيلو وجودها في شخصياتهم تلك، والتي ربما لاتمت بصلة لهم، مثل شكسبير وسرفانتس.
في أغلب الأحيان اعتمد القراء على تصورات شخصية، فكل منهم رسم صورة له تبعاً للرواية أو الطريقة أو النهج الذي اتبعه الكاتب، وربما انتبه مؤلفو القرنين الأخيرين إلى تلك الناحية وتركوا خلفهم الكثير من الصور، أنا شخصياً، لدي اهتمام كبير بهذا، وعملت على تشكيل مجموعة غير منهجية بشكل كامل، وهي تشمل الآن حوالي 150 صورة.
القليل من تلك الصور تظهر الجسم بالكامل، فأغلبها يحوي صورة رأس الكاتب من دون جسده، والقلة تظهرأوضاع اضطجاع، جلوس أو وقوف
وفي كل وضعية من تلك الوضعيات، أو تفصيل صورة، تحليل ومفاتيح لشخصياتها، قد تدلنا على الكثير، وخاصة مع قلة تلك الصور أو انعدامها.
ربما كان ديكينز هوالأكثر استثناءً. فلديه ثلاث صور يبدو فيها في وضعية الجلوس، وفي إثنتان منها، يجلس على كرسي منفرج، في مواجهة ظهر الكرسي. في الصورة الأولى يبدو وحيداً، يوحي منظره بأن تلك الوضعية اصطناعية و تدرب عليها جيداً. حيث يميل ذراعيه على ظهر الكرسي، ويرفع ذراعه الأيمن لتلامس رأسه بشكل رشيق ويميل بكئابة مستنداً إلى تلك اليد. في الصورة الثانية يبدو مع بناته، ويبدو وكأنه يقرأ إليهم مجلد كما يبدو وربما أحد مؤلفاته. هنا أيضاً، يجلس منفرج الكرسي، مواجه لظهر الكرسي، وربما توحي لنا تلك الصورتين بأن الأمر أكثر من مجرد صدفة، فقد توحي لنا بأن ديكنز في الحقيقة كان يجلس في تلك الوضعية في كثير من الأوقات. وعموماً وفي كلتا الصورتين، يبدو بملامح جدية، و لا يبدو رجلاً مرحاً، أو حتى سعيداً، ويبدو خشناً ومتأنقاً بالأحرى. لكن ذلك قد لا يخدعنا: فالرجل الذي أعطى الحياة إلى بيكويك، ميكاوبير، سنوجراس وإلى العديد من الشخصيات الأخرى تكشف لنا الحس الهزلي اللماح الذي يملكه. في الصورة الثالثة يكشف هذا الرجل عن دهاءٍ وحيلة أكبر، حيث يظهر ربما مدعياً الكتابة، او الشروع بها، يدعي التفكير وقلمه في يده، ويستند بكل من قلمه ويديه على ورقة.وكأن ديكنز قد توقف لتأمل الجملة القادمة، هذا قد يوحي لنا هذا بأنه لن يكتب، أو على الأقل في تلك اللحظة، وهذا يمنحنا شعوراً شبه أكيد أنه يأخذ وقته كاملاً، ويفكر جيداً ربما قبل الشروع بكتاباته.
أما قدرة أوسكار وايلد على التأنق فقد وصفت بالمتطرفة جداً بحيث يصعب علينا في النهاية تمييز الأصل من الملابس والزينة، ولكنه وفي كل الحالات يسعى لأن يبدو رجلاً وسيماً للغاية، حتى أنه يبدو وكأنه يشبه نماذج إعلانات الطرق التي تصنع في أيامنا هذه. تعبير الفم هو نفسه في كل المناسبات، كما لو أنه أدرك تماماً من النظر إلى نفسه في المرآة، بأن هذا الجزء هو الوحيد المقبول والأج









