ناظم السيد


هل كان علينا أن ننتظر صدور الأعمال الشعرية لعباس بيضون لكي ندركه جيداً ونتعرّف من جديد علي شعره، هو المقيم بيننا بشخصه وشخصيته ونصّه؟ أحسب أن الجواب أجل. وربما كان هذا جواباً علي كل شاعر يجمع تجربته الطويلة في كتاب واحد. هذا ما بدا لي وأنا أعيد قراءة عباس بيضون في أعماله الشعرية التي صدرت في مجلدين عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر في بيروت. ما كان مبعثراً ومبثوثاً في كتب بعضها أكلته السوق وبعضها غاب في زحمة النشر وتراكماته، بدا مشدوداً إلي إصدار واحد. ليس هذا فحسب، إذ أتاحت لي هذه الأعمال ـ كقارئ ـ أن أري تجربة بيضون مرة واحدة في المكان نفسه. أن أشاهد هذه العمارة يؤازر بعضها بعضاً وتتكاتف نصوصها كحجارة. ما كنا ننظر إليه علي أنه مغارات مقفلة أو بيوت نمت منفردة، ظهر فجأة علي أنه كاتدرائية وإن كان عباس يكره وصفاً كهذا بحسب معرفتي به كشخص وبحسب رؤيته إلي الشعر كشاعر. وأزيد علي ذلك: ما كان كتابة شعرية نائية بنفسها ـ وإن كانت في صلب قصيدة النثر، ومجاورة لشعراء لبنانيين مجايلين للشاعر ـ بدا فجأة مشروعاً كاملاً منذ جرَّ عباس نفسه إلي النشر حين أصدر كتابه الوقت بجرعات كبيرة عام 1983، بعدما ترك كتابه الأول صور (الثاني في النشر) إحدي عشرة سنة في الدرج المعتم.
حين أصدر عباس بيضون الوقت بجرعات كبيرة كان تجاوز السادسة والثلاثين. أحسب أن الرجل انتظر نضوج قصيدته حتي يدفع بها إلي العلن، الأحري إلي التوثيق. كان كتب صور من قبل لكنه لم ينشر هذا الكتاب إلا عام 1985 (نشر خمسة كتب في تلك السنة). من قبل كان كتب كتابين في قصيدة التفعيلة لكنه لم ينشرهما. بهذا المعني كان الوقت بجرعات كبيرة بياناً شعرياً وإن لم يتصدّره بيان. كان إعلاناً تأسيسياً لجيل شعري جديد لن أسمّيه الجيل الثاني من شعراء قصيدة النثر. ذلك أن شعراء من هذا الجيل سبقوا عباس إلي النشر وبينهم بول شاوول ووديع سعادة وبسام حجّار وكانوا علي خلاف مع الروّاد في لبنان. بالطبع هذا خلاف غير معلن لأنه لم يُبنَ علي بيانات وتنظيرات وإنما علي نتاج شعري مختلف. إذاً، كان الوقت بجرعات كبيرة قطعاً مع شعراء شعر . كان قطعاً مع الشعر النبوي وشعر التفجير والتكسير والصفاء اللغوي والإنشاءات اللغوية والعمارات العائمة في الفضاء والنقاوة اللغوية، أي مع كل ما تبنته المدرسة اللبنانية ومارسته وأخذ حدّه الأقصي لدي أنسي الحاج. لكن بيضون ابن الثقافة اللبنانية والخارج عليها كان يقطع أيضاً مع المدرسة الأدونيسية، مدرسة البطل الميتافيزيقي والبطل التاريخي مثلما ابتعد بنصّه عن البطل التراجيدي المهمّش لدي محمد الماغوط. إذا كانت هذه الحال فما الملامح التي ظهرت في قصيدة بيضون وما الأسس التي بني عليها وأورثها لبعض شعراء الثمانينات الذين انتقدهم قبل أن يستوعبهم لاحقاً؟
لقد قام شعر عباس بيضون منذ الوقت بجرعات كبيرة علي تكسير آخر. في نصه تكسير للكلام وبعثرة لسياقه. الجمل عنده تترادف في الإيقاع، لكنها تفترق في المعني. كل جملة تكاد أن تكون قائمة بنفسها. ثمة تفكيك للبنية ربما يلتقي فيه الشاعر ـ من حيث الشكل ـ مع شوقي أبي شقرا منذ كتابه الثالث سنجاب يقع من البرج ، أي بعد كتابيه أكياس الفقراء و خطوات الملك اللذين كانا شعر تفعيلة. ومن حيث المضمون كان بيضون يرتب قصيدته علي إقصاء للعاطفة. لهذا يمكن القول إن عباس بيضون مؤسس الشعر الجاف في لبنان. لا عاطفة ولا انسحاق، لا تراجيديا ولا أطلال. شعر يدفع بالعاطفة إلي الحياد وإن كان أحياناً يتحدث عن تجربة السجن كما في مدافن زجاجية و نقد الألم . سعي عباس ـ وإن بغير قصد أو بقصد التمايز ـ إلي تأسيس عبارة جافة منزوعة العاطفة لا تقول معناها ولا تسلس أمام القارئ. صحيح أن القارئ هنا طرف إيجابي في صناعة القصيدة، لكن قصيدة بيضون نفسها موصدة أمام هذا القارئ ومقفلة علي نفسها. ثمة طمرٌ للمعني وإن كان لشعره موضوع إذا قيّض لنا التمييز بين المعني والمضمون بحسب عنوان كتاب الصديق الشاعر والناقد السوري عهد فاضل. استطراداً، أعاد عباس بيضون ـ مع عدد من مجايليه كما ورد ـ شعر الموضوع إلي الواجهة الشعرية. وهذا ما سأشير إليه من خلال مجموعاته الشعرية.
كتب بيضون المدينة والبحر في صور . في هذا الكتاب


















