من هو دنيس جونسون ديفيز؟

مايو 31st, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

دنيس جونسون ديفيز

قد يكون هناك كاتب عربي مهم لكنه لا يرضي بالضرورة القارئ الأجنبي

دنيس جونسون ديفيز مترجم ومبدع، كرس حياته لترجمة الأدب العربي الحديث إلي اللغة الإنكليزية، أحب هذا الأدب، ووجد أن أحسن وسيلة للتعريف به هو ترجمته، وقد كان من الأوائل الذين قاموا بهذه المهمة، حيث كانت أول ترجمة له سنة 1947 بترجمة مختارات قصصية لمحمود تيمور، نشرها علي حسابه الخاص، لا أحد كان آنذاك يهتم بالأدب العربي الحديث، وقد كانت مساهمة هذا المترجم الفذ ذات أهمية كبيرة في التعريف بهذا الأدب، وفي الوقت نفسه ساير تطوره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلي الآن، فترة زمنية ليست بالسهلة، عرف فيها دنيس مشاكل وعراقيل كثيرة، وهو يؤكد أنها مشاكل تواجه كل من يفتتح مجالا لأول مرة، لكنها لم تثنه عن المضي في درب الترجمة معرفا بالأدب العربي الحديث للقارئ الغربي الذي لم تكن له أي صلة بهذا الأدب، وقد كانت محنته كبيرة في البحث عن ناشر لترجماته في غياب أي دعم عربي، ولولا مجهوداته الشخصية لما تكلمت كثير من النصوص العربية اللغة الإنكليزية..

ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي أن دنيس جونسون ديفيز كان يصدر مجلة ثقافية فصلية، في أوائل الستينيات، بعنوان أصوات ، وهي باللغة العربية، نشر فيها السياب والبياتي وغسان كنفاني، وزكريا تامر وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم من الكتاب والأدباء، ودام صدورها سنتين ونصفاً بأربعة عشرة عددا، وهي مساهمة منه في البحث عن أصوات جديدة والتعريف بها، لتساهم بشكل فعال في المشهد الإبداعي العربي.. لا يسعنا إلا أن نقف مذهولين أمام هذا العمل الجبار الذي قام به هذا المترجم المتواضع والودود، والذي يفيض محبة للعرب وللأدب العربي. وهو الآن عاكف علي ترجمة القرآن الكريم مع الأستاذ والباحث الدكتور عز الدين إبراهيم (المستشار الثقافي لسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله)، وبما أن القرآن الكريم صعب بالنسبة للأجنبي، فقد قاما بترجمة أجزاء كبيرة منه، تكون مبوبة من حيث الموضوع، وقد سبق لهما أن ترجما الأحاديث النبوية، والأحاديث القدسية، وكتاب ابن تيمية الكلم الطيب ..

وحتي تعم الفائدة نشير هنا إلي بعض الأعمال الأدبية العربية التي ترجمها ديفيز إلي اللغة الإنكليزية:

المختارات القصصية العربية: (القصة العربية الحديثة 1967)، (قصص عربية 1983)، (تحت السماء العارية 2002).

المجاميع القصصية: (قصص من الحياة المصرية لمحمود تيمور)، (جبل الشاي الأخضر ليحيي الطاهر عبد الله)، (الوقت والمكان مختارات قصصية لنجيب محفوظ)، (آخر كوب من الشاي لمحمد البساطي)، (كيد الرجال لسلوي بكر)، (النمور في اليوم العاشر لزكريا تامر)، (قنديل أم هاشم وقصص أخري ليحيي حقي).

الروايات: نجيب محفوظ: (رحلة ابن فطومة)، (ليالي ألف ليلة).

ـ الطيب صالح: (عرس الزين)، (موسم الهجرة إلي الشمال)، (بندر شاه ومريود).

ـ صنع الله إبراهيم: (تلك الرائحة).

ـ محمد البساطي: (البيوت وراء الأشجار).

المسرحيات: ترجم مجموعة من مسرحيات توفيق الحكيم (مصير صرصار أربع مسرحيات )، (يا طالع الشجر) وغيرها. الشعر: (موسيقي اللحم البشري لمحمود درويش).

بالإضافة إلي مجموعة قصصية صدرت له سنة 1999 بالإنكليزية بعنوان: مصير أسير وسيصدر له في نهاية هذه السنة كتاب بعنوان مذكرات مترجم . وكتب أيضا للأطفال حيث أصدر أربعين كتابا كلها تمتح من الثقافة العربية الإسلامية: خالد بن الوليد، صلاح الدين الأيوبي، عمرو بن العاص، ابن بطوطة.. الخ، وأيضا كتب عن قصص جحا الشخصية المفضلة عند ديفيز..

هذا فقط غيض من فيض، لنضع القارئ أمام مجهودات، أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها عظيمة، وتستحق منا التقدير والاحترام..

إن هذا الحوار الذي نتمني أن نغنيه بلقاءات أخري مع الأستاذ دنيس جونسون ديفيز قد تأخر لأكثر من سنة بسبب مشاغله وأسفاره الكثيرة، وأيضا لأنه نادرا ما يوافق علي محاورته.. وفيما يلي نص الحوار الذي أجريناه معه في منزله بمدينة مراكش. هنا نص الحوار:

من هو دنيس جونسون ديفيز؟ حدثنا عن حياتك وعن علاقتك باللغة العربية.

إنه حديث طويل جدا، لكن ما أريد تأكيده هو أنني درست اللغة العربية بالمصادفة، وبالمصادفة فقط. لقد عشت جزءا من حياتي وأنا طفل، في مصر وفي السودان ثم في أوغندا. وأنا في السودان كان عمري من أربع إلي ست سنوات، كنت أعيش في مكان اسمه وادي حلفة في الشمال، كل زملائي الأطفال سودانيون، لم يكن هناك أطفال إنكليز، وكنت مضطرا الي أن أتقن اللغة العربية (اللهجة السودانية). إن الطفل يتعلم بسرعة، لكنه ينسي بسرعة، لذلك حين ذهبت إلي انكلترا كان عمري إثني عشر عاماً لم أبدأ في تعلم اللغة العربية إلا في هذه السن، ولم أكن أعرف آنذاك ولا كلمة في اللغة العربية، ولذلك بدأت من الأول، لكن ربما كانت في أعماق ذاكرتي بقايا من اللغة العربية. إن الموضوع غريب فعلا، وقد تحدثت عنه في كتاب سينشر في بداية السنة المقبلة، وهو بعنوان مذكرات مترجم ، لقد حكيت فيه كيف بدأت في ميدان الترجمة.. يجب أن تعلم أنني لم أكن ناجحا في دراستي بالمرة والرتبة التي كنت أحصل عليها في القسم هي 23 علي 25، وكان لابد أن أكرر السنة، والشيء الغريب الذي حصل هو أنني كنت ألعب في المدرسة، اسكواتش، وهي لعبة مثل التنس تلعب داخل غرفة مغلقة، وكنت ماهرا في هذه اللعبة، بحيث كنت بطلها في المدرسة، لكن الناظر منع لعب هذه اللعبة بالنسبة للتلاميذ الذين لا يتجاوز عمرهم ست عشرة سنة، وبطبيعة الحال لم أكن قد بلغت بعد هذا السن (كان عمري آنذاك أربع عشرة سنة) فتدخل أبي وقال للناظر بما أن ابني بطل اسكوتش فلا بد أن يسمح له باللعب، ووصل به الأمر أن هدد بأخذي من المدرسة وفعلا فعل ذلك، فخرجت وكنت مبسوطا جدا، لأنني كنت أكره المدرسة كرها شديدا لأنها كانت داخلية وقاسية، وسألني أبي بعد ذلك قائلا: الآن، ها أنت قد خرجت من المدرسة فماذا ستفعل؟ لقد وضعت نفسي في مشكلة معك. فوجدت نفسي أقول: أريد أن أدرس اللغة العربية، فرحب بالفكرة، لكنه أوضح لي أنه لا بد أن أدرس سنة كاملة وأنجح لكي أتمكن من دراسة اللغة العربية، وفعلا اشتغلت ولأول مرة في حياتي شعرت أن أبي في موقف صعب، فدرست بشكل جيد وصارم ونجحت في الامتحان الذي يؤهلني لدخول جامعة كمبردج، لكن مرة أخري سأصادف مشكل السن، لأن عمري آنذاك خمس عشرة سنة، وهو سن لا يسمح بدخول هذه الجامعة، ولا يمكنني ذلك إلا بعد سنة، أي في سن السادسة عشرة (رغم أن العرف هو ثماني عشرة سنة)، فذهبت إذاك إلي لندن، والتحقت بمدرسة اللغات الشرقية وبدأت في دراسة اللغة العربية، وبعد ذلك دخلت جامعة كمبردج.. الخ. ولحسن حظي كانت الحرب قد بدأت فأرسلوني إلي بي.بي.سي (B.B.C) القسم العربي، وبقيت فيها خمس سنوات و

المزيد


شنايدر: في عنواني، كلمة "الموت" تشير الى الفعل والشخص

يناير 18th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

كاتبان فرنسيان يتحاوران حول الموت والألم:

الموت بالنسبة اليَّ هو حين أكفُّ عن القراءة والكتابة

صدر للكاتبة شانتال توماس كتاب "الألم" عن دار "بايو" في باريس ومن المنتظر ان ينال هذا الكتاب اعجاب النقاد والقراء على حدّ سواء تماماً لما حصل في العام 2002 مع صدور كتابها و"داعات الملكة" الذي نال جائزة "فيمينا"، كذلك مع مؤلفاتها التي تناولت حياة الماركيز دوساد وكازانوفا والملكة ماري ـ انطوانيت. كما صدر لميشال شنايدر "ميتات متخيلة" عن دار "غراسيه" ومن أشهر كتبه التي وضعت اسمه في الصدارة "بودلير، السنوات العميقة" و"غلين غلود، بيانو سولو" و"جراح وذاكرة" وهو حاز جائزة "مديسيس" عام 2003.
في هذا الإطار ثمة قواسم مشتركة تجمع توماس وشنايدر في المؤلفين الجديدين. هذه القواسم قوامها "كلمات حول الألم والموت" تحدث عنها الاثنان الى مجلة "نوفيل اوبسرفاتور" في حديث طويل هو أقرب الى المحاورة الثنائية غير المباشرة تنقله الى العربية:
شنايدر يحاور توماس
ميشال شنايدر: لماذا تقولين ان جميع المعاصرين يتنكرون للألم مع انهم لا يتعرفون عن التشكي والتذمر وهم يفضلون دور الضحية على بقية الأدوار؟

ـ شانتال توماس: التشكي والتذمر امران لا يتعارضان مع رفض الألم. ربما اننا نشتكي أكثر كلما عجزنا عن تحديد مصدر تعاستنا او إذا ما تكلفنا البحث عن سببها. نحن نتذمر من كل شيء أو من أي تفصيل: الطقس، السياسة، الرجال، النساء، جهاز الكمبيوتر، انانية الأولاد، عدم ثقافة الشباب، غزو الاغرباء لبلادنا، الخ… والتشكي او التذمر يتغذى من الاحساس بعدم توفر العدالة، الأمر الذي يبحث دائماً عن كبش محرقة. مع أن الأمر أسهل لو أننا نتهم المجموعات او الأنظمة أو المعطيات الطبيعية… بدلاً من توجيه الاتهام الى فرد او تقبل جرح معين أو الخسارة.

ثمة شخصية مرت في فيلم لجان رنوار عنوانه "أصول اللعبة" تتحدث عن صعوبة فكرة الألم وكم أن الألم يجعله يشعر بالملل، خاصة الألم المنفرد فهو يجعلك تشعر بالوحدة: "اعتقد ان الألم المشترك أو من ضمن مجموعة أخف وطأة من ناحية الملل (…)" ولكن قد نشتكي من ضمن مجموعة ثم نتألم ونموت وحيدين…

ـ شنايدر: هل هناك معنى للألم؟ وهل ان هذا المعنى اليوم لم يتغير من زمن العصور القديمة التي درستها في الجاثك الخاصة؟
ـ توماس: بعض المتصوفين مثل هنريتش سوزو (1293 ـ 1366) اوليدوين دوشايدام (1380 ـ 1433) هم من العصور التي اتخذت رموزاً دينية خاصة آلام وصلب المسيح في الديانة المسيحية كان لها وقعها. وبالعذاب، كانت النفوس التقية (وكانت نسبتها عالية) وكان المشاركون في آلام المسيح في تلك المرحلة يظنون ان العذاب في هذا "العالم الأرضي" سوف يخدمهم في مرحلة انتقالهم الى الجنة. في هذا الاطار، كان الأمر طبيعياً، ليس فقط أن نحرم أنفسنا من الملذات بل حين يكون الايمان قوياً في أن نتعذب وأن نكتشف وجوهاً جديدة للألم. اليوم وفي مجتمعاتنا، هذه الرغبة في الإحساس بالألم لم تعد موجودة. نحن اليوم نتحرك بإسم السعادة والراحة. الجنة، نريدها على الأرض وفوراً". وحين يصيبنا الألم فجأة ومن دون انذار، نشعر فجأة بالعبثية والعنف الرهيب الموجه ضدنا وغير المبرر. لذا، فإن الامكانية الوحيدة لإعطاء الألم معنى ومواجهته هي في تقبله كجزء لا يتجزأ من حياتنا، أو كمرحلة من مغامرتنا في الحياة.
ـ شنايدر: وهل يمكن ان نتألم لغياب الألم ولمجرد اننا نجعل الآخرين يتألمون؟

ـ توماس: نعم، يمكن أن نتألم بسبب غياب الألم في حياتنا وهي حالة صعبة للغاية حاولت أن أشرحها في كتابي. وفي أقصى الحالة يمكن ان تؤدي الى الموت، وهنا الألم أو العذاب النفسي كثير المرارة إذ لا سبيل لجلعه يظهر الى العلن. هنا نكون أمام حالة من الإفلاس الشخصي ونجد انفسنا نراقب هذه الحالة. الألم بسبب غياب الألم لا يؤدي الى ذرف الدموع ولا يعطي رغبة في الكلام، حتى انها حالة يصعد على الانسان الذي يعيشها ان يواجهها بنفسه. أما الآخر المتألم في الواقع فهو يصرخ، يت

المزيد


نزار قباني كان ابن نفسه كل الوقت، وأعتقد أن مجلة شعر وأن تيارها لم يلقَ هوساً لديه

يناير 7th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

شوقي أبي شقرا

كان الرأي الحاسم والنهائي لي في القصيدة

داخل مجلة "شعر"

شوقي أبي شقرا يتحدث عن تجربته الطويلة في الشعر والصحافة وعن مجلة شعر على امتداد أربعة عقود بشفافية وعفوية وصراحة كاشفاً بعض ما التبس في شعره، وفي كواليس مجلة شعر والعلاقات التي كانت قائمة بين شعرائها.

وفي هذا الحوار الذي نجريه بمناسبة صدور كتابه: "تساقط الثمار والطيور وتبقى الورقة"

يتحدث عن الخصوصية المحلية باعتبارها النبع الأساسي الذي به يمكن أن نستغني عن كل المؤثرات الخارجية.

هنا الحوار:

* * *

خطيت منذ الستينات نمطاً وأسلوباً وقاموساً تعبيرياً لغوياً وعناوينك الشعرية عبرت عن رسم مشروع شعري كأن تبشر اللغة بالكاتب أو العنوان بالعبارة الشعرية كاملة كتعليق سياسي أو بلاغي أو إعلان على نحو عنوان مجموعتك الشعرية الجديدة:

ـ لي طابعي في العنوان الذي أضعه لمجموعتي ولي طابعي أيضاً في كل مجموعة أضعها مع عنوانها الذي أدركتك بعدئذ أنه يطول، وهذا ما لاحظه القارئ وكل من يشتغل بصناعة الأدب والشعر. والطول في عناويني الشعرية نابع من إيقاع داخلي فكأن هذا العنوان تلبية لحس داخلي ولإيقاع داخلي وكأن المجموعة الشعرية إنما تبدأ من عنوانها وليس من أول الصفحات في الداخل.

كان لي عنوان من كلمتين الأول "أكياس الفقراء" (1959)، والثاني "خطوات الملك" (1960)، واللافت في الأمر أن كليهما عنوانان لمجموعتين تقومان على بعض التفعيل وبعض الوزن ولما تم لي الاكتفاء بالوزن والتفعيل وانتقلت الى حرية التعبير الى موسيقى أخرى والى إيقاع آخر تبدل العنوان فوراً من نفسه وإذا به يطول من تلقائه ويصبح على هذا النحو "ماء الى حصان العائلة" وكان ذلك سنة 1962 في مجلة شعر وصدر عن دار المجلة ونال كما هو معروف جائزة مجلة شعر لتلك السنة وكانت الثالثة والأخيرة.

وأنت ترى من "ماء الى حصان العائلة" ثمة نمطاً في التعبير يختص بي وكذلك مختلف في إيقاعه وروحه وفي كونه ينبع من حركة داخلية هي حركة الذات وحركة المكان والموضوع ومجمل النسيج التعبيري. فكان أن ذلك المزيج من الجدة والتغيير اقتضى أن يكون العنوان طويلاً ليناسب المدى النفسي الرحب الذي يتمتع به النص أي نص "ماء الى حصان العائلة". واستطالت العناوين فيما بعد فلم تقف عند كلمة واحدة أو كلمتين لأنني أشعر بالضرورة أن يكون لي مدخل الى ما أريد قوله على وسع ما أنا أرغب فيه وعلى وسع ما عليّ أن أقوله، وأنا أضيف به الى ما عندنا من عطاء أدبي وخاصة من عطاء شعري إذ كنا آنئذ في الستينات في زهو المغامرة والبحث عن التغيير، تغيير النص الشعري والاتيان بما هو يليق بالمرحلة وبما يعتبر كأنه اكتشاف لا كأنه إضافة عادية الى ما سبق وتم.

فارس

"ترجمان القنوط" و"حارس الليل يرقص" و"الصفّر كل الأيام ناطورنا" و"داخلاً في خريف الاسوداد".. وتقولون أيضاً "ولا نجاري الشعراء، إذ نأسف على جثة الأيام وحداد الفصول ويباس الإجاصة على قدر جماد أرواحنا وحجمنا يزداد بطلاناً يأوي الى الورق، وكل الى النحافة والقصب". كأنه ارتفاع في منسوب الكآبة والذاتية الحزينة؟

ـ لا تنسى أنني كنت كأنني فارس صنديد ويلبس دروعاً مثبتة من الحديد والنحاس وكنت وهذا دوري ولا أنكره في منزلة الذي يعطي دائماً. وهذا حظ أتيح لي فكنت إذ أعطي وأعطي وما كنت تقريباً آخذ شيئاً سوى كنز المحبة، محبة الناس ولا سيما محبة الشاعر والأديب والفنان وكل الشباب الطامحين الى أن يركبوا صهوة القمم ويسلكوا الطريق التي سلكناها ويذهبوا الى النزال معنا في سبيل قضيتنا التي هي قضية الشعر الجديد وهي ما حاولناه منذ مجلة "شعر" وأكملناه في الصحافة اليومية.

إذاً كأنني كنت في حصن منيع ولا يدري الآخرون أننا تعذبنا على قدر ما كنا في بهجة وعظمة من الأفراح والانتقادات قبل الحرب وكنا في موجة من السعادة لكوننا نلعب دوراً سامياً كل يوم وهنا الطرافة وهنا المتعة. كل يوم يقوم على كلمة واحدة، على الجمال وهو لا يكون ذلك كذلك من دون أن نستقطب الأقلام والأفكار وسائر فنون المعرفة ونتحدث خلالها عما بنا ونكتشف الزمن مرحلة وراء مرحلة بل نكتشفه لحظة وراء لحظة ونحن سعداء كما قلت ونحن في عذوبة ما بعدها عذوبة وربما لا تتاح لغيرنا إلا لماماً. ولما جاءت الحرب، صحيح أننا استقلنا خلالها وثابرنا على العطاء (مع القول أننا انقطعنا سنة 1976 سنة واحدة ثم عدنا في العام 1977) ولم ننقطع من يومها مرة واحدة فيما غيرنا توقف ولم يكمل وكأن الثقافة، بل كأن ما هو جميل يجب أن يتوقف ويحذف وأن تكون الأولوية فقط مما هو موت ودمار وسياسة قاحلة.

وتابعنا الطريق، الطريق الشاقة وسرنا في وعورتها سيراً حثيثاً حتى ليخيل للقارئ أننا طبيعيون وأننا لا نتأمل في حركتنا، وأننا لسنا بشراً ضعفاء. فكأننا قوم نحن أهل الصحافة والفكر يجب أن نكون في المقدمة مهما تبدلت الظروف ومهما تكسّرت النصال على النصال.

وهنا كنت في عداد الذين تأثروا بالحرب ووطأتها الكاسحة وجنونها الكافر بحيث أنني مع رفاقي تفرّقنا في أماكن عدة. ولكن كنت العصب والطاحونة التي تشتغل بالثقافة وعلى الآخرين أن يأتوا إليها بالقمح، وأن يكونوا حاضرين كل يوم في سبيل الكلمة وفي سبيل ما نحن في صدده من الغايات التي تصب في جمال الوطن ولا تصب في جنون الحرب.

وكان القادمون من كل لون ومن كل فئة. وتصور أن الحرب لم تقطع الصلة بل زادتها حدة وزادتها رهافة بحيث كان الآخرون من الأقلام العربية الشابة ومن الأقلام اللبنانية ومن الصحافيين ومن أهل البيت، كلهم في نشاط واحد، وفي سياق واحد الى أن يعطوا ويكتبوا وأن لا تهدأ الصفحة الثقافية في "النهار" مطلقاً، بل تبقى حيّة وشهادة ضد الموت وضد الغياب وضد الجنون. ولست أدري كيف مررت تحت تلك الظلال وتحت كل العوامل، وأدري شيئاً واحداً أن ذلك عكس على نفسي غلالة من الحزن ومن المرارة، وظللت مع ذلك أصبر طويلاً وأعمل طويلاً أكاد أعطي المثل مثل رفاقي الآخرين على أن الحياة أقوى وعلى أن العطاء في ظروف قاتمة أنبل مما هو في ظروف هادئة.

وأنت تعلم أنني في مرحلة تالية عملت في الصحافة اليومية مثلما عملت من قبل ساعات وساعات وصفحات وصفحات بحيث تنوّعت المواضيع والأفكار والنشاطات وكذلك على صعيد حياتي تارة نتعرف وتارة نجتمع. تارة تكون في سلام موقت وتارة في ماء عكر وسحابات متلبدة. وكل هذا يعكس في ذاتي خميرة سبق أن تمثلت في دواوين كما ترى في "صلاة الاشتياق" (1994)، وهي حملت ملامح أولية طبيعية من الأحوال التي عشتها ومن الظروف التي انغمست فيها. ولكن ظلت تملك رشاقتها وبعض الرقص والطرب في ثناياها، ولا بد أنها حملت تأثيرات وألواناً مما عشناها ولكن بصورة هي لمن يقرأها تخرج من فعل الكآبة والاندحار الى فعل التمتع بالحبور، بل بالبقاء في جو من الشعر الذي يجلي الأمل. وهكذا مغزى الأمر في "ثياب سهرة الواحة والعشبة" حيث تناولت من خلال هذه المجموعة الثانية التي تكمّل "صلاة الاشتياق" وهي الفاتحة في أسلوب يتجاوز من حيث الطموح التعبيري ما سبق لي أن فعلته. إذاً استمر في "ثياب سهرة الواحة" هذا النسق من الأخذ من الحياة التي نعيشها وطبعاً بقيت على استيحاءاتي وهي من الذات، وهي من المكان الذي أنا فيه ومن الطبيعة التي تحيط بي وغالباً ما تدلني على الحقيقة، حقيقة نفسي مثل أن تكون حقيقة الآخرين.

أنت تعلم لم أكن حزيناً آنذاك بالمقدار الذي ينعكس مسحة أقوى في كتابي الجديد "تتساقط الثمار والطيور وتبقى الورقة".

ومثل ذلك، ولعلني أنني انتهيت من العمل اليومي وانتقلت الى حريتي، وكان لي أن فعلت "نوتي مزدهر القوّام" وهو أيضاً من حيث السياق والأنفاس يختلف عما سبقه، علماً أنه الثالث في السلسلة ومن النسيج الخاص الذي بدأ منذ "صلاة الاشتياق".

وكان الرابع الذي هو بين أيدينا وهنا غلبة للخميرة التي حدثتك عنها، خميرة الأسف والتحسر التي دفنت في نهر ذاتي بمثابة سمكة متحركة لم تظهر تماماً إلا في آخر ما كتبه، وهي غلبته لهذه الحركة من عدم السرور الذي مضى والذي كان يرافقنا حتى في أشد الأحوال إيلاماً، لأنه ينبع من العطاء أولاً قبل أن ينبع من النفس ثانياً.

استمرار

إذاً ديوانك الأخير كأنه استمرار لأعمالك السابقة، هل أنت من كتّاب القصيدة الواحدة كبودلير ومارلرميه أو بروتون أم أنك تفجر مراحل ضمن القصيدة الواحدة؟

ـ الأرجح أني أعمل على تنويعات موسيقية بدءاً من ظلال تكاد تكون متقاربة وليست واحدة بالضرورة. وأقول أن هذه الختامية في رباعيتي التي بدأت منذ "صلاة الاشتياق". هنا وصلت التجربة عندي الى حيث أستطيع أن أصفها بأنها التي احتوت ما يجيش بي وما يضطرب وما يتحرك، وما يتناثر من جمل موسيقية ومن تفجرات في النهر الذاتي وما هنالك من مخيلة تذهب دائماً الى بلادنا كما هي عادتي

منذ البدء واجلب منها ما يسد عندي كل الرغبات الجمالية والفنية وما استطيع به أن انتج وأكون مكملاً لشروطي ومتفقاً مع تجاربي، وأنت تعلم أنها تجارب بدأت منذ الخمسينات وعمرها الآن 40 سنة ونيف وتكاد ت

المزيد


ولد ديفيد معلوف في عام 1934 في برسبان باستراليا لأب لبناني وأم انجليزية،

ديسمبر 24th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

الشاعر والروائي الأسترالي ديفيد معلوف

أستراليا تعاني من الانفصال بين اللغة والمكان

منى مدكور   

تنتمي هذه المقابلة إلى مجموعة محدودة للغاية من المقابلات التي أجريت مع الشاعر والقاص والروائي الاسترالي ديفيد معلوف، الذي عرف عنه ميله إلى العزلة والعزوف عن مد الجسور مع أجهزة الإعلام

وقد أجرتها معه هيلين دانييل المحررة الثقافية في دورية «استراليا هيومانيتيز ريفيو»، وذلك بمناسبة صدور مجموعته القصصية الجديدة «كل حركة تأتيها» عن دار شاتو اللندنية، حيث ألقى فيها الضوء على أبرز سمات هذه المجموعة وتناول معالم عالمه الروائي وميل رواياته إلى إعادة تفسير الأساطير الاسترالية الموروثة، وتناول بالتفصيل الانفصال بين اللغة والمكان في استراليا. وفيما يلي نص المقابلة:

*ما هي في اعتقادك أبرز سمات مجموعتك القصصية الجديدة «كل حركة تأتيها»؟

ـ لست أعتقد أنه ستغيب عن قارئ هذه المجموعة النغمة الرثائية التي تسود قصصها، وهي نغمة ليست بالجديدة في أعمالي، لكنها ازدادت عمقاً وتغلغلاً على مدار السنين. وهذه المجموعة تهيمن عليها النهايات وتلويحات الوداع.

*في أي القصص على وجه الدقة تبرز هذه السمات أكثر من غيرها؟
ـ دعنا نأخذ علي سبيل المثال قصة «وليد الحرب»، حيث نجد شاباً مجنداً للحرب في فيتنام، وهو يذعن لقدره، ولكنه يمضي الأيام السابقة على رحيله غارقاً في طقوس وداعية ممتدة، ليس للناس الذين يعرفهم فحسب، وإنما لعالم العجائب الصغيرة الذي يسجل الآن بزخم جديد، والنثر هنا ينقل إلى القارئ فهم هذا الجندي لغرابة أشياء الحياة اليومية، بما في ذلك سخونة كوب الشاي الذي تلتف حوله أصابعه،
ونمط الزخرفة الزهري على البلاطات التي تكسو الجدار وراء حوض المطبخ في بيت أحد أصدقائه ومعجزة التوازن فيما هو يمضي قبيل رحيله منطلقاً بالدراجة بين تألق النجوم في السماء والتماع بريق سطح الطريق، وهناك وداعات متألقة أخرى في قصص مثل «حوالي منتصف الليل»، و«السيدة بورتر والصخرة» وغيرهما من قصص هذه المجموعة.

*يتحدث نك جوزيه في مجلة «استراليان بوك ريفيو» عن السمات الأوبرالية لروايتك «كارلو كريك». هل كنت على وعي بهذا القالب الأوبرالي لدى قيامك بكتابتها؟
ـ كلمة «أوبرالي» ربما ليست الكلمة التي أستخدمها أولاً في هذا السياق، أما كلمة «موسيقى» فهي بالتأكيد الكلمة التي أعتقد أنها تنطبق في هذه الحالة. ولكنني أعتقد أن ذلك ينطبق على الطريقة التي تشكلت بها كتبي كلها. ولست أنظر عادة إلى الاندفاع قدماً بالكتاب باعتباره شيئاً مرتبطاً بالحبكة، وإنما هو مرتبط باستكشاف الأشياء التي تعلن أولاً، في بعض الأحيان كالاستعارات في قصيدة علي وجه التقريب، ثم تستكشف نهايات الاستعارة وتترك هذه النهايات تمتد إلى تعارضات أخرى، مقارنات أخرى ثم تبادر إلى استكشاف هذه الأخيرة.
وأعتقد أن هذه هي الطريقة التي تمضي بها كتبي كلها تقريباً، وأعتقد أنني تعلمت حقاً أن أشكل رواية ما بالطريقة التي تعلمت بها أن أشكل قصيدة. ومن هناك فقد أشرت في الماضي إلى الكتب باعتبار أن لها نوعاً من الهيكل الشعري بتلك الطريقة، أو البنية الموسيقية، إذا أراد المرء أن يقول ذلك.

*العديد من رواياتك لها نوع من السكونية أو التوازن، النابعين من تلاعب هذه الإمكانات المتنافسة. ويبدو لي أن رواية «كارلو كريك» تشبه سلسلة من الفتحات تقريباً، كما لو كنت تجوب أرجاء بيت، متنقلاً من غرفة إلى أخرى، باحثاً عن استكشافات مترابطة. وهي تفرز خاصية سكونية غريبة.
ـ أعتقد أنني كلما تمت توعيتي بعملي أدركت عدد المرات التي أريد فيها حقاً استخدام الرواية لإيقاف الزمن، لتهدئة اندفاع الأشياء. وأنت يمكنك تهدئة اندفاع السرد، بحيث إن الثانية تغدو شيئاً يمكن استكشافه ربما عبر ما يزيد على صفحات. وأنا أحب هذا التلاعب بين الحركة والسكون في الرواية. وأعتقد أنه في هذا الكتاب هناك نوع خاص من مجموعة الحركات المندرجة في الحقيقية القائلة إن هناك مكانين للحركة حقاً، أحدهما هو مكان الرجلين في الكوخ وهذا يلبي المعيار الأرسطي الخاص بوحدة المكان.
ولكن هذين الشخصين كليهما لهما ماض، وما إن يبدأ كارني في الحديث عن الماضي، أو يبدأ أدير في التأمل في الماضي، حتى تجد نفسك في حركة مختلفة تمام الاختلاف، حركة ممتدة، تتخارج أكثر فأكثر، وتضم المزيد من الشخصيات، وتستغرق مدى زمنياً أوسع، وآمل كذلك مدى أوسع من البصيرة. وهكذا هناك حركتان متعارضتان في الكتاب.

*تحدثت ذات مرة عن «تلك السقطة التي تتسم بها استراليا، والتي لا يتوحد في إطارها المكان واللغة». هل لك في تفصيل القول في الهوة بين اللغة والمكان.. وحقاً.. السقطة؟
ـ أحسب أنني أقصد بالسقطة إحساسا بالانتزاع، شعورا بكون المرء خارج الحديقة، على سبيل المثال. ومن الصحيح أن كل شيء متعلق باللغة الانجليزية يستمد من مكان بعينه، من مشهد طبيعي محدد. كل شيء في اللغة له أصل في حقيقة مكان ما. وذلك صحيح في استراليا. فقد جلبنا اللغة الانجليزية إلى استراليا، وجعلناها تنطبق على عالم مختلف تماماً.
وهي تجعلنا أكثر وعياً فيما يتعلق باللغة واستخداماتها، والطريقة التي تتناسب بها، مقارنة بما يحتاج إليه متحدث في انجلترا، وينبغي أن تجعلنا أكثر وعياً باللغة باعتبارها شيئاً متعلقاً بالإرادة أكثر مما هي شيء طبيعي. وبقدر ما نحن شعب في استراليا، وبقدر ما لدينا ثقافة، فهي تضرب جذورها في تلك اللغة، تلك اللغة هي التي تحقق تماسكنا معاً، وعندما يتطلع الناس دوماً حولهم عما يحدد هويتنا الاسترالية، أو يحددنا كمجتمع، أو كأمة، أو كائنا ما كان،
يبدو لي أنه أقل كمونا في خصائص معينة،

المزيد


الرواية العربية تترنح علي منزلق خطر. وهي تمر بأسوأ حالاتها،

ديسمبر 17th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

الرواية العربية تترنح علي منزلق خطر!
حوار مع الروائي الليبي عبدالله الغزال

حاوره محمد الأصفر

طرابلس ـ القدس العربي : عبدالله الغزال روائي وقاص ليبي يعمل في صمت ويصدر الروايات المحكمة فنيا تباعا.. تراه نائيا عن الأضواء، لا يشارك في الأنشطة والأمسيات والندوات.. ولا يحب الصخب أو الزحام.. تخرج من كلية الهندسة، عمل مهندسا في شركة نفطية لتسع سنوات، ثم رجع إلي مسقط رأسه مصراتة، يعمل حاليا في التعليم العالي، جل وقته للكتابة والقراءة والتأمل العميق وطلبته الذين يدرسون الهندسة الميكانيكية.
صدرت له رواية (التابوت) ونالت جائزة الشارقة الأولي، وصدرت له مجموعة قصصية بعنوان (السوأة) ونالت أيضا جائزة الشارقة الأولي، وأصدر رواية القوقعة التي أشاد بها الناقد المغربي المعروف سعيد يقطين في تقديم مميز. رواية القوقعة رشحها الناشر اللبناني مؤسسة الانتشار العربي لجائزة بوكر العالمية للرواية العربية.. عبدالله الغزال راهن عليه الناقد الليبي عبدالحكيم المالكي وقدمه في عدة دراسات قيمة حول أدبه وإبداعه بوجه عام.
هذا الروائي من الروائيين الليبيين والعرب الشباب الذين ظهروا بداية الألفية ليأخذوا السرد الليبي والعربي إلي مناطق أخري جديدة لم يتطرق إليها السابقون.. هو يعمل في مشروعه بصمت من دون ضجيج أو صخب اعلامي ومن دون اتكاء علي أحد.. هنا حوار معه:

(الخوف أبقاني حيا) هي آخر رواياتك وهي تطبع الآن في مؤسسة الانتشار العربي بيروت؟ ماذا يعني لك الخوف كإنسان وكمبدع وهل هو خوف إبداعي أم وجودي؟
هناك عيون صغيرة كثيرة خائفة في أجناب الأرض الأربعة يعتصرها حزن أليم، وهناك عيون هرمة تحوطها تجاعيد كئيبة ترتجف بالرعب والخوف. لكن الخوف الأعظم يتجلي حين تنكشف بصيرة الإنسان علي الحقيقة المخيفة. حقيقة أن يعرف أنه وحده في مواجهة مصيره. الإنسان يمرض وحده ويهرم وحده ويموت وحده، الإنسان وحده لا يعني شيئا إذا وقف بعيدا عن القافلة البشرية كلها وهي تقطع متاهات الوجود، أنت تعني شيئا إذا كنت سائرا في القافلة. أنت تسير مع القافلة يملأ سمعك ضجيج السير وضوضاء الرحلة، ولكن إذا كنت من أصحاب الحظوة وخلوت إلي نفسك فالحقيقة المخيفة تتراءي لك حين تُسقط مقلتيك إلي الداخل فتري أسوار عزلتك وتكتشف وحدانيتك وغربتك في هذا الكون الواسع.
من يقرأ أعمالك يستشعر أنفاسا دينية وصوفية تتصاعد من هنا وهناك. هل تشغلك الأديان؟
الأديان هي ما تبقي من أنفاس الأنبياء الذين مشوا يوما علي هذه الأرض بأقدامهم الحافية لكنها لا تشغلني، ما يشغلني أكثر هم الأنبياء أنفسهم. إن مجرد ورود فكرة أن أولئك الصنف من البشر كانوا علي اتصال ما بالمطلق هي فكرة مرعبة. أما فكرة غيابهم فتثير في داخلي خوفا أكبر، لأن رحيلهم الطويل فتح ثغرة مرعبة في سور الوجود الإنساني هبت منها رياح الجحيم. قد يقول أحدهم إن ما يسود العالم الآن من صراعات مذهبية مخيفة وخلط في الأفكار وتخبط فكري هو نتاج طبيعي للمراحل التاريخية التي تعقب ظهور الأديان، وإحدي نتاجات العقل البشري المصاحبة عادة لحالة الهوس الديني التي تسود المجتمعات البشرية بعد غياب الأنبياء والرسل جسديا عن الساحة الإنسانية وهذا صحيح، لكن الحقيقة المروعة هي أن هناك صنفا ثالثا من البشر تسلل من هذه الثغرة وهم الساسة لذلك يتقاتل العالم مع نفسه تقاتلا انتحاريا وهو في طريق الدمار الذاتي. وهذا واضح في المراحل التاريخية التي لعبت فيها السلطة السياسية للأفكار الدينية دورا مؤثرا في الحروب البشرية. الأنبياء كانوا يبنون عرائش الظل والسلام ليستظل الناس والكائنات في أفيائها الباردة، والساسة يوقدون الجحيم.
في رواية التابوت إحالة إلي الموت؟ هل كانت الرحلة صوب الجنوب رحلة موت أم رحلة اكتشاف؟ ولماذا عنونت الرواية بالتابوت؟
رواية التابوت هي روايتي الأولي، وقد كتبتها في الشهور التي تلت نكبتي بوفاة الوالد رحمه الله، هي محاولة كتابية ووقفة متواضعة أمام ذلك السر الكبير الذي يسري في عروق الكون كله، وهو سر الموت والحياة، وهي محاولة لرصد وتحديد نوع تلك العلاقة الغامضة بين هذين الكائنين، فإذا تم الافتراض بأن الموت ليس فاعلا مدمرا بالكلية وأن الحياة ليست عملية بناء بالكلية وإن العلاقة بين الموت والحياة هي علاقة توازن واكتفاء متبادل دون أي خلل في الرتبة، وإنما هما كائنان خفيان يعملان معا في طقوس غاية في الغرابة لتكون النتيجة شيئاً اسمه الواقع المعاش يمكن القول بأن رواية التابوت هي محاولة ذلك الجندي استراق السمع إلي أصوات هذين الكائنين وتتبع آثار خطواتهما وهما يبنيان التاريخ والواقع معا واختلاس النظر إليهما من خلال شقوق التابوت الذي سيضمنا يوما كما ضم جسد والدي الفاضل رحمه الله.
في كتاباتك جميعها لحن حزين يبزغ بين الحين والآخر من ثنايا الكلمات، الكاتب والمترجم الأمريكي إيثان شورن قال ذلك أيضا، كيف يمكننا أن نعثر علي الفرح وسط توابيتك وقوقعاتك وخوفك؟
الحزن حقيقة لا مراء فيها تتنفسها مسام الأرض في كل لحظة. إذا كنت إنسانا فلا بد أن يكون لك من الحزن نصيب. لكنني هنا لا أقصد ذلك النوع من الحزن الذي يتكشف في الكتابات الروائية المشغولة أبدا بالمحنة الوجودية لصاحبها، وهو غالبا ما يتجلي ضمن الحركة السردية في مظاهر العزلة والتفرد والشعور بالغربة والنأي باطنيا عن السير مع القافلة البشرية ورفض المشاركة في الحياة الاجتماعية انطلاقا من يقين ذاتي بحقيقة الحياة المُرة، وتأكيد هذا الرفض بالاكتفاء بالعيش داخل دائرة تفكير متواصل في الهم الخاص، والتسلح بنظرة أحادية إلي الواقع الإنساني باعتباره موقفا مأساويا ميئوسا منه، وهي بذلك تكون أقرب للنظرة التي تصب في معين الأدب التشاؤمي، بل أشير إلي الحزن الأصيل الذي يكشف عن مغزاه ودلالاته في حقيقة جمالية وإنسانية مغرقة في حنين عارم إلي ماضي عرائش السلام التي بناها الأنبياء واستظل تحتها البشر. هي تلك الحقيقة التي تكون دالة بطريقة ما علي هاجس فطري عظيم يؤجج جذوة تلك الحرقة الوجدانية الدائمة لدي الإنسان في رحلة بحث طويلة عن الحقيقة الكبري، معتمدا في ذلك علي تسخير طاقة هائلة من الأشواق، وعن طريق إرهاف السمع الباطني لكل ما هو مخبوء وراء مظاهر الأشياء، وإفساح المجال أمام عين القلب والبصيرة. وهذه النظرة العميقة إلي الكون والحياة لا تحمل معني ظلاميا لهبة الحياة، بل تحاول وفق قدرات خاصة يمتلكها الإنسان نفسه الولوجَ إلي أفق جديد من الآفاق المجهولة المحيطة بالسؤال الكبير وهو هذا الوجود العظيم.
أنت درست الهندسة، وتعليمك الجامعي كان باللغة الإنكليزية، فكيف تورطت في كتابة الرواية العربية؟
الكتابة في نظري اعتناق غامض لسر الحرف الذي أودعه الإله العظيم في خِلقة الكلمة، الكتابة شيء مخيف ومثير، والكلمة كائن مخيف، لأن جميع الأشياء خلقت من الحرف، فهذا الكون الفسيح وهذه الأرض وذلك الإنسان، كل شيء كان لا شيء حتي أخرج الله هذه الأكوان من ظلمة العدم ومن جوف الكلمة (كن) عندما أمر الإله السر القابع داخلها بالتحرك والخروج ليتم بعد ذلك خلق الكون من شموس وكواكب وكائنات حية، هذا العالم المادي المحسوس الذي نراه حولنا الآن هادرا بالحياة.
أنت تعيش في مصراتة وولدت فيها لكننا لا نجدها واضحة بالمفهوم المكاني رغم القيمة التاريخية لهذه المدينة، فلا نجد شوارعها أو أسواقها أو مدارسها وحتي إن وضعت مرفقا ما فلا تذكر اسمه تقول مثلا مطار.. ميناء.. سوق.. مدرسة من دون تحديد.. كيف لم يغرك المكان وسحره ونكهته، وكيف لم ينجح في استدراجك لهذه الأجواء؟
لا شك أن للكتابة همومها الخاصة، ولكن جدواها لا يخرج عن تلك الدائرة التي يري من خلال


المزيد


انطلاقة أوربا في القرنين 15و16 كانت على حساب العالم العربي مباشرة

ديسمبر 12th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

أمين معلوف وجهاد فاضل        

كتبت بالفرنسية لأصحح فكرة الآخر عنا

 

          أمين معلوف كاتب لبناني يعيش في باريس صدرت له باللغة الفرنسية روايات عدة نال بعضها جوائز أدبية رفيعة, ونُقلت جميعها إلى ما يزيد على ثلاثين لغة عالمية. وقد شكلت هذه الروايات عند صدورها حدثا أدبيا وثقافيا لا لمتعتها التي تعيد إلى الذاكرة قصص ألف ليلة وليلة التي كتبها أجداد أمين معلوف, بل لأنها نقلت إلى الغرب, ومباشرة عبر لغة من لغاته, وجهة نظر شقيق له, هو الشرق, ساهمت الغربة وبعد المزار, وكذلك الحروب القديمة والحديثة التي نشأت بينهما, في إحداث فرقة أدت مع الوقت إلى جهل أحدهما للآخر وانطوائه على وجهات نظر عن هذا الآخر ليست دائماً صحيحة أو دقيقة. وما فعل أمين معلوف في أعماله الروائية المتكئة في أكثرها على التاريخ, هو أنه نقل إلى الغربيين وجهة نظر الشرقيين, كما قدم لهم جوانب مشرقة في حضارتنا, هدف من ورائها إلى إقامة حوار من نوع مختلف, كما إلى مراجعة الكثير من صفحات التاريخ المشترك فهمها الغربيون, في الأعم الأغلب, على نحو مشوه.

          وقد احتفى الغربيون أيّما احتفاء بكتب أمين معلوف: (الحروب الصليبية كما رآها العرب), و(ليون الإفريقي), و(سمرقند), و(حدائق النور) وسواها من الأعمال التي أضافت إلى المتعة والفائدة صفة أخرى شديدة الأهمية, هي أنها ألفت فصلاً جديداً في الحوار بين الشرق والغرب, وهو حوار قديم وحديث ومتجدد باستمرار. وإذا شئنا التخصيص قلنا إن هذا الحوار الذي بدأ به أمين معلوف في كتبه إنما كان حواراً بين العرب والمسلمين وبين أوربا بالذات, وهما عالمان قريبان وبعيدان في آن, يفصل بينهما, كما يجمع بينهما, بحر طالما ازدهرت حضارات مشتركة بينهما على ضفافه, كما قامت حروب مدمّرة. وإذا كان مارون عبود قد أطلق مرة اسم (صقر لبنان) على الرائد النهضوي أحمد فارس الشدياق استناداً إلى دوره في النهضة, وهو دور تجاوز لبنان إلى آفاق بعيدة, فإن أمين معلوف يستحق اللقب نفسه في وقتنا الراهن نظرا للدور الفائق الأهمية الذي أداه للبنان والعرب في ديار الغرب, ولنبل الخطاب الوطني والثقافي الذي حمله.

          في هذا الحوار مع (العربي) الذي جرى في العاصمة اللبنانية, وشارك فيه رئيس التحرير الدكتور سليمان العسكري, يتحدث أمين معلوف عن هذه العلاقة المعقدة بين أوربا والعالم العربي, وعن مستقبل هذه العلاقة. هو يرى أن العالم العربي قريب من أوربا وبعيد عنها في آن, والذي ساهم في إحداث الشرخ بينهما هو أن أوربا عندما (انفجرت) في القرنين الخامس عشر والسادس عشر, كان العالم العربي هو أول من تلقى الضربة منها بصورة مباشرة, وتعذر عليه بعدها أن ينهض على قدميه لأن الذي تلا هذه الضربة هو الاستعمار الذي خضعت له بلادنا, وامتنع عليها بعده النهوض من كبوتها وقيام أي تطور مستقل لها. وفي الوقت الراهن مازالت الهوّة شاسعة بين العالمين, ومن مظاهرها أن مدينة في جنوب إسبانيا محاذية لمدينة في شمال المغرب لا يفصل بينها سوى مضيق بسيط, هي أقرب إلى ليتوانيا منها إلى هذه المدينة المغربية.

          ولكن أمين معلوف يرى أن أوربا والعالم العربي يحتاج كل منهما إلى الآخر حاجة ماسّة , ويحلم بقيام رابطة وثيقة بينهما يتمنى أن تصل إلى حدّ (الشراكة العضوية) بحيث تقوم (وحدة عربية - أوربية) من شأنها أن تحقق لدول العالم العربي, وفي خلال فترة زمنية قصيرة, فورة حضارية واقتصادية واجتماعية غير متوقعة, تلحقنا بالعصر, تماماً كما حصل في إسبانيا واليونان وقبرص التي انتقلت بعد عملية (تلاقح) مع أوربا من حال إلى حال.

          يقول أمين معلوف: (علينا نحن العرب أن نتخذ المبادرة, أن نخرج من تزمّتنا. إنني أحلم بوحدة أوربية متوسطية تشمل حزمة من الدول المجاورة لأوربا مثل تركيا, ومعظم دول الشرق الأوسط, ودولة مثل المغرب, تمهيدا لالتحاق كل دول المغرب, وحدة أو شراكة عضوية بين أوربا والعالم العربي).

          يقيم أمين معلوف في فرنسا منذ 27 عاماً, ترك لبنان في خضم الحرب اللبنانية إلى فرنسا التي  يجيد لغتها, وعمل في الصحافة الفرنسية قبل أن يتخصص بهذا النوع من الكتابة الروائية الذي لقي إقبالا عالميا منقطع النظير, والغريب أنه يتحدّر من أسرة لبنانية تخصص أبناؤها بالأدب العربي, وقد قدّمت هذه الأسرة للشعر العربي وحده أكثر من سبعين شاعرا يأتي في طليعتهم شفيق المعلوف صاحب (عبقر) وفوزي المعلوف صاحب (على بساط الريح). وكان والده رشدي المعلوف صحفيا وأديبا وشاعرا أيضا.

          نقل أمين معلوف للقارئ الغربي صورة مشرقة عن الحضارة العربية, صورة أمينة بالدرجة الأولى. روى جوانب من سيرة بغداد, وسمرقند, وبخارى, وغرناطة, والأندلس عموما. قدّم للقارئ الغربي وجهة نظر المسلمين في الحروب الصليبية لتكون لديهم صور مختلفة عمّا سمّاه المؤرخون العرب بـ(حروب الفرنجة). لم يتملق  القارئ الغربي أو يدغدغ غرائزه بالقول إن تاريخ العرب كان تاريخ الدم والمجازر والمذابح, وإنما ترك هذا الحديث لسواه من بعض الكتّاب الصغار الذين يعيشون في الغرب, وانطلق يروي تاريخ منطقته وحضارته رواية مشرّفة ونبيلة.

          وهذا هو نص الحوار مع الكاتب اللبناني الكبير الذي يؤلف نوعاً من جسر بين حضارتين, بين ضفتين.

ظاهرة جديدة

  • بدايةً لماذا كتبت باللغة الفرنسية مع أنك تعرف العربية جيدا, وبذلك خرجت على تقاليد آل المعلوف الأسرة التي قدّمت للغة العربية والأدب والشعر العربي العشرات, بل المئات من الأدباء والشعراء.

          - اختياري الكتابة باللغة الفرنسية له أسباب مختلفة, السبب الأولي, وربما الأساسي, كان الحرب في لبنان, واضطراري للانتقال إلى مجتمع آخر, وربما استسهال الكتابة بلغة المجتمع الذي انتقلت إليه.

          في لبنان درست اللغة الفرنسية ولكن في الوقت نفسه, كانت اللغة الطبيعية بالنسبة إليّ هي اللغة العربية, وقد بدأت حياتي المهنية في جريدة (النهار) باللغة العربية. كنت في مرحلة معينة من عملي فيها أكتب مقالا يوميا تقريبا بالعربية, وفي مواضيع سياسية. وأتصور أنني لولا ظروف الحرب والهجرة, كنت استمررت بالكتابة بالعربية, وكان من المفروض أن يحصل هذا بشكل تلقائي.

          عند انتقالي إلى فرنسا, وجدت من السهولة أن أكتب بالفرنسية إذ كانت لدي معرفة مسبقة وجيدة بها. في لبنان درست في مدرسة كانت اللغة الفرنسية تُدرّس فيها تدريساً جيداً, وربما بصورة أفضل من اللغة العربية.

          بالنسبة لي شخصياً, كان مناخ اللغة العربية في المنزل, يؤمّن لي نوعا من التوازن في علاقتي باللغة الفرنسية. ويومها لو كنت منصرفا إلى اللغة الفرنسية وحدها, لكانت هذه اللغة بالنسبة إلي أقوى بكثير من لغتي العربية. ولكن بيتنا كان يتوافر على تقاليد: في هذا البيت لم أتكلم مرة إلا بالعربية. كان والدي رشدي المعلوف كاتبا وأديبا وشاعرا وصحفيا يكتب طبعا بالعربية. وكان لدينا كأسرة نوع من الفخر بما قدمه آل المعلوف للغة العربية والأدب العربي. وبالطبع كان للأسرة تاريخ معروف وعريق بهذه اللغة, ولذلك كان لابد من توافر نوع من التوازن بين اللغتين, بعدهما جاءت الإنجليزية بالنسبة لي في الموقع الثالث.

          كان السبب الأول لانصرافي إلى الكتابة باللغة الفرنسية, سفري إلى فرنسا. إن الشخص الذي يعيش في مجتمع, ويندمج في هذا المجتمع, لابد له من أن يتوقع ردود فعل على ما يكتبه في هذا المجتمع, وهذا أمر طبيعي, ولا ننسى أيضا أن الشخص الذي يعيش في مجتمع ما, ولا يكتب بلغته, لا يكون وضعه سهلاً أيضا. لهذا لم أشعر يوماً وأنا في لبنان, وقبل مغادرتي إلى فرنسا, بأن من الممكن أن أكتب بالفرنسية باستمرار, وكنت كتبت بالعربية أولا, كما كتبت بالفرنسية.

          سبب آخر دفعني إلى الكتابة بالفرنسية هو أنني شعرت في فرنسا بحاجة إلى نقل أشياء معينة إلى قارئ أوربي. ليس صدفة أن الكتاب الأول الذي كتبته بالفرنسية كان عن الحروب الصليبية, كما رآها العرب. كان لدي شعور بأن هناك أشياء قدمت معي من المنطقة العربية التي عشت فيها, غير معروفة في الغرب, أو أنها معروفة ولكن بشكل خاطئ أو مشوّه. شعرت بضرورة نقل صورة أخرى عن الحضارة العربية والعالم العربي, هي غير الصورة الموجودة لدى الغربيين, أو غير الصورة التي كانت ترد تقليدياً إلى الغرب عن طريق الرحّالة الغربيين الذين كانوا يجيئون إلى الشرق ثم يصفونه عند عودتهم.

          هذه الناحية بدأ بها قبلي كتّاب شرقيون آخرون كتبوا عن الشرق بلغات الغرب. ثمة ظاهرة بدأت تتكثف في العقدين الأخيرين من القرن الماضي تتمثل في كتّاب قدموا أصلا من دول بعيدة بدأوا يعبّرون بلغات أوربية كالفرنسية والإنجليزية والإسبانية والألمانية عن تاريخهم وتراثهم وأحوال بلدانهم وتطلعاتهم. هناك - مثلاً - كتّاب أتراك يعيشون في أل

المزيد


في تاريخنا الثقافي لا أحد اخترق التابوهات سوى الصادق النيهوم"

ديسمبر 8th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

حوار مع الشاعر سالم العوكلي

حاوره / علي الربيعي

عن ليبيا اليوم

الجسد مختبر أسئلة لا تنفك تتوالد ، وهو كينونة متغيرة أنثربولوجياً وزمنياً"
"حين بدأت كتابة هذا النص لم أفكر في كسر التابو أو ضرب أية سلطة"
"إن أي تطرق للجنس في الكتابة يتم ربطه بالغرب المنحل وكأننا نتكاثر بالانقسام"
"الكون دون خطيئة هو كون صامت وممل"
"تحويل الجسد إلى آلة هو أكثر الأشياء رعباً"
"أنا لا أفرق بين الجسد والنص ، فكلاهما يحتاج إلى إعادة الاعتبار"
"رقابة المطبوعات توقف كتباً كاملة من أجل قبلة"
"في تاريخنا الثقافي لا أحد اخترق التابوهات سوى الصادق النيهوم"
"إن عبارة شفرة التلقي جوهرية جداً
"

• في شعرك دعوة إلى الحرية .. ! ذلك يجرني لسؤالك عن مدى تفهمك للآخر المختلف ، تقنياً وأيديولوجياً، وعن مفهومك لحرية النص وسلطته وتأثيره ؟ وجدوى الحوار في مجتمع لا يؤمن بغير الأحادية على كافة الأصعدة والمستويات ؟!

إن جوهر الفن عموماً والشعر كموضوع لحوارنا يتلخص في محاولة التواصل مع الآخر في داخلنا ، ثمة إنصات لابد أن يجيده الشاعر للصوت الذي في داخله كي يستحلب نصه ، هذا الصوت المقموع أمام حدة المطالب الاجتماعية والمقولات الأخلاقية السائدة هو ما يشكل حقيقة رفض الشاعر المؤمن بذاته لكل ما هو سائد وهنا تبرز مسألة الحرية كمحترف جمالي للشعر ، إن اكتشاف الآخر المجازف في دواخلنا وإنطاقه هو أول ممارسة للحرية عبر الكتابة ، ومن خلال هذا التواصل يتم المستوى الثاني عبر التواصل مع الآخر المختلف أو حتى المشابه ، والتواصل هنا لا يعني أي قدر من التنازلات لكنه يمثل فن الاختلاف والحوار ، فالشاعر الحقيقي هو ناثر صادم لكل الترسيمات المتفق عليها، والذهنيات المستأنسة لهذه الترسيمات، وهو شأن قد يسبب قطيعة مع المحيط ،إلا إذا كان المحيط أكثر قابلية للاختلاف ولتفهم تلك النزعات التحررية القادمة أصلاً من الآخر المصادر في أعماق كل منا .

لا يوجد مجتمع يمكن التعبير عنه بهذه القطعية "مجتمع لا يؤمن بغير الأحادية …" فطالما هناك لغة يعني أن هناك حواراً ، لكن أصالة هذا الحوار ومستواه المعرفي والجدالي هو ما يمكن أن نختلف حوله ، ربما من هذا المنطلق لجأت في كتابة قصيدتي إلى تقنية تعدد الأصوات والضمائر وتجنب نص المونولوج الذي يهيمن عليه صوت واحد، حاولت أن لا أتماهى تقنياً وخطابياً مع تفشي حالة المونولوج لدينا في الثقافة والاجتماع وفي السياسة ، إن مدخل تعدد الأصوات جوهري في معظم الكتابات النقدية التي تعاملت مع النثر والشعر .

ما أثر الرتابة على تجربة الشاعر ؟ وما مدى حاجته كمبدع إلى الضجيج الذي من الممكن أن يمنحه تجارب إضافية ؟

لقد أنجز طاغور قصائد الحب والتأمل الصوفي  بهدوء شديد وسط ضجيج الهند وفي أكثر مراحلها صخبا ، وكتب المعري قصائده الضاجة في قلب عزلته وعتمته الهادئة ، الشعر كما قلت يحتاج إلى الإصغاء للصوت التائه في أعماقنا، ومن ثم صفن العين في المحيط الجمالي والتأمل بريبة في كل ما يبدو واضحاً ومسلماً به، وهذا يحدث في الرتابة أو في الضجيج ، في مقهى صاخب في شارع مزدحم أو في خلوة في الخلاء ، وإن كل ما يثري تجربة الإنسان في الحياة يثري بالتأكيد كتابته ، القراءة أو السفر أو التأمل الصوفي أو الحب أو الجنس ، فقط على الشاعر ان يؤمن بما يفعله وأن يحتفظ دائماً بجرعة من القلق الوجودي الذي ينقذ التجربة الشعرية من محاكاة الواقع ومن رطانة اليقين والرضا في داخلها .

كيف يمكن حل شفرة التلقي ؟ هل تؤمن بشرعية هكذا سؤال في ظل تصاعد الجدل القائم عن جدوى التلقي ؟ هل راودك سؤال قادح كهذا لحظة إنجازك للنص ؟ .

عندما يقرر الإنسان استخدام اللغة للكتابة فهذا يعني مبدئياً حرصه على التواصل بأكبر قدر من البشر على وجه الأرض ، وإلا ستكون الكتابة ضرب من الهلوسة أو نوع من الاستمناء ، أحرص حين أكتب قصيدتي على التواصل مع القارئ المفترض دون ان أعطي أية تنازلات جمالية أو خطابية ، أتحاشى دغدغة العواطف أو مداهنة القارئ الكسول أو التأكيد على أفكار تستهوي عادة الجماعة المنصاعة لتقاليد ثابتة ، أحاول ان أجر القاريء عبر الجمال إلى حقل تساؤلاتي، وأن أدخل معه في حوار ينطلق من دفعه للتدرب على الإصغاء للأصوات المكبلة داخله ، وعبر غموض لا أتصنعه أحاول ان اخلق معه منطقة للشغل المشترك لمحاولة تلمس الأشياء والتعرف عليها من جديد، عبر وضعها في سياقات شاكة ومتسائلة ، أعترف أحياناً بفشلي في ذلك ، وأحياناً أحس أني نجحت في خلق هذا الحقل التداولي الذي يجعل من القراءة فن آخر لا يقل عن فن الكتابة . إن عبارة شفرة التلقي جوهرية جداً ، وهذه الشفرة هي التي اشتغلت على فكها معظم المناهج النقدية ، إذاً ثمة شفرة تحتاج إلى المران والتدريب خصوصاً مع اقتراحات القصيدة الحديثة المخلصة لمعرفة العصر ، حيث في مجتمعات أخرى يتم تدريب الطلاب عبر ورش فنية على تقنيات فهم القصيدة الحديثة والتواصل معها ، وهذا للأسف غائب عندنا تماماُ كغياب النص الحديث عن المناهج الدراسية .

ما الذي يميز نص الومضة .. كونك تلجأ إليه بين الحين والآخر ؟! بعض التجارب وخاصة النسائية منها انجزتها بشكل بدا فيه النص مبتوراً .. كيف تنأى بنصك عن التورط في هكذا "سمة " ؟ ألا ترى أن عيوب إنجاز الومضة الشعرية في ليبيا تحولت إلى "سمات" ؟ كيف ترى الأمر ؟

نص الومضة كان محاولة للتجريب لكن لم يكن مشروعي ، وتأتي شرعيته عبر الكثير من التنظيرات التي ترى ان الشعر ليس سوى ومضة وما يأتي بعده مكابدة أو صناعة من اجل كتابة قصيدة طويلة ، لكن شعر الومضة ليس بالسهولة الظاهرة عليه، والبعض استسهل هذا الضرب من الكتابة عبر صف كلمات لا تقول شيئاً ، يعجبني في هذا النوع من الكتابة الشعرية تجربة الشاعر فرج بوشينة حيث التأمل والقدرة على ضبط الكلمات تعطي هذه الومضات عمقاً يجعلها تكتفي بهذا القدر ، أما التجارب النسائية في ليبيا فهي مازالت تحتاج إلى الكثير، وما يعيب هذه التجارب غياب الثقافة التي تقف وراء النص عموماً والومضة خصوصاً ، لكنها خصيصة نجدها حتى في تراثنا الشعبي حيث تحضر المرأة عبر غناوة العلم وغناوي الرحى أو المراثي المختصرة ، وهي نوع من الومضات المعبرة المخلصة لواقع الأنثى عندنا التي عليها أن تقول في أقل كلمات ممكنة وبرموز خفية ، كي تعبر عن ما في داخلها دون استفزاز شهريار القابع فينا ، ثمة تجارب جريئة أضافت إلى بانوراما الشعر الليبي مثل سعاد سالم وسعاد يونس ونعيمة الزني ، وهي تجارب أخلصت لذوات الشاعرات ولم تتورط في لافتات النضال النسائي أو الشكوى التي يزخر بها الشعر النسائي العربي .

كيف يمكنك القبض على أدوات السرد ـ فيما يعلق بالشعر ـ لخلق نص ينأى عن الترنح والإنشائية الرتيبة والاسترسال الفج ؟ هل للشاعرية دور في ذلك ؟

أولاً أنا ممن يعتنقون أن كل ما يكتب هو في الواقع لا يعدو كونه سرداً ؛ التاريخ ، الفلسفة، الفكر ، وصنوف الأدب المختلفة ، مع اختلاف المستويات التقنية لهذا السرد في علاقتها بالزمن الفني أو التاريخي .. البعض يعتبر من أهم خصائص تجربتي الشعرية هذه السردية الظاهرة ، وهو منحى لا أنكر ظهوره بوضوح ، لكن ثمة منطقة حرجة جداً يلتقي فيها السرد بالشعر، حيث القصيدة تحافظ على كثافتها الشعرية دون أن تتخلى عن تقنياتها السردية ، وهي مسألة اعترف أنني تدربت عليها كثيراً ، وربما هذا ـ كما تصف أنت ـ هو ما ينأى بالنصوص عن الإنشائية والرتابة . كما أحيل هذا الجانب إلى ولعي الفطري بالتشابك مع مفردات الحياة اليومية والوقائع ، التي أحاول أن التقط التوتر الشعري فيها ، عبر المفارقة الحادة، أو الصورة المشحونة بسؤال، أو الالتفات المثابر عبر تنوع الضمائر داخل النص الواحد ، إضافة إلى التربص باللحظات الجمالية واقتناص مكنونانتها إلى ما يمكن أن اسميه المنطقة الميتاجمالية التي يتميز بها الشعر عن الرواية أو القصة .. وهذه اللعبة التي اعترف أحيانا بالوقوف دون طموحي تجاهها هي ما تشكل جوهر اللعبة الشعرية لدي .

تلتقط الواقع بمرارة وبكثير من الانكسار ! هل الواقع محبط إلى هذا الحد  ؟!!

إذا ما اعتبرنا الشعر أحد آليات التعاطي مع الحلم أو الوهم ، فإن أهم منابعه هو كون الواقع دائماً محبطاً، إن القصيدة التي تتغزل في الواقع وتخترع فضائله واكتماله لا مبرر لوجودها من الأساس ، لأن مداهنة الواقع مسألة أخلاقية قبل ان تكون فنية ، ثمة قلق شرعي لدى الفنان تجاه ما هو معطى لأنه دائماً يحلم بإمكانية أفضل للحياة ، وان للحرية أفق أكبر من فضيلة القناعة أو الرضا . فالألم والانكسار والإحباط تشكل جزءاً هاماً في حياتنا ولا ثمة تجربة فنية تخلو من هذه الثيمات ، لكن الأهم دائماً هي طرق المعالجة الفنية لها ، وتحويلها إلى أسئلة وجودية ، وليست مجرد شكوى مبثوثة عبر كلمات بليغة ، لكن في خضم هذا الوجع بإمكانك أن تعثر على عروق الضوء المتسربة هناك ، شيء من المرح أو السخرية التي أكابد بها عتمة اللحظة الشعرية .. الوراد شكل في حياتي لحظة شعرية وجمالية .. تلك الشخصية التي حضرت بقوة في بنات الغابة فيما بعد .. لكن كان لا بد أن ينتهي لأني أؤمن بسير الحياة إلى الأمام .. أما قصيدة سرير على حافة المأتم ـ رغم عنوانها الموحي ـ إلا أنها قصيدة منددة بأكثر الثيمات قلقاً في حياتنا ، وهي الموت ، إذ تطرح في مجملها حالة مقارعة للموت بالجنس ، واقتحام المأتم بالسرير الصاخب ، والبكاء بآهات اللذة ، وهي واقعة اكتشفت مدى شعريتها بعد فترة طويلة فبما يشبه الوعي المتأخر برطانة اللاوعي المبكر.

إلى أي مدى يحفزك الاغتراب على فعل الكتابة ؟

الكتابة في الأساس فعل متعمد يحتاج إلى التخطيط له وتقف وراءه العديد من العناصر المتشابكة التي تحيل احدنا إلى كاتب أو شاعر .. لقد عشت طفولتي منطوياً إلى حد كبير ، أستأنس الخلاء وأخاف الزحام ، وكنت في هذا الخلاء أمارس عادة العري الروحي مثلما يتعرى شخص في غرفة مقفلة ليتأمل جسده في المرآة ، وفي هذه المرحلة تعلمت طقوس التأمل ولعبة اختراع الآخر الذي افترض حواراً معه ، وكانت بداياتي الطفولية في صف الكلمات بما يشبه الشعر هي بمثابة الهمس مع هذا الآخر الذي بقدر ما أخافه افتقده .. وكانت تلك الكتابات الساذجة أقرب إلى الغناء في الطرق المعتمة لطرد الخوف ، ثم صارت فيما بعد كشافاً لاقتحام مناطق الخوف ذاتها والإصغاء لتلك الأصوات النابعة من العتمة ، هل كان هذا الانطواء اغتراباً فطرياً ؟ لا أدري .. وهل هذا الاندماج الحالي في المحيط بحذر نوع آخر من الاغتراب ؟ أيضاً لا أدري .. لكن ما يشدني الآن هو محاولة إيقاظ الذاكرة وفهمها عبر التجربة ، وإعادة طرح تلك الأسئلة الطفولية الساذجة بطريقة أخرى أكثر تبصراً .

هل التجربة ذات الموضوع الواحد في العموم , هي تأكيد للتفرد من خلال منهج ذو خصوصية معينة ؟ كيف ترى الأمر في عموم ما تقرأ من شعر لشعراء ليبيين ؟ ألا تخشى الوقوع في فخ " شاعر النزعة الواحدة " في ظل نزعتك للكتابة عن الجسد , وإن تباين الموضوع ؟

أعود لأقول أن ترعرعي الأول في الخلاء وضمن حياة البادية والقرية ملأني بأسئلة تجاه الجوهر الإنساني ، توحي تلك الحياة بالحرية والأفق الواسع للجسد المندمج في الطبيعة ، لكن في الواقع تتم مصادرة ذلك الجسد لبنية المجتمع التي تذيب الفرد في سياق القبيلة ، ويظهر هذا الأمر أكثر ضراوة فيما يخص المرأة والطفل ، كان البحث عن حدود للجسد هاجسي الأول وربما هو الذي وراء حالة الانطواء ، ثمة حادثة أخرى ؛ عندما كنت طالباً بكلية الزراعة بمدينة البيضاء ، وفي الحادي عشر من أبريل عام 1982 وقعت أحداث عمقت في تلك النظرة تجاه الجسد الإنساني ، حيث امتلأت الجامعة برجال غرباء مدججين وبدأوا منذ ساعات الصباح الأولى في الضرب بعشوائية ودون هوادة للطلاب والطالبات والأساتذة ، كنت أرى الوجوه المشوهة والدماء في كل مكان والأجساد تجرجر على الإسفلت ، تعرضنا جميعاَ للضرب ودون أن أفهم السبب ، أحسست بخوف عميق وبمدى ما في الإنسان من وحشية ، أذكر أنني تلك الليلة كتبت قصيدة احتمي بها من الخوف ، نشرت تلك القصيدة في مجلة الناقد عام 89 لكني لم أضمنها لأية مجموعة لأنها صارت بالنسبة لي مصدراً للخوف والحزن العميق ، لكن الجسد الذي كثيراً ما نربطه بالخطيئة بدا ملحاً علي كموضوع للحرية ولحقوق الإنسان ولجوهر الوجود ، ومع أحداث 96 بمدينة درنة بين الإسلاميين ورجال الأمن لجأت من جديد للشعر كي احتمي به فكتبت ديوان مقعد لعاشقين الذي كان اسمه الأول درنة صيف 96  رصدت من خلاله عبث الموت المجاني ، ذبح رجال الأمن كالشياه والتمثيل بالآخرين ، لم أكن منحازاً لأحد لأنني أدين العنف من أي مصدر ، محاولاً الذهاب إلى أسباب هذه المذبحة ، كان الرعب يستولي علي عندما أرى كل شيء في الشارع ، البنادق الإذلال الجثث ، وأبحث عن مقعد لعاشقين فلا أجده ، كان الهتاف للحب هي تعويذتي الوحيدة في وجه هذا العنف ، وكنت أتعامل مع التباسات الجسد في محيطي سواء أكان هذا الجسد ضحية أو جلاداً .. ومن خلال هذا الجدل كنت أكتب الشعر ، هل هو موضوع واحد ، لا اعتقد .. إنه موضوع الإنسان عبر تعينه الأصيل عن طريق الجسد وهو موضوع شائك ومتشظ إلى حد كبير ، وفي النهاية ما يقوده هو مسألة الحرية؛ ثيمة كل شعر يسعى للانتماء للجوهر .. أما ما أقرأه لشعراء ليبيين ، فبقدر ما هناك شعراء راكموا أسئلتهم واشتغلوا ضمن ثيمات ملحة مثل الشلطامي وجيلاني طريبشان ومحمد الفقيه صالح ، هناك ظاهرة راهنة من التفكك والبحث المضني عن ثيمة ما تجعل من قراءة هذه التجارب مربكة ، إن الحاجة إلى تكوين عقل شعري مع كتابة النص تجعل التجربة أكثر ثراءً وتركيزا ، وبالتالي أكثر إضافة للقريحة الإنسانية عبر النبش الحفري في مواضيع يتم التعرف عليها شعرياً .

هل يوجد ما يمكن تسميته (تطرفاً شعرياً) ؟ بحيث يقودنا إيماننا العميق بالشعر من خلال فعل الكتابة إلى اللاشعر ..؟ هل تجارب الراهن الشعري في ليبيا من الممكن أن تكون قد وقعت في هذا المأزق ، وخاصة تجارب الخطوة الأولى ، والأصوات النسائية منها ؟

إذا كنت تعتبر التطرف الشعري هو الإيمان العميق بالشعر فإنني اعتقد أنه لا يوجد تطرف، وأراه بهذا المعنى إيجابياً .. ثمة مزاج واستسهال يقف وراء معظم تجاربنا الشعرية ، ينقصنا العمل بكد على القصيدة أو على التجربة بأكملها ، الشعراء الكبار يسافرون من أجل كتابة قصيدة ، ويقرءون المراجع بشكل يجعلهم محترفين ، تجربتنا في معظمها بعيدة عن المكابدة الحقيقية وبالتالي فهي تعاني من السطحية والمزاجبة المفرطة ، تغيب لدينا روح البحث المهمة في كل تجربة فنية ، وتغيب إحدى أخلاقيات الإبداع وهي المعرفة ، وهذا المناخ هو الذي جعل مكتبتنا ودورياتنا الثقافية تمتليء بنصوص لا تقول شيئاً ولا تقترح أية معالجات جمالية جديدة ، كما تجعل حركتنا الإبداعية منتهكة من الأدعياء من الداخل ومن الخارج ، إن سهولة النشر في دوريات أدبية مختصة وسهولة نشر الكتب الشعرية مع غياب الحركة النقدية الج

المزيد


تبقى تجربة الكتابة التي تتجاوز عتبة الشعر مغامرة مدروسة ذات صبغة انطباعية

نوفمبر 19th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

 علي الربيعي /تحول الشعر إلي كائن آخر أدعوه " نعراً " في إطار صناعة نص عبثي تأسسه فوضى  " تكنو شعرية "

عن جريدة أويا

حاوره/ محمد فياض

س1 = كيف نتحدث عن تجربتك الشعرية ؟

غالبا ما يصعب توصيف المسار الذاتي الذي تتخذه أي تجربة إبداعية والشعرية منها على وجه الخصوص , خاصة ً فيما يتعلق بتحولات النص الذي تحكمه متغيرات عدة , ولكن يمكنني القول بأنه يبقى هناك دائما مجال للتداخل ما بين المنجز في بدايات التجربة من جهة وبين الراهن والمحتمل من جهة أخرى , فالثابت والمتحول هما العنصران اللذان يشكلان ملامح وهوية التجربة الشعرية , وبما أن " الموضوع " في تجربتي هو ما يدفع بها إلى حافة الاشتعال , لذلك فمن الجائز أن تتفجر اللغة بكامل أدواتها وتقنياتها نحو خلق نص مختلف ينتمي لجنس أدبي آخر غير الشعر ضمن نطاق ذلك الموضوع , ربما تكون له علاقة بالسرد مثلا , ولكن لكي لا نقترب أكثر من منزلق التحول ,استطيع الجزم بأني تركت كتابة الشعر في ذات اللحظة التي تحررت فيها من حمى "النزعة النزارية " التي لازمتني طويلا في البدايات , الأمر الذي جعل المرحلة التي تلت ذلك التحول تعلن سلطتها على الذات وذلك في إطار اختياري "القسري" لموضوع النص , إذ أنه بدا وكأن المرحلة هي مرحلة " كتابة الشعر لي " لأنه وببساطة صارت مسألة " الموضوع " تحتم على المنجز من الشعر صعوبة التورط في موضوع أقلّ قداسة ورهبة من هذا الشجن الذي يعوي داخل النص ! 

س2 = الحركة الشعرية في ليبيا متنوعة المشارب والتيارات , ما هو رأيك ؟

هذا صحيح لحد ٍما , فالتنوع موجود , ولكن ما هو غير قائم ما سميته بالتيارات الشعرية المختلفة , فهذا المصطلح يجانب المعنى الدقيق للكلمة , وذلك يرجع لعدم وجود مؤسسات ثقافية تتبنى مناهج شعرية محددة الفكر والاتجاه , لتختلف بالتالي و تتعارض مع ما يناقض توجهاتها الفكرية أو الآيديولوجية مع غيرها من المؤسسات , ضمن محاولة الكل لتأسيس مشروع ثقافي تنظيري يكون الشعر أحد أشكاله , ولكن في ليبيا هذا التنوع لا يتعدى حالة من التماهي والانسجام بين السائد الشعري وبين تطلعات هذه المؤسسات لذلك التنوع والاختلاف وبالتالي دعمها له يتخذ نوعا من الإثراء لهذا الحراك الشعري , فالتيارات الشعرية لا يمكن تحقيقها خارج المؤسساتية , وأبسط الأمثلة وأكثرها دقة حسب اعتقادي , هو ذلك  التيار الذي صنعه القائمون على مجلة شعر ومجلة مواقف في ستينيات وبداية سبعينيات القرن الماضي أمثال يوسف الخال وادونيس وأنسي الحاج وغيرهم حيث فتحت الأفكار التنظيرية التي تبنوها للكثيرين الباب على مصراعيه للمزيد من الجدال حول الحداثة والتحديث في الحركة الشعرية العربية قاطبة ,والذي ظل مستمرا ً حتى هذه اللحظة , ولكن كما أسلفت فهنا في ليبيا تتبنى المؤسسات الثقافية كافة التجارب على اختلاف مشاربها وانتماءاتها المنهجية والتي لا تعدو كونها ذات بعد واحد هو البعد الذاتي الذي يشكل للشاعر تجربته الخاصة دون وجود تحريض مؤسساتي سواء كان معلنا أم لا ! 

س3 = تجاوزت عتبة الشعر إلى النقد ؟ 

في حقيقة الأمر أنا لم أقدم نفسي ناقدا على الإطلاق , ولكن تبقى تجربة الكتابة التي تتجاوز عتبة الشعر مغامرة مدروسة ذات صبغة انطباعية في الغالب , مفتوحة على المحتمل , رغم عدم تواطئي مع أي من المناهج النقدية التي يرتادها النقاد في ليبيا لتحليل وتفسير النصوص , إذ أن هذه التجربة تدخل ضمن إطار تكوين موقف شخصي من التجارب المقدمة ومن الحركة الشعرية الراهنة ومن الشعر برمته , في نطاق استخدام أدواتي ومجساتي الشديدة الخصوصية _ كغيري من الشعراء المتورطين في هذا النمط من الكتابة _ والتي تساعدني على التقاط الزوايا المعتمة في النص لإبرازها وتقديمها للقارئ حسب مفهومي الخاص لماهية الكتابة في العموم ودورها وأهدافها التأثيرية على القارئ العادي الذي انتمي وانحاز إليه بقوة , وليس ضمن شطحات المناهج النقدية المدمرة التي تنفر القارئ من ارتياد المنجز منها , رغم كونها مناهج نقدية ذات أصول متعارف عليها في تفتيت النص كالتي يعمل عليها أغلب النقاد الليبيين _ على نذرتهم _ كمنهج جينيت وتودوروف , وما يهمني في هذه التجربة هو الإذعان لسلطة النص الذي أعمل على تفكيكه , بغض النظر عن إعجابي أو رفضي لعنصر ما من عناصر تكوينه , لذا أحاول تعريته متحرراً من تلك العناصر الضاغطة على المحاولة الإستقرائية الخاصة بشدة , وبمعنى أكثر شمولية يجب أن أخرج فور نهايتي من قراءة النص بنتيجة أنه " يعجبني " حتى أرتاد محاولة التفتيت , ولكن يبقى السؤال الأكثر إلحاحا دوما عن جدوى المحاولة ومدى استمراريتها ؟! في الحقيقة لست أدري , لأن الحركة النقدية دخلت ذات الدهاليز التي أوقعت الشعر في فخاخها , فلا وجود لتقدم في الحركة النقدية في ضوء تراجع للنتاج وليس للإنتاج الشعري برغم وجود م

المزيد


الشاعر كائن بدائي لديه معرفة عميقة بالأشياء

نوفمبر 18th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

سركون بولص
الثقافة شيء جميل لكنها غير كافية لتفسير التجربة البشرية
حاوره / عدنان حسين أحمد

 
في أواخر الستينات من القرن الماضي غادر الشاعر سركون بولص العراق بلا جواز سفر تثقل كاهله حقيبة ملأى بالقصص والقصائد وبعض النماذج المترجمة. وبعد رحلة مضنية عبر الصحراء العراقية- السورية وصل سركون إلى دمشق بمحفظة نقود خاوية لا تؤمّن له هاجس الطعام لمدة عشرة أيام، لكنه كان يعوّل على الصبر والمطاولة والتطلع إلى الأفق المفتوح. ومن هناك استطاع أن يتسلل في غفلة من حراس الحدود إلى ( العاصمة الذهبية ) بيروت. وعندما ضاقت به السبل قرر أن يهاجر إلى أمريكا بمساعدة السفير الأمريكي والشاعر يوسف الخال وبعض الأصدقاء الحميمين. وكان له ما أراد، إذ استقر به المطاف في سان فرانسيسكو، المدينة التي أحبها، وكتب عنها قبل أن يراها. وهناك تعرف على أشهر الأدباء الأمريكيين الذين يمثلون جيل البيتنكس أمثال ألن غينسبرغ، كرواك، غريغوري كورسو، بوب كوفمن، لورنس فيرلينغيتي، غاري سنايدر وغيرهم. ويعد الشاعر سركون بولص من المترجمين العراقيين المتمكنين من فن الترجمة، إذ رفد المكتبة العربية بالعديد من ترجماته الأمينة لإزرا باوند، أودن، ميرْون، شيللي، شكسبير، وليام كارلوس وليامز، سيلفيا بلاث، غينسبرغ، روبرت دنكان، جون آشبيري، آنا سكستون، روبرت بلاي، جون لوكان، فضلاً عن نيرودا، ريلكه، فاسكو بوبا وآخرين. أصدر سركون بولص عدداً من الدواوين الشعرية وهي ( حامل الفانوس في ليل الذئاب، إذا كنت نائماً في مركب نوح، الأول والتالي، الوصول إلى مدينة أين، الحياة قرب الأكروبول ). كما صدرت له مختارات شعرية مترجمة بعنوان ( رقائم لروح الكون ) ومجموعة قصصية تحت عنوان ( غرفة مهجورة ) وباللغتين العربية والألمانية، فضلاً عن سيرة ذاتية بعنوان ( شهود على الضفاف ). وقبل أيام حلّ سركون بولص ضيفاً علينا في مدينة لاهاي الهولندية، وبعد أمسية أدبية حافلة بالقراءات الشعرية والحوارات المعمقة اتفقنا أنا والناقد إسماعيل زاير أن نستضيفه في مكان هادئ، وهو منزل إسماعيل  زاير نفسه، حيث تهيمن على فضاء صالة الاستقبال مكتبته الضخمة العتيدة، وينفتح في مقدمة البيت غاليري إيكاروس الذي  يضم جزءاً كبيراً من لوحاته الفنية، وبعض لوحات الفنانين الأصدقاء. ولابد من الإشارة إلى كرم السيدة آنا فان آملروي، الكاتبة والصحفية الهولندية المعروفة، زوجة الفنان زاير وهي تغمرنا بكرمها المعروف ونحن الذين لا نكف عن الكلام الذي لا يعرف النهايات. هكذا دار بيني وبين الشاعر سركون بولص حوار طويل جداً هو في حقيقة الأمر مشروع كتاب كامل عن تجربة بولص الشعرية والحياتية، وقد نشرت حلقة واحدة منه في صحيفة ( الزمان ) وها أنا اليوم أخص موقع ( الحوار المتمدن )  بالجزء الثاني من الحوار الذي يسلط الضوء على آراء ومفاهيم أدبية تشغل بال الشاعر الآشوري الصديق سركون بولص. وفيما يلي نص الحوار:

• هل تعتقد أنك أول من عرّف بحركة البيتنكس الشعرية في سان فرانسيسكو؟ وهل لك أن تتحدث لنا عن سطوة وتأثير قصيدة ( عواء ) على شعراء جماعة كركوك وبالذات على الشاعر فاضل العزاوي؟

- عندما كنت في كركوك وصلت إلينا أخبار في الصحف والمجلات عن هذه الحركة، كما قرأنا بعض قصائد غينسبرغ والبيتنكس، ولكنها مجرد شذرات في صحيفة أو مجلة إلى أن أتيح لي عندما ذهبت إلى بغداد، واطلعت على قصائد غينسبرغ في المكتبة الأمريكية، ثم قرأت كرواك. ومن خلال القراءة حدثت بعض التأثيرات لأنهم كانوا الجماعة الطاغية في تلك الفترة ( 1965-1964 ) ولكننا لم نكن نعرف عنهم سوى هذه الشذرات أو القصائد المتفرقة المنشورة هنا وهناك. وحين وصلت إلى بيروت ذهبت مباشرة إلى المكتبة الأمريكية فوجدت هناك كتب غينسبرغ وكرواك وآخرين أمحضهم حباً كبيراً، فقلت ليوسف الخال أريد أن أعمل ملفاً خاصاً عن حركة البيتنكس لمجلة ( شعر ). وافق الخال مباشرة، وأعطاني مدة شهرين لإنجاز هذا الملف وقد صدر هذا الملف وفيه قصائد لغينسبرغ ومنكور وسنايدر وأغلب الشعراء المهمين في هذه الحركة، بل أنني ترجمت بعض أغلفة اسطوانات عملوها في تلك الفترة. كان عدداً جميلاً ومفيداً. أما عن تأثير قصيدة ( عواء ) فدعني أقول أولاً أنها قصيدة صعبة وعصية على الترجمة، وكان عليّ أن أنتظر سنوات طوال حتى أسبر أغوارها جيداً. وهكذا ظلت القصيدة معلقة إلى أن وجدت نفسي في اليونان واشتغلت عليها مدة طويلة فهي كما تعرف قصيدة مليئة بأسماء الأماكن، ولا يمكن لك أن تفهم هذه الأشياء ما لم تذهب إلى سان فرانسيسكو بالتحديد فهي مكتوبة هناك، وهو يذكر أنواعاً من الخمور والمخدرات كالماريوانا والأشياء الأخرى التي كانت شائعة آنذاك ولن يعرفها أحد إلا إذا عاش هناك. القصيدة محتشدة بأسماء الشوارع والأحياء والأشخاص وغيرها. وعندما ذهبت إلى أمريكا وعشت هناك عرفت كيف أترجم قصيدة ( عواء ) وهي قصيدة مهمة جداً، وربما يكون فاضل العزاوي قد قرأها في ذلك الوقت وتأثر بها. أنا هنا أتساءل منْ من العرب ترجم غينسبرغ؟  وجوابي هو لا أحد. ربما تأثر بعض الشعراء من خلال السماع أو قراءة شذرات متفرقة له في الصحف والمجلات. إن قصيدة ( عواء ) تركت تأثيراً ذهنياً كبيراً مذهلاً على قرائها. إن أي قارئ عندما يقرأ القصيدة أول مرة فإنها تصعقه بشكل لا يصدق من دون شك إذا كان يفهم الإنكليزية بشكل جيد. لهذا السبب كان عليّ أن أترجم قصائد هذا الشاعر المبدع، وفيما بعد تعرّفت عليه شخصياً، وأصبحنا أصدقاء حميمين.  توفي غينسبرغ قبل سنتين، ولكنه عاش حياة جيدة، إذ كان في الثمانينات من عمره، بينما مات كرواك في خمسيناته بسبب السكر والكحول والمخدرات. وقبل سنة مات غريغوري كورسو، وهو من أفضل شعراء هذه الحركة. أما سنايدر فما يزال حياً، وقد أنهى قبل ثلاث سنوات قصيدة ملحمية اشتغل عليها أربعين سنة، ونال عليها جائزة ( كوتزار ).وفرلنغيتي أطولهم عمراً ما يزال حياً، وتراه أحياناً يمشي في شارع كولومبس أمام مكتبته وهو في طريقه إلى مقهاه الإيطالي المفضل مع كلبين أفغانيين كبيرين. وقد أصبح غنياً وبرجوازياً من خلال مكتبته المسماة ( أضواء المدينة ) التي نشرت قصيدة ( عواء )، هذه القصيدة التي أحدث نشرهاً دوياً كبيراً في المشهد الثقافي الأمريكي. وما تزال ( عواء ) تصدر في طبعات متواصلة لا تنقطع، ذلك أن الجيل الجديد في أمريكا بدأ يقرأ هذه القصيدة، ويحاول أن يجد فيها، كما وجد الجيل الستيني رموزاً معينة تدفعه إلى الإيمان بشيء ما. وهي قصيدة مهمة صدرت حتى الآن طبعتها الأربعون، أو ربما أكثر من ذلك. لذلك اغتنى فرلنغيتي من هذه القصيدة ( الكتاب ) الذي بيعت منه أكثر من مليوني نسخة، ولا أعتقد أن هناك كتاباً شعرياً في التاريخ باع هذه الكمية الكبيرة. غينسبرغ هو إنسان عظيم، وشاعر مبدع، وآخر مرة رأيته كانت في مدينة أوكلاند، عبر الخليج، وهي مدينة قريبة من سان فرانسيسكو. وقد اتصل بي ذات مرة، وقال لي أنه سوف يقوم بقراءة شعرية، وسيبعث المكافأة لأطفال فلسطين، وهو يهودي بالمناسبة. وقد اقترح عليّ ذات مرة أن نذهب إلى فلسطين، ونقرأ قصيدة ( عواء ) معاً، هو يقرأ النص الأصلي بالإنكليزية وأنا أقرأ الترجمة بالعربية أمام حائط المبكى أو أمام قبة الصخرة. فقلت له هذه فكرة شعرية عظيمة، لكنك سترجع سالماً إلى أمريكا، وربما أعلّق أنا على غصن شجرة هناك. الرجل كان شاعراً عظيماً، وعندما وافته المنية كنت في أبو ظبي، ألقيت محاضرة عن حياته وتجربته الشعرية. إذاً أن جيل البيتنكس هو جيل عظيم، وأثر فينا أخلاقياً من دون شك، وعلمنا أن نكون أحراراً، وأن نجرب الكتابة بأساليب جديدة من دون خوف. وعندما كنت في سان فرانسيسكو دخلت في معمعة الحرية والثورة الجنسية وحتى المخدرات. ولم لا فعلى الشاعر أن يجرب كل هذه الأشياء. فاضل العزاوي جرّب هذه المسائل في وقت مبكر، لم لا هنيئاً له.

• اعتبرتَ قصيدة ( آلام بودلير وصلت ) نقطة تحول في تجربتك الشعرية. هل لك أن تتحدث لنا عن معطيات هذه القصيدة من الناحية الفنية؟

- من الناحية الفنية كانت قصيدة ( آلام  بودلير وصلت ) وثبة ثلاثية في تركيبها ومواجهتها للموضوع مباشرة منذ الكلمة الأولى ونزولاً إلى أعماق القصيدة. وكنت في حالة من الإنخطاف السحري الذي يحدث بشكل نادراً أحياناً، وتكتب في تلك الحالة وكأنك هذا الشيء يُنزل عليك من الأعالي. ومن دون مبالغة أقول إن هناك قصائد كتبتها مرة واحدة، ونشرتها كما هي من دون أي حذف أو إضافة أو تعديل أو مراجعة، وهذه الحالة نادراً ما تحدث. وأنت تعرف أنا من الشعراء الذين يشتغلون على القصيد


المزيد


ما زلت أحلم ولكن لم أعد آكل البرتقال

نوفمبر 11th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , حوارات

مقابلة مع دُوريسْ ليسينغ الفائزة بنوبل الأدب لسنة 2007: أحداث 11 ايلول في امريكا لم تكن خارقة للعادة!
أجراها: خوانْ كرُوث ترجمة: إسماعيل العثماني

بمناسبة حصولها علي جائزة نوبل في الأدب لسنة 2007، خصت دوريس ليسينغ صحيفة إلباييس الإسبانية بمقابلة مطولة تكشف فيها عن مشاعرها إزاء الخبر ومواقفها من الحياة والسياسيين والحركة النسائية والكتابة وما إلي ذلك.
كيف حالكِ الآن، بعد الإنهاك الذي صاحبَ جائزة نوبل؟
هل تسألني بجدّ؟ الواقع أنني مصابة بالسعال وبإسهال خفيف والتهاب في المثانة. باستثناء هذا، أنا علي أحسن ما يرام، شكراً. ما أصابني هو بسبب الإجهاد. عنيت إجهاد جائزة نوبل. كل ذلك مجهِد للغاية. يدق جرس الباب، ها أنتم قد جئتم لزيارتي، والهاتف لا يتوقف عن الرنين، وهكذا طوال اليوم. والقط منزعج من كل هذا. ألم تلاحظ ذلك؟
ولكن حصولك علي جائزة نوبل خبر سعيد، وإن لم يكن مفاجئاً…
حقاً، هذا جميل. الآن لدي جوائز كثيرة، نوبل وجائزة أمير أستورياس الإسبانية… كل هذا جميل جداً.
روصا مونطيرو، الكاتبة التي سجلت معكِ مقابلة خاصة بصحيفة إلباييس الأسبوعي قبل تسع سنوات كتبت قائلة إن مبرر الأكاديمية السويدية لمنحك نوبل مغلوط وغير عادل …
أنا متفقة معها. فكلام أعضاء الأكاديمية عن الملحمة النسوية لم يرقني كثيراً. كما ان وضع الرجال والنساء في فضاءين مختلفين لا يبدو لي مناسباً… هكذا أري الأمور، ولكن من الواضح أن الناس تعشق النعوت الجاهزة: رجال مقابل نساء، الخير مقابل الشر، وهلمّ جرّاً…
هل ستكسبك جائزة نوبل مزيداً من القراء؟
لقد كتبت العديد من الكتب، في أجناس مختلفة وحول مواضيع كثيرة ومتنوعة، وهناك كثير ممن يتبعونني بالقراءة لسبب أو لآخر. أما لماذا يقرؤونني بالضبط فلست أدري؛ ربما لأن لدي بعض الكفاءة في الكتابة. (ضحك).
وسيزداد عدد القراء الذين سيقرؤون ما تكتبين، واهتمام الصحافة بك. وما دمنا في هذا الموضوع، لقد حذرت دائماً من الاستعمال الفاسد لوسائل الإعلام، من صحافة وتلفزة وكل ما يحيط بنا…
وما زلت أحذر من ذلك. مهما يكن، تظل وسائل الإعلام والصحافة موضوعين مختلفين، أقصد بذلك في إنكلترا. لدينا في هذا البلد بعض اسوأ الصحافيين في العالم، ولكن لدينا كذلك بعض أفضلهم. أما الصحافة في إسبانيا فلا أعرف عنها شيئاً. ثم جاءت شبكة الإنترنيت التي أدخلت لوناً جديداً من الحضارة لم نتوصل بعد إلي فهم معناها. والتلفزة نفسها، فهي قد غيرت عقلية الناس في العالم بأسره ومع ذلك، ما زلنا دون فهمها، بكل صراحة.
تقولين في أحد كتب مذكراتك إن التلفزة قد قاطعت التحادث بين الناس وكسرت السعادة، أو علي الأقل التعايش العائلي…
لم أقل إن ذلك التعايش كان سعيداً بالضرورة، ولكن لا شك في أن الحياة العائلية كانت مختلفة قبل وصول التلفاز. شخصياً كنت شاهدة علي وصول التلفاز إلي منزل ألف أهله الإنصات إلي المذياع، والجلوس كل ليلة مجتمعين للتحدث والأكل، الأكل بمعني الكلمة، بالتأكيد… أنا أتحدث عن ثقافة مختلفة عن التي جاءت لاحقاً.
التلفزة قاطعت تلك الثقافة. وضعت حداً للتحادث والتعايش المرح. انتهي معها جلوسنا مجتمعين لتناول وجبات الطعام. صحيح أن أغلب الأغاني التي كنا نرددها كانت مملة، ولكن صحيح أيضاً أن عادة الغناء داخل العائلة، حول آلة بيانو قد انتهت إلي الأبد. الجميع حول مائدة وكلب ينبح في ركن من أركان البيت وطعام لذيذ (لأن الطباخين الإنكليز ليسوا كلهم سيئين!). كل ذلك ذهب مع وصول التلفاز، وأنا ما زلت أتذكر ذلك اليوم.
وفي أي ثقافة نحن الآن؟
إننا في نهاية الحياة العائلية كما عرفناها. وكما تعلمون، فهناك نساء كثيرات يشتغلن، وعندما يعدن إلي المنزل يكن مرهقات؛ لهذا يحضرن معهن طعاماً جاهزاً، وهذا شيء جديد في إنكلترا. كما لا نقرأ للأطفال قبل نومهم لأننا جد متعَبين… كل هذا جديد.
جئتِ بابنك إلي هنا (إنكلترا) سنة 1949 ليري هذا البلد. كيف كان وقتئذ؟
كان ابني في الثانية والنصف من عمره، ولا أعتقد أنه يتذكر شيئاً مما رآه آنئذ. أما أنا فوجدت بلداً دمرته الحرب. لم يكن كاليوم، سعيداً وملوناً علي هذا النحو. كان مظلماً، يعج بالبنايات المثقوبة بالرصاص والأماكن التي سقطت بها القنابل؛ كما كانت هناك عمارات دمرت بالكامل. كان المنظر يبعث الألم في النفوس. كانت الحياة قاسية جداً جداً، حيث كان الطعام المتوفر قليلا والبرد قارساً. لقد تغيرت الأوضاع بشكل كبير.
نحو الأفضل؟
بطبيعة الحال.
والآن كيف ترين إنكلترا؟
لا أتذكر أنها كانت في يوم ما مثلما هي عليه اليوم. الناس تملك أموالا كثيرة… تقصد ساحة ليستر فتجدها مملوءة بالناس. الساعة منتصف الليل أو قريباً من الفجر ولكن لا يزال هناك شباب يبحثون عن المتعة. هذا جديد في هذا البلد. لا أعتقد أنه سيدوم طويلا، ولكن لننتظر قادم الأيام. أقر بأن هناك جيوباً من الفقر، ولكن الناس تعميماً لها أموال وشروط الراحة وليست متخوفة، كما كان الشأن في السابق. كان الناس متخوفين من فقدان منصب عملهم، من أن يصابوا بمرض، إلخ. هذا النوع من المجتمع الواثق من نفسه الذي نعيش فيه الآن ربما هو لم يشهد التاريخ مثله. متي شهد مثله يا تري؟
لقد جعل التاريخ من إنكلترا بلداً أفضل. ولكن البلدين اللذين ولدتِ وعشتِ فيهما (فارس وروديسيا، المعروفتين اليوم بإيران وزمبابوي) يعيشان أوضاعاً صعبة، بل كارثية أحياناً. وهو حال أفغانستان، الذي خصصتِ له مجهوداً كبيراً.
علاقتي مع زمبابوي خاصة جداً. هناك كبرت وكونت نفسي؛ أعرف الكثير عن هذا البلد. الأمر يختلف عن أفغانستان. أظن أن الاتحاد السوفييتي أخطأ بغزوه لأفغانستان. أما إيران فأعتقد أنها كارثة، وبالنسبة للشرق الأدني، أتمني أن يكون الفزع قد عم الجميع، لأن الوضع هناك يثير الفزع. ولكن لا يمكن بأي حال الحديث عن كل هذه الأمور دفعة واحدة. إنها حالات مختلفة فيما بينها.
لنتوقف عند زمبابوي. كيف سارت الأمور هناك منذ تحرر البلاد من الاستعمار؟
الأمور سارت علي نحو سيء للغاية، كما تعلمون. في هذه الآونة، الناس يموتون جوعاً، هذا في بلد كان يوفر القوت للمنطقة بأكملها، حيث كانت بها محاصيل من جميع الأنواع. واليوم لدي صديقة تهاتفني وتقول: لقد أمضينا أسبوعاً بدون ماء، أربعة أيام بدون كهرباء، هناك نقص في المواد الغذائية بالدكاكين، الخبز منعدم، البطاطس غير موجودة . هؤلاء الناس يعانون من الجوع. دعني أقص عليك حكاية قد تبين لك ما يجري. الناس يهربون إلي جنوب أفريقيا، وعند وصولهم إلي الحدود تقبض عليهم شرطة التي تكون بانتظارهم. ولكن عند ترحيلهم يقولون: نرجوكم، أعطونا شيئاً من الخبز قبل أن تعيدونا إلي زمبابوي . إنه تفصيل مرعب، أليس كذلك؟ وهناك حكاية أخري غير هذه: جنود موغابي (رئيس زمبابوي) هم أيضاً يلوذون بالفرار لأنهم لا يتسلمون رواتبهم. الآلاف من هؤلاء الجنود ينزلون إلي جنوب أفريقيا، والمأساة أنهم يجدون في انتظارهم مجندين يأخذونهم للمشاركة في حروبهم الخاصة. وقد ينتهي بهم الأمر فجأة في أفغانستان أو العراق أو أي مكان آخر. يا لها من مأساة هذه التي حلت بأهالي زمبابوي المساكين!
ما تروينه يذكرنا بالهجرة الأفريقية إلي أوروبا والطريقة التي يتم ترحيلهم من هنا.
إنها مأساة زماننا، بالتأكيد، غير أن الناس يهربون من أفريقيا بسبب فقر شامل، بسبب حياة جد قاسية؛ بينما مأساة زمبابوي أزمة تسببَ فيها رجل واحد.
رُوبيرطْ مُوغابي.
أجل. إنه إنسان سيء للغاية. إنه سفاح. المهم، لديّ الكثير في هذا الباب ولكن ما أريد قوله الآن هو الآتي: إن الناس الذين يغادرون زمبابوي يبحثون عن الخبز، لا عمل لهم. آفاقهم المستقبلية منعدمة.
هل توقعتِ أن يكون روبيرط موغابي بهذا الشكل؟
لا، لم أكن أتوقع ذلك. عندما وصل إلي السلطة، في البداية، قال عنه الناس إنه رجل ذكي، ولديه مستشارون جيدون. ولكن سرعان ما حدثت مجزرة، وهو يتولي السلطة. والتحق فيما بعد بأسوأ دكاتوريي العالم، مثل دكتاتور برمانيا، لأنه يحب الدكتاتوريين حباً جماً.
إنها لعنة نزلت علي أفريقيا. هل ترين، بصفتك مبدعة علامات، استعارة ما في هذه النكبة المتواصلة؟
هناك الكثير من البلدان المختلفة في أفريقيا. لا يمكننا أن نأخذ القارة كما لو كانت وحدة موحدة. ولكن يصح القول إن ما تعيشه أفريقيا يثير الألم في النفس.
لنعد إلي إيران، مسقط رأسك.
لا، أرجوك! إني أكره إيران، أكره الحكومة الإيرانية؛ إنها حكومة خبيثة وقاسية. تذكر ما حدث للرئيس الإيراني خلال محاضرته بجامعة كولامبيا يوم 2007/9/24 في نيويورك؛ لقد نعتوه بالخبيث وا


المزيد


التالي