دنيس جونسون ديفيز
قد يكون هناك كاتب عربي مهم لكنه لا يرضي بالضرورة القارئ الأجنبي


دنيس جونسون ديفيز مترجم ومبدع، كرس حياته لترجمة الأدب العربي الحديث إلي اللغة الإنكليزية، أحب هذا الأدب، ووجد أن أحسن وسيلة للتعريف به هو ترجمته، وقد كان من الأوائل الذين قاموا بهذه المهمة، حيث كانت أول ترجمة له سنة 1947 بترجمة مختارات قصصية لمحمود تيمور، نشرها علي حسابه الخاص، لا أحد كان آنذاك يهتم بالأدب العربي الحديث، وقد كانت مساهمة هذا المترجم الفذ ذات أهمية كبيرة في التعريف بهذا الأدب، وفي الوقت نفسه ساير تطوره منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلي الآن، فترة زمنية ليست بالسهلة، عرف فيها دنيس مشاكل وعراقيل كثيرة، وهو يؤكد أنها مشاكل تواجه كل من يفتتح مجالا لأول مرة، لكنها لم تثنه عن المضي في درب الترجمة معرفا بالأدب العربي الحديث للقارئ الغربي الذي لم تكن له أي صلة بهذا الأدب، وقد كانت محنته كبيرة في البحث عن ناشر لترجماته في غياب أي دعم عربي، ولولا مجهوداته الشخصية لما تكلمت كثير من النصوص العربية اللغة الإنكليزية..
ولا يفوتنا هنا أن نشير إلي أن دنيس جونسون ديفيز كان يصدر مجلة ثقافية فصلية، في أوائل الستينيات، بعنوان أصوات ، وهي باللغة العربية، نشر فيها السياب والبياتي وغسان كنفاني، وزكريا تامر وجبرا إبراهيم جبرا وغيرهم من الكتاب والأدباء، ودام صدورها سنتين ونصفاً بأربعة عشرة عددا، وهي مساهمة منه في البحث عن أصوات جديدة والتعريف بها، لتساهم بشكل فعال في المشهد الإبداعي العربي.. لا يسعنا إلا أن نقف مذهولين أمام هذا العمل الجبار الذي قام به هذا المترجم المتواضع والودود، والذي يفيض محبة للعرب وللأدب العربي. وهو الآن عاكف علي ترجمة القرآن الكريم مع الأستاذ والباحث الدكتور عز الدين إبراهيم (المستشار الثقافي لسمو الشيخ زايد بن سلطان آل نهيان رحمه الله)، وبما أن القرآن الكريم صعب بالنسبة للأجنبي، فقد قاما بترجمة أجزاء كبيرة منه، تكون مبوبة من حيث الموضوع، وقد سبق لهما أن ترجما الأحاديث النبوية، والأحاديث القدسية، وكتاب ابن تيمية الكلم الطيب ..
وحتي تعم الفائدة نشير هنا إلي بعض الأعمال الأدبية العربية التي ترجمها ديفيز إلي اللغة الإنكليزية:
المختارات القصصية العربية: (القصة العربية الحديثة 1967)، (قصص عربية 1983)، (تحت السماء العارية 2002).
المجاميع القصصية: (قصص من الحياة المصرية لمحمود تيمور)، (جبل الشاي الأخضر ليحيي الطاهر عبد الله)، (الوقت والمكان مختارات قصصية لنجيب محفوظ)، (آخر كوب من الشاي لمحمد البساطي)، (كيد الرجال لسلوي بكر)، (النمور في اليوم العاشر لزكريا تامر)، (قنديل أم هاشم وقصص أخري ليحيي حقي).
الروايات: نجيب محفوظ: (رحلة ابن فطومة)، (ليالي ألف ليلة).
ـ الطيب صالح: (عرس الزين)، (موسم الهجرة إلي الشمال)، (بندر شاه ومريود).
ـ صنع الله إبراهيم: (تلك الرائحة).
ـ محمد البساطي: (البيوت وراء الأشجار).
المسرحيات: ترجم مجموعة من مسرحيات توفيق الحكيم (مصير صرصار أربع مسرحيات )، (يا طالع الشجر) وغيرها. الشعر: (موسيقي اللحم البشري لمحمود درويش).
بالإضافة إلي مجموعة قصصية صدرت له سنة 1999 بالإنكليزية بعنوان: مصير أسير وسيصدر له في نهاية هذه السنة كتاب بعنوان مذكرات مترجم . وكتب أيضا للأطفال حيث أصدر أربعين كتابا كلها تمتح من الثقافة العربية الإسلامية: خالد بن الوليد، صلاح الدين الأيوبي، عمرو بن العاص، ابن بطوطة.. الخ، وأيضا كتب عن قصص جحا الشخصية المفضلة عند ديفيز..
هذا فقط غيض من فيض، لنضع القارئ أمام مجهودات، أقل ما يمكن أن نقول عنها إنها عظيمة، وتستحق منا التقدير والاحترام..
إن هذا الحوار الذي نتمني أن نغنيه بلقاءات أخري مع الأستاذ دنيس جونسون ديفيز قد تأخر لأكثر من سنة بسبب مشاغله وأسفاره الكثيرة، وأيضا لأنه نادرا ما يوافق علي محاورته.. وفيما يلي نص الحوار الذي أجريناه معه في منزله بمدينة مراكش. هنا نص الحوار:
من هو دنيس جونسون ديفيز؟ حدثنا عن حياتك وعن علاقتك باللغة العربية.
إنه حديث طويل جدا، لكن ما أريد تأكيده هو أنني درست اللغة العربية بالمصادفة، وبالمصادفة فقط. لقد عشت جزءا من حياتي وأنا طفل، في مصر وفي السودان ثم في أوغندا. وأنا في السودان كان عمري من أربع إلي ست سنوات، كنت أعيش في مكان اسمه وادي حلفة في الشمال، كل زملائي الأطفال سودانيون، لم يكن هناك أطفال إنكليز، وكنت مضطرا الي أن أتقن اللغة العربية (اللهجة السودانية). إن الطفل يتعلم بسرعة، لكنه ينسي بسرعة، لذلك حين ذهبت إلي انكلترا كان عمري إثني عشر عاماً لم أبدأ في تعلم اللغة العربية إلا في هذه السن، ولم أكن أعرف آنذاك ولا كلمة في اللغة العربية، ولذلك بدأت من الأول، لكن ربما كانت في أعماق ذاكرتي بقايا من اللغة العربية. إن الموضوع غريب فعلا، وقد تحدثت عنه في كتاب سينشر في بداية السنة المقبلة، وهو بعنوان مذكرات مترجم ، لقد حكيت فيه كيف بدأت في ميدان الترجمة.. يجب أن تعلم أنني لم أكن ناجحا في دراستي بالمرة والرتبة التي كنت أحصل عليها في القسم هي 23 علي 25، وكان لابد أن أكرر السنة، والشيء الغريب الذي حصل هو أنني كنت ألعب في المدرسة، اسكواتش، وهي لعبة مثل التنس تلعب داخل غرفة مغلقة، وكنت ماهرا في هذه اللعبة، بحيث كنت بطلها في المدرسة، لكن الناظر منع لعب هذه اللعبة بالنسبة للتلاميذ الذين لا يتجاوز عمرهم ست عشرة سنة، وبطبيعة الحال لم أكن قد بلغت بعد هذا السن (كان عمري آنذاك أربع عشرة سنة) فتدخل أبي وقال للناظر بما أن ابني بطل اسكوتش فلا بد أن يسمح له باللعب، ووصل به الأمر أن هدد بأخذي من المدرسة وفعلا فعل ذلك، فخرجت وكنت مبسوطا جدا، لأنني كنت أكره المدرسة كرها شديدا لأنها كانت داخلية وقاسية، وسألني أبي بعد ذلك قائلا: الآن، ها أنت قد خرجت من المدرسة فماذا ستفعل؟ لقد وضعت نفسي في مشكلة معك. فوجدت نفسي أقول: أريد أن أدرس اللغة العربية، فرحب بالفكرة، لكنه أوضح لي أنه لا بد أن أدرس سنة كاملة وأنجح لكي أتمكن من دراسة اللغة العربية، وفعلا اشتغلت ولأول مرة في حياتي شعرت أن أبي في موقف صعب، فدرست بشكل جيد وصارم ونجحت في الامتحان الذي يؤهلني لدخول جامعة كمبردج، لكن مرة أخري سأصادف مشكل السن، لأن عمري آنذاك خمس عشرة سنة، وهو سن لا يسمح بدخول هذه الجامعة، ولا يمكنني ذلك إلا بعد سنة، أي في سن السادسة عشرة (رغم أن العرف هو ثماني عشرة سنة)، فذهبت إذاك إلي لندن، والتحقت بمدرسة اللغات الشرقية وبدأت في دراسة اللغة العربية، وبعد ذلك دخلت جامعة كمبردج.. الخ. ولحسن حظي كانت الحرب قد بدأت فأرسلوني إلي بي.بي.سي (B.B.C) القسم العربي، وبقيت فيها خمس سنوات و






























