قراءة في المؤثرات الفنية للتكوين التشكيلي في لوحة
” آكلو البطاطا”
عدنان حسين أحمد

يستدعي تحليل أغلب الأعمال الفنية لفان كوخ البحث عن التقنيات والثيمات المُستعارة في تجربته برمتها من أجل الوقوف على المحرضات والدوافع الحقيقية التي حفزته على إنتاج كل عمل فني على انفراد. وهذه المرجعيات المُستعارة لم تقتصر على حقبة زمنية بعينها، بل امتدت معه حتى الأيام الأخيرة من حياته القصيرة جداً ” 1853-1890 ” ولتأكيد صحة ما نذهب إليه سنحاول أن نسلط الضوء على لوحة ” آكلو البطاطا ” التي شرع في رسمها عام 1884-1885، بعد أن استغرقته جهداً، وتأملاً كبيرين. وهذه اللوحة موجودة الآن في متحف فان كوخ في أمستردام. وقد مرّت هذه اللوحة بعدد كبير من المراحل، بدءاً من التخطيطات التمهيدية، مروراً بالتكوين التشكيلي، وتغيير الفيكرات، وانتهاءً بطبيعة الثيمة والتقنيات التي تعود إلى مرجعيات نعتقد أنها مستعارة من مصادر عديدة سنتوقف عندها قبل الخوض في تفاصيل هذا العمل الفني الكبير الذي لا يخلو من بعض الهنّات التي سببت للفنان حرجاً كبيراً، وحرّضت النقاد على كتابة دراسات نقدية تنطوي على آراء حادة، لاذعة عكرّت مزاج فان كوخ مدة من الزمن. يتفق النقاد التشكيليون على أن المؤثرات الجدية في تجربة فان كوخ الفنية يمكن إجمالها بمحورين: الأول، محلي، وينحصر بحدود ” مدرسة دنهاخ ” الفنية. والمحور الثاني، عالمي، ويمكن إحالته إلى أربعة مصادر وهي: ” الفنان الفرنسي جان- فرانسوا ميلليه ” 1814-1875 “، والكاتب الفرنسي أميل زولا ” 1840- 1902 “، والرسم الصيني، والانطباعية، وبالذات التنقيطية، جورج سيورا ” 1859- 1891 ” وبول سيناك ” 1836- 1903 “، وبول غوغان ” 1848- 1903 “. إضافة إلى آراء ونظريات بعض الكتاب التي وجدت صدى في نفس فان كوخ فتبناها، وطبقها في بعض أعماله الفنية. ولا يمكن الإحاطة بكل هذه المؤثرات المحلية والعالمية في هذا المقال، ولكننا سنركز على الآراء الضرورية المتعلقة بلوحة ” آكلو البطاطا ” وسنشير إلى المؤثرات المحلية والعالمية بشكل مقتضب يتساوق مع طبيعة المقال وحجمه.
مدرسة دنهاخ الفنية
نظراً لأهمية المؤثر المحلي، ونعني به ” مدرسة دنهاخ “، سنتوقف قليلاً عند هذه المدرسة الفنية التي تركت أثراً كبيراً في المشهد التشكيلي الهولندي. أُسست هذه المدرسة الفنية عام 1860 في مدينة دنهاخ ” لاهاي “، وقد ضمّت العديد من الأسماء الفنية من مختلف الأعمار والتي تنتمي إلى خلفيات متنوعة أيضاً. وقد اتجه فنانو هذه المدرسة إلى الطبيعة، والهواء الطلق، تماماً كما فعل جماعة ” باربيزون ” واتخذوا من الرسم الحر طريقة لهم. ومن أبرز الأسماء التي ساهمت في تعزيز مكانة ” مدرسة دنهاخ ” داخل هولندا وخارجها نذكر جوزيف إسرائيلز، فيلم مارس، ياكوب مارس، هندريك فيلم ميزداخ، بول جي. سي. غابريل، بيرنارد. جي. بلومرز، هندريك .جي. فيسنبرُخ، يوهانز بوزبوم، فيلم رولوفز، أنتون موف، و ديفيد. أي. سي. آرتز. وقد استمرت هذه المدرسة حتى عام 1900، ثم بدأت بالانهيار، وانتهت المدرسة بموت الفنان هندريك فيلم ميزداخ عام 1916. ومن المعروف أن مدينة أوستر بيك الواقعة على نهر الراين كانت تشكل امتداداً طبيعياً لهذه المدرسة حيث عاش الفنان يوهانز بلدرز، رسام المناظر الطبيعية المهم في هولندا، وهو للمناسبة والد الفنان خيرارد بلدرز الذي عاش لفترة من الزمن في أوستربيك ثم انتقل إلى دنهاخ وساهم في جماعتها الفنية الشهيرة حيث انهمك في رسم المناظر الطبيعية، وحياة الصيادين التي شكلت تقليداً فنياً في وقتهم. أدار هؤلاء الفنانون ظهورهم للثيمات والموضوعات الأكاديمية الصارمة التي كانت تعتمد بشكل كبير على التاريخ أو تستمد موضوعاتها من المثيولوجيا القديمة. ولم يقدسوا وجهات النظر التقليدية التي كانت تهيمن على الفن الأكاديمي ومنهجياته الصارمة، ولم يتخذوا منها مثالاً لتوجهاتهم ونزعاتهم الفنية والجمالية، وإنما صبغوا رسوماتهم بصبغة أكثر واقعية، محاكين جماعة باربيزون الفرنسية التي انفتحت على الطبيعة والهواء الطلق. وبدلاً من هذه العودة القسرية إلى التاريخ رسموا صوراً واقعية للمناظر الطبيعية التي تحيط بهم، ورصدوا حياة الصيادين الذين يركبون البحر، وبالمقابل صوروا النساء اللواتي ينتظرن عودة الأزواج أو الأحباء من متاهات البحار، كما رسموا مشاهد كثيرة من سواحل بحر الشمال عند ” شخيفننجن ” والشوارع العشوائية التي تظهر وتغيب عند حافات السواحل الرملية. كان أغلب فناني ” مدرسة دنهاخ ” يمتلكون حساسية فائقة، ومعرفة عميقة بتأثير الضوء والجو مسترجعين تقاليد رسم المناظر الطبيعية التي بلغت ذروتها في القرن السابع عشر. ومن بين زعماء هذه المدرسة أنتوف موف، وجوزيف إسرائيلز. قد يبدو الشيء الأكثر أهمية في هذه الحركة أن مجمل فنانيها كانوا يستعملون الألوان الكابية، المعتمة، وهي في الغالب ” الألوان الرمادية أو ظلالها ” وقد أشار أحد النقاد الفنيين إشارة مهمة جداً حينما قال ” بأن المجموعة تستعمل الدرجة اللونية أكثر من اللون ذاته ” وقد أثنى هذا الناقد على ” شعرية اللون الرمادي ” الذي صبغ أغلب الأعمال الفنية على مدى نصف قرن تقريباً. ثم انغمس الفنانون أنفسهم بتأثير الانطباعيين والمدرسة الانطباعية التي بسطت نفوذها على أوروبا تحديداً وأغلب بلدان العالم، فصارت الألوان فاتحة جداً، وأكثر وضوحاً من ذي قبل، كما تخلصت الفرشاة من صرامتها الإخراجية، وأصبحت أكثر استرخاءً وحرية وسلاسة. ثم بدأ أساطين هذه المدرسة بنشر المبادئ والقيم الفني


















