أما فان كوخ فقد أراد أن يحرك الدماء المتصلبة في شرايين الفلاحين، ويمسك بتعابيرهم غير المدجنة

يناير 3rd, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , ريشة

قراءة في المؤثرات الفنية للتكوين التشكيلي في لوحة

 ” آكلو البطاطا”

عدنان حسين أحمد

Potato Eaters

يستدعي تحليل أغلب الأعمال الفنية لفان كوخ البحث عن التقنيات والثيمات المُستعارة في تجربته برمتها من أجل الوقوف على المحرضات والدوافع الحقيقية التي حفزته على إنتاج كل عمل فني على انفراد. وهذه المرجعيات المُستعارة لم تقتصر على حقبة زمنية بعينها، بل امتدت معه حتى الأيام الأخيرة من حياته القصيرة جداً ” 1853-1890 ” ولتأكيد صحة ما نذهب إليه سنحاول أن نسلط الضوء على لوحة ” آكلو البطاطا ” التي شرع في رسمها عام 1884-1885، بعد أن استغرقته جهداً، وتأملاً كبيرين. وهذه اللوحة موجودة الآن في متحف فان كوخ في أمستردام. وقد مرّت هذه اللوحة بعدد كبير من المراحل، بدءاً من التخطيطات التمهيدية، مروراً بالتكوين التشكيلي، وتغيير الفيكرات، وانتهاءً بطبيعة الثيمة والتقنيات التي تعود إلى مرجعيات نعتقد أنها مستعارة من مصادر عديدة سنتوقف عندها قبل الخوض في تفاصيل هذا العمل الفني الكبير الذي لا يخلو من بعض الهنّات التي سببت للفنان حرجاً كبيراً، وحرّضت النقاد على كتابة دراسات نقدية تنطوي على آراء حادة، لاذعة عكرّت مزاج فان كوخ مدة من الزمن. يتفق النقاد التشكيليون على أن المؤثرات الجدية في تجربة فان كوخ الفنية يمكن إجمالها بمحورين: الأول، محلي، وينحصر بحدود ” مدرسة دنهاخ ” الفنية. والمحور الثاني، عالمي، ويمكن إحالته إلى أربعة مصادر وهي: ” الفنان الفرنسي جان- فرانسوا ميلليه ” 1814-1875 “، والكاتب الفرنسي أميل زولا ” 1840- 1902 “، والرسم الصيني، والانطباعية، وبالذات التنقيطية، جورج سيورا ” 1859- 1891 ” وبول سيناك ” 1836- 1903 “، وبول غوغان ” 1848- 1903 “. إضافة إلى آراء ونظريات بعض الكتاب التي وجدت صدى في نفس فان كوخ فتبناها، وطبقها في بعض أعماله الفنية. ولا يمكن الإحاطة بكل هذه المؤثرات المحلية والعالمية في هذا المقال، ولكننا سنركز على الآراء الضرورية المتعلقة بلوحة ” آكلو البطاطا ” وسنشير إلى المؤثرات المحلية والعالمية بشكل مقتضب يتساوق مع طبيعة المقال وحجمه.

مدرسة دنهاخ الفنية

نظراً لأهمية المؤثر المحلي، ونعني به ” مدرسة دنهاخ “، سنتوقف قليلاً عند هذه المدرسة الفنية التي تركت أثراً كبيراً في المشهد التشكيلي الهولندي. أُسست هذه المدرسة الفنية عام 1860 في مدينة دنهاخ ” لاهاي “، وقد ضمّت العديد من الأسماء الفنية من مختلف الأعمار والتي تنتمي إلى خلفيات متنوعة أيضاً. وقد اتجه فنانو هذه المدرسة إلى الطبيعة، والهواء الطلق، تماماً كما فعل جماعة ” باربيزون ” واتخذوا من الرسم الحر طريقة لهم. ومن أبرز الأسماء التي ساهمت في تعزيز مكانة ” مدرسة دنهاخ ” داخل هولندا وخارجها نذكر جوزيف إسرائيلز، فيلم مارس، ياكوب مارس، هندريك فيلم ميزداخ، بول جي. سي. غابريل، بيرنارد. جي. بلومرز، هندريك .جي. فيسنبرُخ، يوهانز بوزبوم، فيلم رولوفز، أنتون موف، و ديفيد. أي. سي. آرتز. وقد استمرت هذه المدرسة حتى عام 1900، ثم بدأت بالانهيار، وانتهت المدرسة بموت الفنان هندريك فيلم ميزداخ عام 1916. ومن المعروف أن مدينة أوستر بيك الواقعة على نهر الراين كانت تشكل امتداداً طبيعياً لهذه المدرسة حيث عاش الفنان يوهانز بلدرز، رسام المناظر الطبيعية المهم في هولندا، وهو للمناسبة والد الفنان خيرارد بلدرز الذي عاش لفترة من الزمن في أوستربيك ثم انتقل إلى دنهاخ وساهم في جماعتها الفنية الشهيرة حيث انهمك في رسم المناظر الطبيعية، وحياة الصيادين التي شكلت تقليداً فنياً في وقتهم. أدار هؤلاء الفنانون ظهورهم للثيمات والموضوعات الأكاديمية الصارمة التي كانت تعتمد بشكل كبير على التاريخ أو تستمد موضوعاتها من المثيولوجيا القديمة. ولم يقدسوا وجهات النظر التقليدية التي كانت تهيمن على الفن الأكاديمي ومنهجياته الصارمة، ولم يتخذوا منها مثالاً لتوجهاتهم ونزعاتهم الفنية والجمالية، وإنما صبغوا رسوماتهم بصبغة أكثر واقعية، محاكين جماعة باربيزون الفرنسية التي انفتحت على الطبيعة والهواء الطلق. وبدلاً من هذه العودة القسرية إلى التاريخ رسموا صوراً واقعية للمناظر الطبيعية التي تحيط بهم، ورصدوا حياة الصيادين الذين يركبون البحر، وبالمقابل صوروا النساء اللواتي ينتظرن عودة الأزواج أو الأحباء من متاهات البحار، كما رسموا مشاهد كثيرة من سواحل بحر الشمال عند ” شخيفننجن ” والشوارع العشوائية التي تظهر وتغيب عند حافات السواحل الرملية. كان أغلب فناني ” مدرسة دنهاخ ” يمتلكون حساسية فائقة، ومعرفة عميقة بتأثير الضوء والجو مسترجعين تقاليد رسم المناظر الطبيعية التي بلغت ذروتها في القرن السابع عشر. ومن بين زعماء هذه المدرسة أنتوف موف، وجوزيف إسرائيلز. قد يبدو الشيء الأكثر أهمية في هذه الحركة أن مجمل فنانيها كانوا يستعملون الألوان الكابية، المعتمة، وهي في الغالب ” الألوان الرمادية أو ظلالها ” وقد أشار أحد النقاد الفنيين إشارة مهمة جداً حينما قال ” بأن المجموعة تستعمل الدرجة اللونية أكثر من اللون ذاته ” وقد أثنى هذا الناقد على ” شعرية اللون الرمادي ” الذي صبغ أغلب الأعمال الفنية على مدى نصف قرن تقريباً. ثم انغمس الفنانون أنفسهم بتأثير الانطباعيين والمدرسة الانطباعية التي بسطت نفوذها على أوروبا تحديداً وأغلب بلدان العالم، فصارت الألوان فاتحة جداً، وأكثر وضوحاً من ذي قبل، كما تخلصت الفرشاة من صرامتها الإخراجية، وأصبحت أكثر استرخاءً وحرية وسلاسة. ثم بدأ أساطين هذه المدرسة بنشر المبادئ والقيم الفني

المزيد


لم تكن الحياة بعدها سهلة على رامبرانت الذي جمع ثروة هائلة لإسعاد ساسكيا

ديسمبر 10th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , ريشة

فان راين رامبرانت

ياسمين زكي

رسام هولندي يعد من أحد عباقرة الفن في العالم , تميز بغزارة إنتاجه إذ ينسب إليه نحو 600 لوحة , ورامبرانت من أقرب الفنانين إلى قلب الإنسانية لأنه عرف كيف ينقل أفراحها وأحزانها ويحيلها إلى أشكال لونية رائعة من الظلال والنور , وهو يعد من أكثر الرسامين الذين اهتموا بتصوير أنفسهم حيث بلغ عدد تلك الصور الشخصية حوالي المائة لوحة , وكان رامبرانت شغوفًا بوجه الإنسان وتعابير الوجه التي كان بارعًا في تصويرها , بالإضافة إلى اهتمامه بالموضوعات التاريخية والمناظر الطبيعية ومشاهد الحياة اليومية .

حين تنغمس ريشة الفنان بالحب، تزدهر اللوحة وتأخذ منحى آخر لها لون الفرح ، تماما مثلما هو حال الشاعر، فاللوحة قصيدة مرسومة .
وفي حياة كل فنان تشكيلي حكاية حب تركت بصماتها على مساحات اللوحة ولكن ماذا حين يتحول الحب إلى قوة مدمرة ؟

ومن قصص الحب التي عاشها الفنانون التشكيليون نأخذ قصة الفنان الهولندي رامبرانت، لما لهذه القصة من أثر على إبداع هذا الفنان، فلم تكن علاقته بالفتاة "ساسكيا" مجرد شعور عاطفي ، بل إنها أخذت بعدًاً نفسيًا حركت في نفسه مكامن الإبداع .

ما إن التقي رامبرانت بساسكيا حتى اختلج وجدانه فباح لها بما يكنه تجاهها ، ولأنه شعر بعدم قدرته على الابتعاد عنها، قرر الاثنان الزواج. . وكان كلاهما يأمل حياة سعيدة بهذا الزواج ، إلا أن رياح الظروف عاكست سفينة أحلامها، فقد مات وليدها الأول والثاني والثالث ، وكانت الضربة القاصمة بالمولود الرابع فقد عاش المولود هذه المرة ، ولكن أمه ساسكيا هي التي ماتت !

لم تكن الحياة بعدها سهلة على رامبرانت الذي جمع ثروة هائلة لإسعاد ساسكيا ثم ما لبث أن انطوى على

المزيد


يقول اراغون في احدى قصائده: "بما ان الناس جميعاً ليسوا سيزان, يكون علينا ان نكتفي بالقليل

سبتمبر 30th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , ريشة

"المدخن" لسيزان: الانسان وتأملاته كأنه صمت الطبيعة

في واحد من الكتب, الكثيرة والجيدة, التي اعتادت ان تصدر بين الحين والآخر عن الرسام الفرنسي بول سيزان, بالإنكليزية خصوصاً, هناك فصل أخير جعل مؤلف الكتاب ريتشارد مورفي, عنوانه "أبوهم جميعاً". وضمير "هم" في هذا العنوان يشمل الكثير من الفنانين الانطباعيين وما بعد الانطباعيين الذين يرى مورفي (في هذا الكتاب الذي يحمل عنوان "عالم سيزان" وصدر أوائل ثمانينات القرن الفائت), ان عليهم جميعاً ديناً لبول سيزان, من غوغان الى فرنان ليجيه, مروراً بهنري ماتيس وأوغوست ماكي وجورج براك وبابلو بيكاسو… الخ. فبالنسبة الى مؤلف الكتاب, كان سيزان, الذي طالما رفضته الصالونات والمعارض, وجرحه الرفض الشعبي لأعماله حين كانت تظهر, كان هو الجذر الذي نبعت منه مدارس فنية عدة, ونوّع على أعماله كثر, إذ لن يكون من المغالاة القول انه كان رائد الحداثة الأولى في فنون القرن العشرين, والفنان الذي ساهم اكثر من غيره في الرد التشكيلي على ظهور فن التصوير الفوتوغرافي.

والآن اذا أضفنا الى هذا التأكيد, تعمد الكثر من شعراء القرن العشرين, الإشارة الى

سيزان ومكانته الكبيرة في ولادة الفن الحديث (مثلاً حين يقول اراغون في احدى قصائده: "بما ان الناس جميعاً ليسوا سيزان, يكون علينا ان نكتفي بالقليل"…), يمكننا ان نفهم الموقع الذي يحتله ابن الجنوب الفرنسي وصديق زولا, والمتحدر من جذور ايطالية, في تاريخ الفن.

ومع هذا, اذا استعرضنا أعمال سيزان, سنفاجأ بأن هذا الفنان, على رغم كثرة لوحاته وجمالها وقوتها اللونية والتعبيرية التي كان في امكانها ان تعطيه المجال للخوض في عدد كبير جداً من المواضيع, اكتفى طوال حياته بأن ينوع على ما لا يزيد على عشرة مواضيع. اذ عدا لوحات الطبيعة الميتة, والمناظر الريفية, وبورتريهات الأشخاص, والبورتريهات الذاتية, يكاد يكون مخزون سيزان ضئيل التنوع الى حد مدهش. مع العلم ان الرجل, بين الريف وباريس, واصل الرسم وانتاج اللوحات طوال ما يزيد على نصف القرن.

< ومهما يكن الأمر, من المؤكد ان تنويعات سيزان على المواضيع القليلة التي دنا منها, غالباً ما تنم بعبقرية استثنائية وتجديدية, تبرر حقاً مكانته, بل حتى اعتبار عدد كبير من النقاد والمؤرخين, اياه فناناً يخرج على اي تصنيف. ولئن كان سيزان اشتهر بخاصة - ولا سيما في الاوساط الشعبية - بلوحاته ذات الطبيعة المتينة المملوءة بالفواكه, وخصوصاً التفاح, فإنه اشتهر ايضاً وخصوصاً بتلك البورتريهات الكثيرة التي كان يبدع في رسمها معطياً اياها, من خلال الوجوه التي يرسمها, معاني ودلالات تتجاوز كثيراً, الشخص المرسوم نفسه. ومن المؤكد ان هذا الكلام ينطبق في شكل واضح على لوحة رسمها سيزان بين عامي 1890 و1892, اي حين كان في ذروة نضجه الفني, قادراً على ان يتحكم كل التحكم بأدواته التعبيرية, اشكالاً وألواناً وخطوطاً, إذ تبدو اللوحة بين يديه وكأنها تلخص كل الفن الذي كان من قبلها, ممهدة لكل الفن الذي سيكون من بعدها (ترى أفلا ترانا هنا في مواجهة واحد من أجمل تعريفات الفن الحقيقي؟).

< اللوحة التي نعنيها بهذا الكلام هي لوحة "المدخن" التي يبلغ ارتفاعها 91 سم وعرضها 72 سم, وتوجد منذ زمن طويل معلقة في متحف "ارميتاج" في مدينة سانت بطرسبورغ الروسية. وهذه اللوحة رسمها سيزان, ضمن اطار حقبة زمنية رسم خلالها الكثير من البورتريهات, لكنه رسم ايضاً سلسلة لوحات تصور مجموعة من لاعبي الورق منهمكين في اللعب. وفي كل هذه اللوحات ذات المشاهد الجماعية, والتي تكاد تبدو مسرحية التكوين والايقاع, حرص سيزان على ان تأتي اللوحة خالية من اي موضوع حدثي: لا دراما هناك ولا تاريخية كذلك. هؤلاء الاشخاص يبدون هنا من دون حياة اخرى, من دون تاريخ, بل حتى من دون توقّع اي خبطات مسرحية, كأنهم هنا منذ الأزل والى الأبد, كل منهم غارق في اللعب لا يأبه بأي شيء آخر. بل حتى ذلك الشخص الواقف مثلاً في لوحة "لاعبو الورق" (المرسومة ايضاً بين 1890-1892, والموجودة الآن في متحف متروبوليتان النيويوركي) يتفرج بغليونه الأبيض, غارقاً بدوره في اللعبة كأن لا حياة له خارجها.

المزيد


فان كوخ

سبتمبر 16th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , ريشة

فان كوخ

محمد المرزوق

 

هل تمكن فان كوخ من إيصال رؤيته الفنيه إلى الاَخرين ربما طغى الشعور بالشفقه عليه اكتر من رؤيه ضربات فرشاته القويه و ربما الجنون , أو الفقر, أو الهوس الديني أما المعاناة و قوة الشعور بالحياة بالحب و مرارة الألم فقد بلغ بها فان كوخ حد الإنتحار في مشهد لا يملك من يراه إلا أن يتقبل علاقة الفن بالحنون كمخرج ساذج بينما الحقيقة التي تلامس الاَفاق بأناملها و تداعب الأعشاب تعشق الوجود و تشير إلى جمال الحياة الأزلي ذرة ذره قد تكون صوفية متأخرة لمجنون أوروبي لم يترك موضوع في السماء لم يلامسه بأنامله ……..لقد مر من هنا فان كوخ ….. داعب البحر قطره قطرة مرغ فرشاته في رمال الصحراء و طالت فرشاته كل شيء في السماء “(مسح النجمة وضع الهواء على موائدنا و نام) محمود درويش” لذلك لم يكن إنتحاره إلا إزالة ضربه من ضربات الفرشاة و لم تكن اذنه غير نقطه من فرشاه صغيره عاملها كما يعالج اللون على القماش أما النوبات العصبية فلم تكن سوى الوحي الذي وضع حداً لا نهائياً لفرشاته لقد أكد على ذلك اطلق النار على نفسه و ذهب إلى المقهى ليشرب كأسه الأخيرة و يموت بعد يومين في لوحه درامية لا تنتهي. و أخيراً هل هنالك أحد يظن أن فنسنت بعد كل هذه السنين سيغير عشقه الأزلي أو ضربات فرشاته المؤثرة. كتب فنسنت لأخيه يقول هأنذا منذ أكثر من خمس سنوات و أنا اكاذ اكون بلا عمل شريداً … على ان الأمر الوحيد الذي يشغل بالي هو كيف استطيع خدمة العالم أفلا يمكن ان اكون نافعا على وجة من الوجوه … كتب مرة اخرى … انا سوف انهض ثانية سأعود إلى الرسم … ظهرت أولى لوحات فنسنت فان كوخ في اواخر 1880م بعد عشر سنوات من ظهور الحركة التأثيرية – التي اهتمت بالطبيعة و الضوء و تحليل الألوان و نقل الاحاسيس البصرية و قد ترتب على رفض مواضي

المزيد