شاخ الفن والمجتمع، وشاخ القديم والجديد.

ديسمبر 18th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

لانهائية الذّات

ولوْ كان واهياً وغير مدرك، يظل الصمت في قلب ضجة العالم. ربما يمكن سماعه في أكثر الأحايين، فقط بعد فوات الأوان. هنري ميشونيك ** لانهائية الذات هي الحداثة .لهذا فهي تتجاوز المحدثين، لكن المحدثين ليس بإمكانهم تجاوزها. وبقدر ما تكون المزايدات مخادعة، بقدر ما تعرض سذاجتها أكثر. حسابات، تجميلات. مراوحة النظرية التقليدية. حيث يلحق علم الجمال والأخلاق، المقولة تلو الأخرى، أزواج الفرد والمجتمع، الشكل والمعنى، القديم والجديد، بمخزن الموروثات التي تصنع الراهن. بعد نهاية الطلائع (التي لم يكف عن تنخيلها حتى تُحْسب حداثةً ،بمشقة)، ونهاية المسيحيات السياسية (على الأقل مسيحيات أوربا، في القرنين الأخيرين)، ونهاية بعض العلمويات المعتبرة علماً، والمنايا المتقاربة لكل من بارث Barthes، سارتر Sartre، لاكان Lacan، ياكبسون Jakobson، رايموند أرون R. Aron، فوكو Foucault، والموت الاجتماعي ـ وقتئذٍ ـ لألتوسير Althausser، باتت البعض الأخرى، من بين النهايات الأكثر تأثيراً، مقتنعة، قبيل ساعة من رحيله، بجنازات القرن، وبمآتم الألفية العالمية، حيث يُرى استنفاد الأفكار الكبرى، وانقضاء الأعمال العظيمة، وانطفاء أنوار العقل. وهذا ما يمثل نهاية الحداثة. كل نهايات القرن التي تسبق –لما يقبل اللعب بهذه الواقعية الأولية التي تقاسم رديفتها الدينية،ويحسب الزمن تاريخاً– نهاية القرن السابع عشر للميلاد، الفاتح، ونهاية القرن الثامن عشر، الفلسفي والثوري، تتراءى كنهاية –بداية. غير أن نهاية القرن التاسع عشر، في أوربا تقدم، وهو ما لا يمكن نفيه، علامات يائسة.

هذا الإعتقاد، عكس الصورة الطليعية للقرن العشرين، لم يحجبه تفاؤل البداية حتى يعود كزوال -زوال الإنسان، وليس زوال الآلهة- في نهاية القرن. نهاية القرن - نهاية العالم، في القرنين التاسع عشر والعشرين، هي نفسها النهاية المطردة الوحيدة. لسببين. لم يغير فيها احتداد ال

المزيد


ثمة حضارات احتفت بالجنون ، وأخرى أبعدت مجانينها ، ثم أخرى عالجتهم

ديسمبر 10th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

عن الحضارة والجنون بلسان ميشيل فوكو

ترجمة د. محمد قصيبات

(1)

الجنونُ ظاهرة حضارية ، وهي ظاهرةٌ متغيرة مثل أية أخرى من ظواهر الحضارة ، في الواقع بعد قراءتي لما كتبَ الأمريكيون عن تعاملِ المجتمعاتِ البدائية مع الجنون تسآلتُ : ترى كيف تتعامل مجتمعاتنا مع هذه الظاهرة التي هي الجنون؟

foucaut.jpg

(2)

ثمة حضارات احتفت بالجنون ، وأخرى أبعدت مجانينها ، ثم أخرى عالجتهم ، ولكن ما أريد الإصرار عليه هو بالتحديد أن العلاجَ ليس هو رد الفعل الوحيد تجاه هذه الظاهرة، أظن أن بين المجانين أناسًا مثيرين للاهتمام بقدر ما هو الأمر عند الناس الطبيعيين . ليس ثمة حضارة بدون جنون … كان همي أن أدرس العلاقةَ بين الثقافةِ وتعاملها مع هذه الظاهرة… أو بمعنى آخر ردود الفعل للثقافة الكلاسيكية نحو هذا الجنون ، تلك الردود التي تبدو مناقضة تمامًا لمفهوم العقلانية … تلك العقلانية التي سيطرت على القرنين السابع والثامن عشر.

(3)

focault2.jpg

أعتقد أن القرنَ السابعَ عشر كان يشكل نقطةََ تحول مهمةٍ ، فقبل ذلك - وحتى العهد “الباروكي” على الأقل (1) - كان المجنون يعيش حرية مطلقة ، كان وقتها يعيش على “سطح” الثقافة حيث كان يعيش على مرأى من الجميع، وكان الناسُ يقيمون للجنون الأعياد … وكان ثمة مسرحٌ للجنون ، وكان للمجنونِ مكانته في الأدبِ وفي الكتابةِ ، وكان هناك أيقونات وصور يرسمونها للجنون … منها أعمال “جيروم بوش”(2) و”بريجيل”(3)…

لقد هيمن موضوعُ الجنون على نهايةِ القرن السادس عشر وبداية السابع عشر مثلما هيمن هاجسُ الموتِ على الأدبِ والثقافةِ في نهايةِ القرن الرابع عشر ومطلع الخامس عشر. كان الجنونُ مهمًا ومعترفًا به بصورة رسمية في ذلك الوقت حتى أن المجانين كتبوا ونشروا (في الواقع نُشرت لهم) أعمالهم … كان من هؤلاء “بلويه دربير”… المجنون الذي نشرت أعماله على نحو واسع. كانت نصوصه مميزة بالرغم من كونها غير مفهومةٍ ومبهمة… كانت أعمالاً أدبية مسلية لقرائها رغم غموضها. كان منها الشعرُ ، والقصصُ ، والرواياتُ… ثم دون كيخوته لثرفانتس… ألم تكن تلك الرواية امتدادًا لذلك الجنون في الأدب أو لأدب الجنون؟

bosch.jpg

لوحة لجيروم بوش

(4)

أظن أن كل العائلات وفي مختلف الأزمنة كانت تعيش حالات من القلق عند إصابة أحدِ أفرادها بالجنون. كل قرية ، كل حي ، وكل مدينةٍ كان لها مجانينها يعتنون بهم ويعطونهم العلاج… أعتقد أن صورة المجنون تغيرت بعد أن أخذت العائلة بشكلها “البرجوازي” (4) مكانًا مهمًا في المجتمع ، ففي القرن السابع عشر عندما تغيرت الأحوال الاقتصادية في الحياة ، في عصر “المرنكنتلية” (نظام اقتصادي نشأ في أوربا خلال تفسخ الإقطاعية لتعزيز ثروة الدولة بتنظيم الاقتصاد واعتبار المعادن الثمينة ثروة الدولة الأساسية: المنهل) ، بدا المجنون في ذلك العصر شخصًا كسولا وأعتبر شخصية طفيلية تعتمد على مال الآخرين ولم تسهم في التنمية… هنا أصبح المجنون عالة على الآخرين.. في رأيي تغيرت نظرة ال

المزيد


لم يسلم أحد من لسانه السليط حتى زملاء الفكر

أكتوبر 31st, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

آرثر شوبنهاور 1788-1860

يكره نفسه وأمه والبشر جميعا

شريف صالح

قيل إن الزوجة الشابة لم تكن مخلصة أبداً لزوجها ولذلك انتحر، وعندما صارت أرملة لم تعبأ بشيء,, تمارس الهوى المباح ,, مرحة كما هي,, تكتب القصص وتقيم صالونا أدبيا في مدينة فيمار، بينما مكث الابن آرثر في مدينة دانتزج يحافظ على تجارب الأب ويفكر محزونا كأنه هاملت آخر في أسى أبيه وعار أمه!.
لم يعد بينه وبينها سوى البغض,, سوى الكراهية المتبادلة عبر الرسائل,, تصف رسالته للدكتوراه بأنها تبدو ككتاب في العقاقير، وهو يرد عليها بأن كتبها ستندثر حتى من أكوام الزبالة ,,,!
لقد سممت كراهيته لأمه معنى الحياة بداخله وجعلته يكره البشر جميعا,, ويخشاهم جميعا,, فهو ينام وتحت وسادته مسدس محشو بالرصاص، وأبداً لا يسمح بتسليم ذقنه لموس الحلاق، وحينما يذهب للعشاء خارج منزله يحمل معه قدحا يشرب منه حتى لا يلمس بشفتيه كوب غيره ,, يجلس في مكتبه ساعات طوالا وفي فمه غليون طوله خمس أقدام يدور من الذقن الى الأرض كأنه آلة موسيقية ذات تلافيف، حتى يتيح للدخان أن يبرد الى درجة صالحة قبل أن يبلغ الحلقوم.
إن شعاره الدائم وراء تلك التصرفات الغريبة ينص على أن الاستسلام للخوف، خير من الاستسلام للإيمان, وبسبب حساسيته المفرطة من الناس، ومزاجه الكئيب المعتم، كان سليط اللسان مع الآخرين، شديد التبرم من استغلاق نفوسهم، لدرجة أنه تشاجر مرة اثناء إقامته في برلين مع صاحبة النزل، ودفعها بعنف لتسقط وتصاب بجرح بالغ، واضطرت تلك المرأة المسكينة ان ترفع الأمر للقضاء لأن ما أصابها يمنعها من كسب عيشها فيما بعد، وقد ألزمت المحكمة شوبنهار البخيل جدا أن يعول المرأة بمبلغ شهري طيلة حياتها,, ولسوء حظها كانت امرأة منيعة الروح عمّرت طويلا قبل ان يتنفس شوبنهار الصعداء ويتسلم شهادة وفاتها وهو يقول: قضى الحلس، فزال النحس !
لم يسلم أحد من لسانه السليط حتى زملاء الفكر,, فمثلا علم أن هيجل أكبر وأشهر عقل في ألمانيا سوف يحاضر في إحدى القاعات، وعلى الفور عقد هو أيضا محاضرة في نفس التوقيت وبدأها ساخرا بأن أمثال هيجل بما أتوا به من ميتافيزيقا عقلية يجب ان يبعدوا من عداد الفلاسفة,, كما نفى من المعبد قديما مبدلو النقود! وبطبيعة الحال تضايق الحضور من أن يخرج هكذا على آداب الزمالة نحو استاذهم المبجل.
إنه مشحون ضد الجميع,, ولا يعرف السر في أن يعيش مغمورا على هذا النحو، وهو القائل: لقد ولدت لأطبع معالم عقلي على الجنس البشري أجمع، ومع ذلك فأنا مضطر أن اسمع ضجيج الشهرة يدوي بأسماء الاخساء التافهين,, أنا الذي رفعت حجاب الحقيقة أعلى مما رفعه أي مخلوق آخر من بني الإنسان.
عاش شوبنهار بعيدا عن أنظار العالم، في مدينة صغيرة وداكنة هي فرانكفورت، تسير به السنوات من خلال نظام يومي مطرد لا يتبدل فيه شيء مهما صغر: حمام بارد في الفجر، قهوة مركزة للفطور، تجهم لصاحبة المنزل ولعن لها، وثلاث ساعات يقضيها في الدرس والكتابة، ثم يعزف على الناي قبل الغداء، والعشاء في فندق انجلترا ثم العودة الى المنزل ويتناول قدحا آخر من القهوة, وقبل أن يأوي الى مخدعه يطالع قليلا كتابات المتصوفة الهندوس.
واعتاد قبيل المساء ان يقوم بنزهة يصحبه فيها كلبه الصغير واسمه أتما أي روح العالم وكانت شوارع فرانكفورت تتداول خرافات الكلب بنفس القدر الذي تتداول به خرافات صاحبه، بل ان أطفال الجيران يطلقون على الكلب اسم شوبنهاور الصغير ,,, !!.
حياة رتيبة، ركن صاحبها الى الكسل والأحلام، وترك فلسفته تختمر تدريجيا في عقله، فهو إما يجلس الساعات الطوال في متحف أو يذرع شواطىء الألب ذهابا وجيئة وقد تصلبت ملامحه كأنه مجنون، لدرجة أن احد الخدم رآه في حديقة برتقال يهمس للشجيرات ويميل بأذنه الى زهر البرتقال فسأله: من تكون؟ فنظر اليه شوبنهاور وقد علاه الارتباك: لواستطعت أنت أن تخبرني من أنا، لطوقتني بمنة كبيرة!.
كتب في مذكراته يقول: إن العالم هو ما أفكر فيه، والشمس إنما توجد كما أراها، والأرض إنما توجد كما أحسها، والإنسان نفسه حلم من الأحلام، ويحاول شوبنهاور أن يفسر الحلم ويحل لغز الوجود والموت، من خلال قراءاته الواسعة في التا

المزيد


عن قاموس ناثان الفلسفي، تأليف جيرار دوروزوي وأندريه روسيل

أكتوبر 30th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

م. هَيْدِغِّر (1889–1976)

ترجمة/ أكرم أنطاكي 

  

هو مارتن هيدغِّر، الذي، بعد أن درس علم اللاهوت، تخلَّى عن تطلعه لأن يصير كاهنًا، فكرَّس نفسه للرياضيات والعلوم الطبيعية، وأخيرًا للفلسفة. وفي العام 1916، قام بتقديم أطروحته حول مذهب الأنواع ومعانيه عند دونز سكوتوس. وما بين العامين 1920 و1923، عمل كمساعد لهوسِّرل في جامعة فريبورغ، ثم حلَّ محله في العام 1928. اعتزل الحياة العامة في العام 1934؛ لكنه عاد إلى تدريس الفلسفة في العام 1945، فكتب مقالته الشهيرة رسالة حول المذهب الإنساني لجان بوفريه (1947). وتابع يكتب بغزارة حتى تقاعده (1957)، الذي لم يكن عائقًا حال دون تقديم المحاضرات وعقد الحلقات الدراسية.

وفي حين اعتبره بعضهم "أعظم فلاسفة زمانه" (ج. لاكروا)، فقد شكَّك فيه البعض الآخر لأسباب سياسية (حيث انتقدوه لأنه ظل مدة ستة أشهر رئيسًا للجامعة في العهد النازي، ولأنه كتب بعض المقالات والخطب المؤيدة للنازية، على حدِّ زعمهم*)، أو لأسباب تتعلق بفقه اللغة (حيث يبدو مؤلَّفه حول أصول الاصطلاحات اليونانية واشتقاقاتها محيرًا، وذلك على الرغم من تأكيده على ضرورة أن يكون للمتفلسف "أذنًا يونانية")، أو لأسباب فلسفية: فما كان يقدِّمه هيدغر كان فكرًا صارمًا جدًّا، ذا مقاربة أقل ما يمكن القول فيها إنها في منتهى الحساسية – فكر لقي، بشكل خاص، على الرغم من صعوبته، قبولاً واسعًا في الولايات المتحدة وفي اليابان – حيث، إن لم يكن في وسعنا أن نؤكد أنه صار صاحب طريقة فلسفية، فإن ما في وسعنا القطع فيه هو أنه أصبح له شركاء ضالعون، كجان بوفريه مثلاً.

ركَّز فكر هيدغِّر بشكل عام على مسألة وحيدة هي: مسألة الوجود. ففي الوقت الذي كانت أولى سنواته الفلسفية في ألمانيا تنبسط وسط أجواء تتصارع فيها تيارات الوضعية وفلسفة الحياة (ف. ديلتاي) الكانطية الجديدة، كان أستاذه هوسِّرل أكثر من أثَّر فيه، وذلك حتى صدور مؤلَّفه الشهير الوجود والزمن Sein und Zeit (1927) – هذا المؤلَّف الذي جعل من دراسة الظواهر (أو الفينومينولوجيا phenomenology) طريقًا غير سُنِّي فلسفيًّا للترقِّي إلى الأونطولوجيا (علم الوجود). فمن خلال تأكيده الجذري على التمايز بين الوجود être والموجود étant، حكم هيدغر بالفناء على الميتافيزياء الغربية التي نسيته، معيدًا من جديد طرح مسألة الوجود، سواء في حدِّ ذاته، أو من خلال موجوده، ومعيدًا، في الوقت نفسه، أصالته إلى كلٍّ من الفكر والوجود. فالوجود يفترض فَرْزَ الإنسان من بين جميع الكائنات كـ"راعٍ" له، بحكم كونه يمتلك القدرة على الكلام أو اللغة. وهكذا، كمنادى عليه من قبله، يصبح الإنسان ملكًا له

المزيد


مؤلف الكتاب الشهير…الخطاب الفلسفي للحداثة

أكتوبر 26th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

جدلية (يورغن هابرماس) الصارمة

محمد الأحمد

يَعتبرُ المهتمون بالفلسفة وقضاياها بان (هابرماس) أكبر فيلسوف ألماني معاصر، وربما أكبر فيلسوف في أوروبا والغرب كله. إذ كان منتجا لكتب عدة، ولا يمكن لمشتغل في الفلسفة المعاصرة أن يعبرها، نجدها قد شكلت محاورا هامة في اغلب الدراسات الفلسفية الحديثة. حيث ولد (يورغن هابرماس) 18-6 - 1929 في ألمانيا، وكان مهتما جدا بطلبته الجدد، متفانيا معهم إلى ابعد حد، وكان غالبا ما يقرأ عليهم من مسودات إعماله قبل النشر، وقد تركهم يقولون عنه (بأنه ليس من الفلاسفة الذين يسكنون في برجهم العاجي وإنما ينخرطون في هموم عصرهم وقضاياه). كما وانه كتب كمّاً كبيرا من المقالات الصحافية في الشؤون السياسية من حين لآخر. وله أكثر من قول في عدة مواقف بارزة تناوئ ألمانيا النازية، أو من توحيد ألبانيا مؤخراً، أو من توحيد أوروبا والدستور الأوروبي، أو من العولمة الرأسمالية المتوحشة، أو من قضايا الإرهاب والأصولية، وكان يعشق طريقة تفكير (شيننغ) الألماني، إذ يعتبره أبوه الروحي؛ كتب بحثه الهام عنه، وحصل على الدكتوراه عام 1954م وكان عمره خمسة وعشرين عاماً فقط. ثم عينوه مدرساً في جامعة (هايدلبرغ) من عام 1961 إلى عام 1964م، ثم انتقل كأستاذ متمكن إلى جامعة (فرانكفورت) بين عامي 1964م ـ 1971م. وما بين عامي 1971 ـ 1983 أصبح مديراً بفضل صرامته المعهودة بمعهد (ماكس بلانك) الشهير في مدينة (ميونيخ). ولكن طلبته كانت تطالبه للعودة للتدريس من جديد في جامعة (فرانكفورت) بين عامي 1983 ـ 1994م، وبقي حيويا فاعلا فيها حتى أخذ تقاعده منها، وكان (هابرماس) مجدا في أبحاثه، وبقي حتى أيامه الأخيرة يعنى بأي طالب يقصده لنهل المعرفة. وبقي مواصلا أبحاثه التي توجها بكتابه الضخم (الخطاب الفلسفي للحداثة) والذي هاجم فيه بشدة فلاسفة ما بعد الحداثة وخاصة الفلاسفة الفرنسيين من أمثال: (جان فرانسوا ليوتار)، و(ميشيل فوكو)، و(جاك دريدا). واتهمهم بالسقوط في شباك النزعة (النيتشوية) اللاعقلانية. (إذا كانوا يعتقدون أن فكر ما بعد الحداثة سوف يكون مضاداً للحداثة أو تدميراً لها فإننا نرفضه. فما بعد الحداثة ينبغي أن يكون استمرارية للحداثة لا انقلاباً عليها وعلى منجزاتها الرائعة، التي لا تقدر بثمن )، وكان يشير إلى (حرية الوعي والضمير، وحرية الاعتقاد، حرية الصحافة والتعبير والنشر، وحرية الاجتماعات والتنقل، هذا بالإضافة إلى بقية الحريات السياسية والديمقراطية وحقوق الإنسان، وبالتالي فإن معاداة الحداثة تعني العودة إلى الوراء: أي إلى ما قبل الحداثة، إلى عصور الإقطاع والأصولية الدينية والتعصب الأعمى والاستبداد السياسي، الخ. وهذا ما لا تريده المجتمعات الأوروبية بأي شكل كان)، كان ينتمي إلى الجيل الثاني من مدرسة (فرانكفورت) الفلسفية الشهيرة رغم شهرتها كجامعة تأسست في العشرينات من القرن الماضي، وكان من أشهر مفكريها (يوركهايمر) و(ادورنو) و(ماركيوز) وسواهم. ولكنه في الواقع ينتمي إلى الجيل الثاني من هذه المدرسة لا إلى الجيل الأول. بقي منتميا المعاصرة منفتحا للطلاب والشباب حيث الأفكار المهمة تنتج من تلاقح الأفكار، لأنه كان تلميذاً نجيبا و مساعداً لـ(ادورنو) في الجامعة حوالي عام 1961. وهو يعترف بمدى استفادته من تعاليم (ادورنو) وتوجيهاته السديدة، حتى أصبح أستاذا في علم الاجتماع قبل أن يصبح فيلسوفا. وبما أن ألمانيا كانت آنذاك محافظة إلى درجة الانغلاق، ومعادية لليسار، والشيوعية بتطرف، فإنه راح يستفزهم ويقدم نفسه على أساس انه مفكر بنهج مادي جدلي، ولكنه في الواقع كان أقرب إلى منهج (ماكس فيبر) من (كارل ماركس) نفسه. ثم راح (هابرماس) يدرس أسس الرأسمالية في المجتمعات المتقدمة وخاصة المجتمع الألماني وقد وصفه (بأنه مجتمع يجمع في مكوناته جميع أطياف الشعوب)، وانه توصل بأن الكثير من تحليلات (ماركس) للنظام الرأسمالي صحيحة، ولكن تنبؤاته كانت في معظمها خاطئة. فالرأسمالية لم تسقط (وهذا قوله) بسبب تفاقم أزماتها على عكس ما توهم صاحب كتاب الرأسمال. و إنما عرفت كيف تتأقلم مع الظروف المستجدة وتستمر حتى هذه اللحظة. ولكنه بقي يؤشر باجهار المعلوماتية ووسائل الأعلام والدور الذي تلعبه في المجتمعات الحديثة، والدور البارز الذي تضطلع به الحرب الباردة. ثم ربط بينها وبين السلطة السياسية المنفذة والتكنولوجيا الصاعدة كالصاروخ إلى مستوى يسبق الإحداث، ونقلها من جهة إلى جهة أخرى معاكسة دون حساب، أو قلق، أو أي شيء آخر، وقد وضح (هابرماس) نظريته الجديدة تحت اسم (العقل التواصلي أو الحواري- المتلاقح)، وقال إنه العقل الذي ينبغي أن يحكم المجتمعات الديمقراطية الحديثة، وان المنظمات التي تفرض النظام الفكري الواحد، لأجل أن تحكم سيطرتها على المجتمع، هي بالتالي ستكون بالية، وتخلف مجتمعا منغلقا لا يتواصل بالعالم الذي حوله، وسوف ينقلب عليها في حين غرة، وان الديمقراطية كشرط من شروطها التعددية الفكرية وان مجتمع ليس فيه تلك التعددية، يكون معزولا عن الحضارة، مهما بلغ به التطور التكنولوجي، وقد ربط بينه وبين آداب المناقشة والحوار. وأكد بأن المشاكل لا يمكن أن تحل عن طريق العنف في المجتمعات المتقدمة ذات التاريخ البرلماني والليبرالي العريق، وان تلك المشكلات تخلقها منظمات يتشكل رأسمالها من إثارة النعرات، والإشكالات، والفتن في المجتمع الذي توجد فيه، ومكافحتها يتطلب وعيا لحركة الزمن، وما يفرضه من متغيرات علمية وتكنولوجية، فالطريقة الوحيدة لحلها تكمن في الحوار بين الأطراف المخت

المزيد


"بالنسبة لي ، كان هيدغر الفيلسوف الأساس دائماً … فتطوري الفلسفي بأكمله متحدد بقراءتي لهيدغر ".

أكتوبر 25th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

 

الكينونة والسلطة : هيدغر وفوكو

هيوبرت ل. دريفوس

ترجمة : خالدة حامد

في صميم فكر هيدغر يكمن مفهوم " الكينونة " ، والشيء نفسه يمكن أن يقال عن مفهوم " السلطة " في كتابات فوكو . تاريخ الكينونة يمنح هيدغر منظوراً يمكن الانطلاق منه لفهم الكيفية التي تحولت بها الأشياء في عالمنا الحديث إلى موضوعات . وبالضبط مثلما أن هيدغر يقدم تاريخ الكينونة الذي يتوج في الفهم التكنولوجي للكينونة لغرض مساعدتنا على فهم وتجاوز طريقتنا الراهنة في التعامل مع الأشياء بوصفها موضوعات أو مصادر ، يحلل فوكو الكثير من نظم السلطة التي تتوج في السلطة البايولوجية الحديثة لغرض مساعدتنا على تحرير أنفسنا من فهم أنفسنا بصفة ذوات .

توحي مثل هذه التوازيات العامة باحتمال وضوح رؤية المدى الذي يمكن فيه دفع مقارنة " كينونة " هيدغر بـ " سلطة " فوكو . فهل يشير هذان المصطلحان إلى وظيفتين متماثلتين ؟ وهل أن حقب هيدغر في تاريخ الكينونة تضاهي نظم فوكو في جينالوجيا السلطة ؟ وإلى أي حد يقود فيه هذا ان التأويلان لتاريخنا هذين المفكرين إلى نقد شرطنا الثقافي الراهن بطرق متشابهة ؟ ما الخطر الذي يراه كل واحد منهما ؟ كيف يعمد كل واحد منهما إلى التحريض على المقاومة ؟ وعلينا أن نتساءل ، قطعاً ، عمّا إذا كان هذان المفكران يختلفان في أية طرق مهمة .

بدءاً أقول أن دعم هيدغر للاشتراكية القومية وتوصيته لاحقاً بالسلبية السياسية تبدو معارضة تماماً لتركيز فوكو على الحرية الاجتماعية والفاعلية السياسية . ويتضح أن هيدغر متحفظ بعض الشيء ويبدو فوكو عند اليسار بوضوح . ولئلا يساء فهم الفرق المذهل بين هيدغر وفوكو فيما يخص المواقف السياسية ، علينا أن نتذكر تعليق فوكو على هيدغر في آخر مقابلة له :

"بالنسبة لي ، كان هيدغر الفيلسوف الأساس دائماً … فتطوري الفلسفي بأكمله متحدد بقراءتي لهيدغر ".

إن هذا التعليق الأخير الذي صدر عن فوكو قبل أن يقتنصه الموت وتركه ليقول الحقيقة حتى في باريس يجبرنا على أن نتساءل عن الكيفية التي تمكن بها فوكو ـ على الرغم من روحه السياسية المختلفة راديكالياً عن هيدغر ـ من التصريح ، وبطريقة

المزيد


المثالية الألمانية وكانط

سبتمبر 27th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

"الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة يبقى في العتمة"

-(غوته)

 

المثاليـة الألمانيـة

نظرة عامة
لقد تطورت المثالية الألمانية على خلفية تاريخية متميزة, قامت على التحضير للثورة الفرنسية وعلى مسارها ونتائجها؛ هذا إلى جانب حكم نابليون وحروب التحالف, الاحتلال الفرنسي وحروب التحرير وأخيرا مؤتمر فيينا وما أعقبه من نتائج.
لقد بدأ أول الأمر أن أفكار التنوير في العقل والحرية قد تحققت في الثورة. وهذا ما أتاح الإعجاب المتحمس لها من قبل الأوساط الألمانية المثقفة. إلا أن هذا الموقف قد تغير بشكل عميق بعد أن تحولت الثورة إلى الإرهاب.
أسهم الوضع التاريخي بيقظة الوعي الوطني الألماني, فالشعور الوطني هذا قد توجه في ألمانيا توجها ثقافيا محضا.
ازدهر الأدب إبان فترة فيمار الكلاسيكية والرومانسية.
الإصلاحات التربوية, تأسيس جامعة برلين وكذلك الإصلاحات السياسية, كل ذلك جعل من بروسيا دولة حديثة.

وضع إيمانويل كانط (كانت) قواعد المثالية الألمانية. وجوهر أعماله شكلتها كتبه النقدية الثلاثة, إلى جانب مؤلفات أخرى.
وكان كانط في أعماله ما قبل النقدية متأثرا بـ "الفلسفة الأكاديمية". وقد مارس كانط النقد تجاه جميع قدرات العقل… بما في ذلك الحسم حول إمكانية إرسال الماورائيات أو عدم إمكانية ذلك بالمطلق, كما تناول تحديد مصادرها ومدى اتساعها وحدودها.
هذا ما قام به في كتابه "نقد العقل" المحض" ومن ثم "نقد العقل العلمي" ثم بـ "نقد ملكة الحكم".
أما فيخته رأى في المسلمة الكانطية "الشيء في ذاته" تنافرا أراد أن يتجاوزه. من هنا حاول أن يفهم "اللا – أنا" التي تناقض العقل كموضوع للمعرفة, باعتبارها طرحا للأنا المطلق. أي باعتبارها صادرة عن نشاط الأنا الحر.
ألهم فيخته, شلنغ في البداية, إلا أن شلنغ انتقل بعد ذلك ليحاول تطوير فلسفة في الطبيعة. وقد قاده السؤال حول وحدة الموضوعات إلى موضوع تصور حول فلسفة الهوية, وفيها يبدو المطلق بمثابة نقطة لامبالاة بالنسبة إلى التناقضات.
أثارت وجهة النظر هذه, النقد من جانب هيجل بعبارات مازالت مشهورة.

"هذه المعرفة, وحيث يتساوى كل شيء في المطلق… أو إعطاء المطلق لليل حيث جرت العادة أن نقول كل البقرات سوداء – إن هذا يوازي سذاجة الفراغ في المعرفة"

-(هيجل)

أصبحت فلسفة شلنغ بعد ذلك أكثر قربا من الباطنية المستندة إلى التصوف منها إلى الرؤية الحدسية.
درس هيجل في كلية اللاهوت في توبنجن في الوقت نفسه مع شلنغ وهولدرلين.
أما مثاليته المطلقة فقد كانت قمة المثالية الألمانية ونتيجتها.
تمثل المعرفة التي يكونها الذهن عن نفسه أساس النظام التأملي عند هيجل. وقد أدخل فيه مادة معقدة جدا ومتنوعة استقاها من جميع مجالات المعرفة: الدين, القانون والتاريخ.

سأفصًل - إن شاء الله - المثالية الألمانية وأتحدث عن كانط (أو كانت كما يفضله البعض) وكذلك فيخته و القليل عن شليرماخر ثم هيجل وشلنغ. وإن أسعفني الوقت والحيلة أضع لكم بعض اللوحات التوضيحية.

*** مصدري عن المثالية سيكون بشكل كبير معتمد من كتاب "أطلس الفلسفة dtv" لمؤلفيه بيتر كونزمان, فرانز فيدمان, فرانز – بيتر بوركارد.- قد أضيف مصادر أخرى فيما بعد - .

تطورت الفلسفة الغربية بعد بيكون وديكارت في اتجاهين اساسيين.
أولهما الاتجاه التجريبي الذي اعطى للحواس قيمتها المعرفية واقر الاستقراء التجريبي كمنهج للعلوم الطبيعية وبدأ هذا الاتجاه بيكون وبعد ذلك دعمه كلا من توماس هوبز وجون لوك وديفيد هيوم و غيرهم من الفلاسفة الانجليز.
والاتجاه الثاني هو الاتجاه العقلي الذي ارسى دعائمه ديكارت وتطور على يد الكثيرين من تلاميذه والمعجبين بفلسفته، أمثال مالبرانش واسبينوزا وليبينز وغيرهم.
والرابط بين هذين الاتجاهين هو الاعتزاز الشديد بقيمة العقل وقيمة العلم، ايمانهم بأن التقدم الإنساني مرهون بمدى تقدم المعرفة العقلية والعلمية.
اما كانط، فلم يناسبه مغلاتهم في الاعلاء من قدرة العقل حيث تصوروا ان بامكان العقل ان يصل بمعارفه اليقينية إلى ما لانهاية له وان بامكانه تجاوز هذا العالم المحسوس ليصل في معارفه إلى ماوراء هذا العالم. وكذلك نظروا إلى عالمهم على انه عالم التغير والمادة المحسوسة فقط وانه لا يشتمل على الكلي والضروري وهما الصفتان اللتان تميزان المعرفة العقلية.
وفي كتابه "نقد العقل المحض" أكد على ان للعقل حدودا ينبغي الا يتجاوزها والا غاب اليقين وضاعت الحقيقة.
فلسفة كانط قامت بحمل الفلسفة نحو الامام في وقت احتاجت الفلسفة إلى من يدفعها للامام بأسلوب مغاير عن الطرق القديمة، ووضع قضية فلسفية جديدة لم تناقش من قبل، أي وضع العقل ومعارفه تحت مجهر البحث الدقيق لعله يصل إلى إجابة واضحة حول مسألة تقدم العلوم الرياضية والفيزيائية التي وصلت إلى حد كبير من اليقين المصحوب بالأدلة العقلية والتجريبية بينما وجد الفلسفة لا تزال في مكانها ساكنة، خاصة في مجال البحث في القضايا الميتافيزقية. ومن هنا يرى كانط فشل الفلسفة السابقة إنما كان سببه هو انها قدمت آراء ومذاهب لا تقبل المراجعة ولا التحقيق في دنيا الواقع الذي يعيشه معظم الناس.
وهذا هو حل كانط الكامن في محاولته الفلسفية، ان يضع حدود امام العقل لكي لا يتجاوز نطاقه ويظل آرائه واحكامه مقيدة بالتجربة حتى لا يقفز بنا في عالم من الرؤى والخيالات التي لاسبيل إلى تحقيقها أو الاستفادة منها على أرض الواقع. فهو أراد للفلسفة ان تتقدم وتشارك في دنيا الناس بتعميق نظرتهم للوجود والحياة فلا بد ان يلتزم الفيلسوف بحدود هذا الوجود الواقعي الذي أسماه كانط "عالم التجربة" أو "عالم الظواهر".

قد يكون هذا الاتجاه في النقد ما جعل نيتشه يقول عن كانط…
_خبث كانط _
"حارب كانط العلماء مع الجمهور من أجل العلماء!".

==
من المصادر:
مدخل إلى الفلسفة
د. مصطفى النشار

alsكانط / نقد العقل المحض 1:

إيمانويل كانط (1724 – 1804) ولد وتوفي في كونسبرغ.
يعتبر كتابه "نقد العقل المحض" من النصوص التي صنعت العصر الحديث.
عرض كانط نظريته في عام 1783 في كتابه "مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة". وهي تتضمن تصورا نقديا لإمكانية المعرفة الإنسانية. والسؤال الأساسي فيها:
"كيف يمكن للقضايا التأليفية القبلية أن تكون؟".
بذلك سعى كانط إلى تأسيس الأحكام التي لا تبنى على الخبرة. مثل هذه الأحكام يجب أن لا تكون تحليلية. فالحكم التحليلي لا يوسع الحامل, بل هو يطرحه فقط.
تبعا لذلك يعتبر الحكم التالي: "إن الدائرة المستديرة" حكما تحليليا, لأن الاستدارة موجودة ضمنا في الدائرة. أما بالمقابل فإن الحكم 7+5 = 12 هو حكم تأليفي: فالحكم الماقبلي 12 هو حكم غير متضمن لا في العدد (7) ولا في العدد (5).
تعتبر الأحكام التأليفية الماقبلية بمثابة مبادئ موجودة في جميع العلوم النظرية وإن السؤال عن إمكانياتها في الماورائيات يحسم السؤال عن إمكانية الماورائيات في


المزيد


فينومينولوجيا الروح

سبتمبر 26th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

مدخل إلى فكر هيغل

د. نايف سلوم

 

فريدرِش هيغل (1770-1831

كان هيغل أول من أعمل قطع الحداثة مع الإيحاءات المعيارية للماضي الغريب عنها. لم تطرح الحداثة على نفسها مسألة العثور على ضماناتها الخاصة في ذاتها إلا في نهاية القرن الثامن عشر، وتبلغ هذه المسألة من الحدة بحيث يمكن لـ هيغل أن يتناولها بوصفها مسألة فلسفية، لا بل يجعل منها “المسألة الأساسية” لفلسفته. إن الانشقاقات التي أحدثها فعل العصور الحديثة في الأزمنة السابقة وتراثها يراها هيغل منبع الحاجة إلى الفلسفة التي باتت وعي الحداثة لذاتها. يكتشف هيغل، أولاً ، “المبدأ الذاتي للأزمنة الحديثة”. أي ترجمة الأزمنة الحديثة إلى أفكار. ووعي هذه الترجمة. ما يزال، الفكر الحديث كله ناتج عن هيغل بشكل من الأشكال. وقد استطاع هذا الفيلسوف العبقري أن يشكل نسقاً فلسفياً متكاملاً سماه “نسق العلم” System of Science، حيث يشـــمل: 1- المنطق 2- الطبيعة 3- الروح/ العقل . كذلك فقد درس هيغل الدين والأخلاق الفردية والحياة الأخلاقية والسياسة والدولة والمجتمع المدني الخ… لم يترك شيئاً إلا وتحدث عنه، كالجمال والفن. ولهذا السبب كان آخر فيلسوف شمولي في التاريخ. إنه أرسطو العصور الحديثة، وكما أن المعلم الأول [أرسطو] تحدث عن الفيزيقا والميتافيزيقا والمنطق والبلاغة والشعر والسياسة والأخلاق والدين الخ…. كذلك، فعل هيغل الشيء ذاته في الثلث الأول من القرن التاسع عشر، ولذلك اعتبره البعض بأنه ذروة الفلسفة المثالية الألمانية. يقول هولغيت:” لقد تأثر هيغل بـ كانط بدون شك، حيث كان كانط أستاذاً لكل مثقفي ألمانيا في ذلك الزمان، ولكنه حاول أن يتجاوز أستاذه، وقد تجاوزه في أشياء عديدة من هنا بعض من عظمته”.
وأما الأحداث الأساسية التي أثرت على فكر هيغل وفلسفته في التاريخ فهي الثورة الفرنسية التي اندلعت وعمره تسعة عشر عاماً، ثم شخصية نابليون بونابرت الذي غزا ألمانيا ورآه لأول مرة على حصان، ثم الثورة الصناعية الإنجليزية التي غيرت وجه العالم.
وأما عن حياته، فيقول هولغيت: ولد جورج ويلهلم فريدريك هيغل بتاريخ 27 آب/ أغسطس عام 1770 في عائلة بروسية تنتمي إلى البورجوازية الصغيرة. كان والده موظفاً في الدولة البروسية. وبعد أن أنهى دراساته الثانوية في مدينته الأصلية شتوتغارت دخل إلى كلية اللاهوت الشهيرة في مدينة توبنغين. وهناك درس التاريخ وفقه اللغة الألمانية والرياضيات بصحبة صديقه هولدرلين الذي سيصبح شاعراً كبيراً فيما بعد. وقد نشأت بينهما صداقة حميمة وعميقة. وهناك قرأ كتب جان جاك روسو و كانط على ضوء أحداث الثورة الفرنسية.
ثم التحق به شاب آخر سوف يصبح فيلسوفاً كبيراً فيما بعد هو شيلِنغ . وقد حصل تنافس بينهما أدى إلى نوع من الخصومة وسوء التفاهم. وفي عام 1790 نال هيغل شهادة التفوق في الفلسفة. وبعدئذ أصبح مربّي أطفال لدى عائلة غنية في مدينة بيرن بسويسرا. وقد بقي هناك حتى عام 1796. وفي عام 1795 ألّف أول كتاب له تحت عنوان «حياة يسوع». ثم راح يدرس بشكل منهجي منتظم مؤلفات كانط و فيخته في مدينة فرانكفورت بين عامي 1797 - 1800. وفي عام 1801 انتقل إلى مدينة «يّينا» التي تحتوي على جامعة مهمة، حيث حلّ شيلنغ محل فيخته كأستاذ جامعي، بعد أن أبعد هذا الأخير لاتهامه بالإلحاد atheism. وهناك انخرط في الكتابة والبحث والمناقشات الفلسفية إلى أقصى حد. ثم أصبح أستاذاً مساعداً في نفس الجامعة. حيث كان يتقاضى راتباً زهيداً.
وفي عام 1807 أنهى هيغل تأليف كتابه الشهير «فينومينولوجيا الروح (أو علم ظواهر الروح/ العقل). ثم أصبح رئيس تحرير لإحدى الجرائد الألمانية. لكنه طُرد من هذا المنصب بعد سنة واحدة لأسباب سياسية. فقد كانت أفكاره ثورية أو تقدمية أكثر من اللازم. ثم ألّف كتاباً مدرسياً في عدة أجزاء بين عامي 1812-1816 تحت عنوان «علم المنطق». وهو ما يسمى أيضاً بـ “المنطق الكبير” مقابل “المنطق الصغير” أو “موسوعة العلوم الفلسفية”
تزوج هيغل عام 1811 وولد له طفلان: الأول سيصبح أستاذ تاريخ، والثاني أصبح قساً بروتستانتياً.. نال هيغل منصباً جامعياً مهماً في جامعة هايدلبرغ عام 1816. وفي عام 1817 نشر كتابه «موسوعة العلوم الفلسفية”. أو “المنطق الصغير” وعندما مات فيخته الذي كان يحتل كرسي الفلسفة في جامعة برلين حل هيغل محله عام 1818. وكان ذلك أكبر منصب يمكن أن يحلم به فيلسوف في ذلك الزمان. وعندئذ ازدادت شهرته وأصبحت عالمية تقريباً. ولكن البعض أخذوا عليه موقفه السياسي المحافظ واعتبروه بمثابة المفكر الرسمي للنظام الملكيّ البْروسيّ. وهكذا هاجمه الليبراليون الذين كانوا ما يزالون تقدميين في ذلك الزمان. ولكن بعد فترة من الزمن راح النظام نفسه يشتبه به. وعندئذ أصبح يتلقى الضربات من كلا الطرفين. وفي عام 1821 نشر هيغل كتابه «مبادئ فلسفة الحق”. وفي عام 1827 سافر إلى منطقة فايمار حيث استقبله غوتّه ، ثم سافر بعدئذ إلى باريس حيث رحّب به فيكتور كوزات وبعض المثقفين الفرنسيين الآخرين.
مات هيغل بمرض الكوليرا عام 1831 و كان عمره واحداً وستين عاماً فقط. وبالتالي فإن كتبه عن الجماليات، وفلسفة الدين، وفلسفة التاريخ، لم تنشر إلا بعد موته. يقول هولغيت: إن تلخيص فلسفة ضخمة كفلسفة هيغل أمر صعب جداً. فالمرء يخشى أن يشوه فكره إذا ما بسَّطه أكثر من اللزوم. كان هيغل يرى أن ما يتحقق في التاريخ عبر الصراعات الدامية والأهواء البشرية المتعارضة والهائجة هو الروح/ العقل: أي العقلانية العميقة. فالتاريخ عقلانيّ على الرغم من أنه يبدو لنا فوضوياً، مليئاً بالحروب والظلم والقهر. وذلك لأن العقل هو الذي يحكم العالم والتاريخ بحسب النظرة الديالكتيكية لـ هيغل. فالتاريخ كان عقلانياً وسيبقى على الرغم من كل المظاهر الخادعة والتي تقول العكس. والتاريخ لا يمكن أن يفهمه إلا عقل الفيلسوف. كان هيغل يقول بالحرف الواحد: ” ينبغي أن ننظر إلى التاريخ بعين العقل التي هي وحدها القادرة على اختراق السطح المبرقش للأحداث اليومية.” التاريخ يتقدم نحو المزيد من وعي الذات، هذا الوعي الذي يجعل الإنسان متحرراً من الضرورات. التاريخ يتقدم باتجاه المزيد من العقلانية، والأخلاق، والحرية. هذا هو طموح التاريخ النهائي والأخير. إنه يهدف إلى تحقيق السعادة للبشر على هذه الأرض، وكذلك تحقيق التقدم المادي والمعنوي. ليس هذا بعيداً عن البشر، بل بفعل البشر أنفسهم. البشر هم الذين يصنعون تاريخهم، لكن ليس على هواهم، بل وفق ضرورات وشروط مادية عليهم وعيها وتجاوزها. حسب ما أضاف ماركس لاحقاً.
هل ينبغي أن نستنتج من ذلك أن الناس في عصرنا أكثر عقلانية وأخلاقية وحرية مما كانوا عليه في الماضي؟ لا. ولكن ما هو مضاد للعقلانية والأخلاق والحرية ما عادوا يتحملونه كما في السابق، وإنما أصبحوا يشجبونه أكثر فأكثر. لنضرب على ذلك المثل التالي: عندما كانت الكنيسة الكاثوليكية تحاكم المفكرين في القرون الوسطى أو حتى في عصر النهضة وتعدمهم كما حصل لـ جيوردانو برونو وآخرين ما كان أحد يحتج على ذلك.
كانوا يعتبرونه شيئاً طبيعياً أو عادياً لأن الكنيسة معصومة ولا تناقش. ولكن عندما قتلوا المفكرين أو حتى الناس العاديين في القرن الثامن عشر احتج فولتير على ذلك ومعه كوكبة من المثقفين. وأما في القرن التاسع عشر فعندما أدانوا الضابط درايفوس بتهمة الخيانة العظمى وهو بريء فإن إميل زولا احتج على ذلك ومعه ليس فقط المثقفين وإنما جزء لا يستهان به من الرأي العام.. وهكذا نلاحظ أنه يوجد تطور على مدار التاريخ من قرن إلى قرن. واليوم أصبح الحكام في الدول الأوروبية يخشون رأيهم العام إلى حد كبير. وبالتالي فالذين يقولون بأنه لا يوجد تقدم في التاريخ مخطئون.
يقول هولغيت: بالنسبة لـ هيغل فإن التاريخ الكوني أو تاريخ العالم لا يهتم بالأشخاص الفرديين وإنما يهتم بالفرد الكوني أي بالشعب ككل وبروح هذا الشعب. وهذا ما ندعوه الآن بخصوصية الشعب الألماني، أو الفرنسي، أو العربي الخ… فكل شعب له روح جماعية هي شروط هذا الشعب وموقعه في جدلية التاريخ العالمي. وجاءت الماركسية ومعها، الفهم المادي للتاريخ أو ما سمي لاحقاً بـ “المادية التاريخية” لتطرح إشكالية، “دور الفرد في التاريخ”.
منطق هيغل أو الديالكتيك الهيغليّ هو ما يسميه هيغل نفسه بـ”نسق العلم” أو “منظومة العلم” والذي يشتمل على ثلاثـــة وجـوه: 1- المنـطق ، 2- الطبيعة، 3- الروح/ العقل. والمنطق يتضمن ثلاثة وجوه:
1- اللوغوس أو المفهوم وهو ما يسمى بـ “الكلمة” في الفكر الديني 2- الكينونة أو الكائن 3- الماهية . تشمل مقولة الطبيعة ثلاثة وجوه :
1- الطبيعة الميكانيكية 2- الطبيعة الفيزيقية أو الفيزيائية 3- الطبيعة العضوية. أما مقولة الروح/ العقل فتشمل: 1- الروح/ العقل الذاتي 2- الروح/ العقل الموضوعي 3- الروح / العقل المطلق(العرفاني) أو نفس الأمر إذا استعرنا التعبير الصوفي .
الكينونة أو الكائن كما لاحظنا أحد مقولات المنطق وتشمل مقولة الكائن: 1- التحديد 2- القَدْر 3- القياس. الماهية وهي تأتي من ســؤال: ما هو ؟ وهي المقولة الثانية للمنطق الهيغليّ وتشمل:
1- الانعكاس إلى النفس وفيها. 2- المظهر 3- الفِعلية أو الواقع الفعلي.
المقولة الثالثة من مقولات المنطق الهيغليّ هي اللوغوس (الكلمة الصوتية) أو المفهوم ، وهو أيضاً العقل أو المبدأ العقلاني في الكون حسب الفلسفة اليونانية القديمة، وهو كلمة الله وهو المسيح في الفكر اللاهوتي: في البدء كانت الكلمة. جاء في سورة آل عمران: “إن الله يبشّرك بكلمة منه اسمه المسيح عيسى ابن مريم ” [آل عمران/45]. وفي سورة النساء: “وكلّم الله موسى تكليما” [النساء/164] وفيها أيضاً: “إنما المسيح عيسى ابن مريم رسول الله وكلمته” [النساء/171]. والكلمة نوعان: كلمة طيبة، وهي نفس الأمر أو معنى حقيقة الواقع . وكلمة خبيثة هي ضرب من الهوى والضلال؛ “ألم تر كيف ضرب الله مثلاً كلمة طيبة كشجرة طيبة ” [إبراهيم/24 “]. ومثل كلمة خبيثة كشــجرة خبيثة اجتثت من فوق الأرض” [إبراهيم/ 26 ]. و يتكون اللوغوس أو المفهوم أو ناموس الكون من ثلاث مقولات هي:
1- الذاتية 2- الموضوعية 3- الفكرة . أما مقولة الروح/ العقل فتشمل: 1- الـروح / العقل الذاتـــي 2- الروح/ العقل الموضوعي 3- الروح/ العقل المطلق أو نفس الأمر.
الطبيعة الميكانيكية تشتمل على ثلاث مقولات هــي: 1- الامتداد المجرّد 2- الميكانيكا المتناهية 3- ميكانيكا الأجرام السماوية. الطبيعة الفيزيائية تشتمل على ثلاث مقولات هــي: 1- المادة المفردة 2- المفرد الخاص 3- الجسم . الطبيعة العضوية وتشــمل: 1- الأرض 2- حياة النبات 3- حياة الحيوان .
لقد لاحظنا أن مقولة الروح/ العقل تشتمل على ثلاث مقولات هي الروح/ العقل الذاتي، والروح/العقل الموضوعي والروح/ العقل المطلق. يشتمل الروح/ العقل الذاتي على ثلاث مقولات هي : 1- النفــــس؛ الروح soul (الأنثروبولوجيا) 2- الوعي (الفينومينولوجيا) 3- السيكولوجيا أو علم النفس. بينما يشتمل الروح/ العقل الموض

المزيد


العقل والعقلانية

سبتمبر 18th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , فلسفة

ارتكاسات نقد العقل..قراءة في مسارات النظرية النقدية

عبدالله موسى

 

 

يبدو اليوم للكثيرين أن النظرية النقدية قد تم تجاوزها. لكن مهما بلغ شك الباحثين والدارسين في جدوى رؤى المدرسة، ونظرياتها في المعرفة، واختلافات أعلامها، فإن في بعض كتاباتها وتوجهاتها ما يمكن الإفادة منه، وما المحاولات المستمرة للتجديد والنقد والتصحيح داخل المدرسة، إلا دليلا على مساعي رجالاتها المستمرة للوصول إلى معرفة أكثر دقة، كما أنها دليل على ذلك التوتر بين النظرية والواقع.
لقد حصلت "مدرسة فرانكفورت لعلم الاجتماع الألماني" على طابعها المؤسسي عبر تأسيس "معهد البحوث الاجتماعية" في عشرينات القرن العشرين، ذلك المعهد الذي وضع ضمن جامعة فرانكفورت. وجاء تأسيس المعهد عبر هبة وقفية، جعلت من شخصيات من مثل تيودور أدورنو (1903-1969)، وماكس هوركهايمر (1895-1973)، أبرز العاملين بالمعهد منذ تأسيسه، علما على العالم الفكري والسياسي لجمهورية فايمار ولما بعدها حتى الفترة المعاصرة. وفي عام 1930 صار ماكس هوركهايمر مديرا للمعهد، ومحورا لتلك الدائرة من الباحثين، الذين وجدوا في النظرية الماركسية المرشد الأهدى لفهم ظروف العصر المحيطة بهم. وقد أخذ أتباع النظرية النقدية على عاتقهم مسألة قراءة التاريخ الفكري الألماني من جديد من مثل رؤى نيتشه وشوبنهاور، في ضوء المادية التاريخية
. وفي عام 1937 نشر هوركهايمر مقالته الشهيرة بعنوان "الرؤية التقليدية والنظرية النقدية" فصارت من جهة دليلا نظريا لمدرسة فرانكفورت وتوجهاتها الجديدة، ومن جهة ثانية مصطلحا لإخفاء الأساس الماركسي للمدرسة (نقدي بدلا من ماركسي)، وكانت مجلة المعهد المسماة: مجلة البحوث الاجتماعية مجالا لنشر أهم بحوث العاملين في السنوات اللاحقة على تأسيس المعهد، رغم الاختلافات النظرية بين أعضائها الناجمة عن النتائج المتمايزة للبحوث والاهتمامات من جهة، ولاختلاف الأمزجة الفردية من جهة ثانية
.
ومع وصول النازيين للسلطة عام 1933 بدأ عهد التشرد بالنسبة للعاملين والدارسين في معهد فرانكفورت، اتجاه فرنسا والولايات المتحدة الأمريكية
.. حيث تابعوا عملهم في تطوير "النظرية النقدية". وفي عامي 1949 و1950 عاد إلى ألمانيا الاتحادية كل من أدورنو، وهوركهايمر وبولوك. وانضم إليهم لاحقا في أواخر الخمسينات يورغن هابرماس وجان بياجيه اللذين أسهما إلى حد بعيد في بلورة الطابع الخاص للمدرسة، والتعريف بها، وبالاتجاهات النقدية الممثلة في علم الاجتماع بفرانكفورت.

النظرية النقدية وارتكاسات عصر التنوير:

لقد بدأ أفول عصر التنوير مع مطلع القرن التاسع عشر، بعدما وصلت حركة التنوير إلى درجة متطورة من التأسيس على يد كانط في ألمانيا، فلم نعد نشهد نظريات علمية كما كان (لكبلر، جاليلي، نيوتن) وحتى الفلسفة وقفت أبنيتها المحكمة عند كانط، بل لم يعد القرن التاسع عشر وما بعده يشهد سوى شروح لمذاهب، أو تلقين لمذاهب فلسفية مختلفة على نحو الأفلاطونية المحدثة، الديكارتية الجديدة، ومراجعات هنا وهناك.

لقد كانت بداية النزول في اتجاه مضاد مع حركة الرومانتيك(*) التي انتشرت في باقي دول أوروبا. فبعدما كانت حركة التنوير تقول بالفردية والذاتية وتحلل المرء من كل التقاليد الموروثة والظروف التي وجد فيها.. والقضاء على كل أثر من آثار العصور الوسطى، والفصل بين عالم التجربة وعالم العقل المجرد.. على العكس من ذلك كله حركة الرومانتيك أرادت أن تزج بالفرد وسط الأمة، وأن تخضعه خضوعا تاما لسلطان الدولة والكنيسة. ولظروف الزمان الذي وجد فيه والجنس الذي ينتمي إليه والمكان الذي يقيم به ويحيا ماضيه كله في نفسه، ماضي أمته وتقاليدها وأساطيرها وأحداثها.. فأصبح الإنسان كتلة من الماضي مرتبطة بمكان معين، ومحدودة بزمان معلوم. وبالتالي أصبحوا يقدسون العصور الوسطى ويعدونها أرقى العصور الإنسانية وأخلقها بالفضيلة، وأقربها إلى تحقيق مثلهم، بل لم يعودوا يفصلون بين عالم التجربة وعالم العقل المجرد بل يعدونهما من نسيج واحد لا وجود لأحد منهما دون الآخر. في حين الموقف الذي يتبناه العقلانيون المعاصرون من تاريخ الفلسفة هو موقف في الفلسفة وفي تاريخ الفلسفة غير أنهم لا يعتبرون أنفسهم امتدادا استمراريا لا للعقلانية الكانطية ولا للعقلانية الكلاسيكية، كون العقل في منظورهم يراجع نفسه ويعيد فيها النظر في ذاته باستمرار، فهو في نقاش أزلي وصراع أبدي مع ذاته.. فالعقل لا يقر له قرار، حركته الحقيقة هي النفي والتجاوز، نفي غير آلي، بل تركيبي وتوسعي.

ضمن هذا السياق النقدي للعقل وللعقلانية النسقية السابقة، يبرز موقف النظرية النقدية من خلال أر

المزيد