"الذي لا يعرف أن يتعلم دروس الثلاثة آلاف سنة الأخيرة يبقى في العتمة"
-(غوته)


المثاليـة الألمانيـة
نظرة عامة
لقد تطورت المثالية الألمانية على خلفية تاريخية متميزة, قامت على التحضير للثورة الفرنسية وعلى مسارها ونتائجها؛ هذا إلى جانب حكم نابليون وحروب التحالف, الاحتلال الفرنسي وحروب التحرير وأخيرا مؤتمر فيينا وما أعقبه من نتائج.
لقد بدأ أول الأمر أن أفكار التنوير في العقل والحرية قد تحققت في الثورة. وهذا ما أتاح الإعجاب المتحمس لها من قبل الأوساط الألمانية المثقفة. إلا أن هذا الموقف قد تغير بشكل عميق بعد أن تحولت الثورة إلى الإرهاب.
أسهم الوضع التاريخي بيقظة الوعي الوطني الألماني, فالشعور الوطني هذا قد توجه في ألمانيا توجها ثقافيا محضا.
ازدهر الأدب إبان فترة فيمار الكلاسيكية والرومانسية.
الإصلاحات التربوية, تأسيس جامعة برلين وكذلك الإصلاحات السياسية, كل ذلك جعل من بروسيا دولة حديثة.
وضع إيمانويل كانط (كانت) قواعد المثالية الألمانية. وجوهر أعماله شكلتها كتبه النقدية الثلاثة, إلى جانب مؤلفات أخرى.
وكان كانط في أعماله ما قبل النقدية متأثرا بـ "الفلسفة الأكاديمية". وقد مارس كانط النقد تجاه جميع قدرات العقل… بما في ذلك الحسم حول إمكانية إرسال الماورائيات أو عدم إمكانية ذلك بالمطلق, كما تناول تحديد مصادرها ومدى اتساعها وحدودها.
هذا ما قام به في كتابه "نقد العقل" المحض" ومن ثم "نقد العقل العلمي" ثم بـ "نقد ملكة الحكم".
أما فيخته رأى في المسلمة الكانطية "الشيء في ذاته" تنافرا أراد أن يتجاوزه. من هنا حاول أن يفهم "اللا – أنا" التي تناقض العقل كموضوع للمعرفة, باعتبارها طرحا للأنا المطلق. أي باعتبارها صادرة عن نشاط الأنا الحر.
ألهم فيخته, شلنغ في البداية, إلا أن شلنغ انتقل بعد ذلك ليحاول تطوير فلسفة في الطبيعة. وقد قاده السؤال حول وحدة الموضوعات إلى موضوع تصور حول فلسفة الهوية, وفيها يبدو المطلق بمثابة نقطة لامبالاة بالنسبة إلى التناقضات.
أثارت وجهة النظر هذه, النقد من جانب هيجل بعبارات مازالت مشهورة.
"هذه المعرفة, وحيث يتساوى كل شيء في المطلق… أو إعطاء المطلق لليل حيث جرت العادة أن نقول كل البقرات سوداء – إن هذا يوازي سذاجة الفراغ في المعرفة"
-(هيجل)
أصبحت فلسفة شلنغ بعد ذلك أكثر قربا من الباطنية المستندة إلى التصوف منها إلى الرؤية الحدسية.
درس هيجل في كلية اللاهوت في توبنجن في الوقت نفسه مع شلنغ وهولدرلين.
أما مثاليته المطلقة فقد كانت قمة المثالية الألمانية ونتيجتها.
تمثل المعرفة التي يكونها الذهن عن نفسه أساس النظام التأملي عند هيجل. وقد أدخل فيه مادة معقدة جدا ومتنوعة استقاها من جميع مجالات المعرفة: الدين, القانون والتاريخ.
سأفصًل - إن شاء الله - المثالية الألمانية وأتحدث عن كانط (أو كانت كما يفضله البعض) وكذلك فيخته و القليل عن شليرماخر ثم هيجل وشلنغ. وإن أسعفني الوقت والحيلة أضع لكم بعض اللوحات التوضيحية.
*** مصدري عن المثالية سيكون بشكل كبير معتمد من كتاب "أطلس الفلسفة dtv" لمؤلفيه بيتر كونزمان, فرانز فيدمان, فرانز – بيتر بوركارد.- قد أضيف مصادر أخرى فيما بعد - .
تطورت الفلسفة الغربية بعد بيكون وديكارت في اتجاهين اساسيين.
أولهما الاتجاه التجريبي الذي اعطى للحواس قيمتها المعرفية واقر الاستقراء التجريبي كمنهج للعلوم الطبيعية وبدأ هذا الاتجاه بيكون وبعد ذلك دعمه كلا من توماس هوبز وجون لوك وديفيد هيوم و غيرهم من الفلاسفة الانجليز.
والاتجاه الثاني هو الاتجاه العقلي الذي ارسى دعائمه ديكارت وتطور على يد الكثيرين من تلاميذه والمعجبين بفلسفته، أمثال مالبرانش واسبينوزا وليبينز وغيرهم.
والرابط بين هذين الاتجاهين هو الاعتزاز الشديد بقيمة العقل وقيمة العلم، ايمانهم بأن التقدم الإنساني مرهون بمدى تقدم المعرفة العقلية والعلمية.
اما كانط، فلم يناسبه مغلاتهم في الاعلاء من قدرة العقل حيث تصوروا ان بامكان العقل ان يصل بمعارفه اليقينية إلى ما لانهاية له وان بامكانه تجاوز هذا العالم المحسوس ليصل في معارفه إلى ماوراء هذا العالم. وكذلك نظروا إلى عالمهم على انه عالم التغير والمادة المحسوسة فقط وانه لا يشتمل على الكلي والضروري وهما الصفتان اللتان تميزان المعرفة العقلية.
وفي كتابه "نقد العقل المحض" أكد على ان للعقل حدودا ينبغي الا يتجاوزها والا غاب اليقين وضاعت الحقيقة.
فلسفة كانط قامت بحمل الفلسفة نحو الامام في وقت احتاجت الفلسفة إلى من يدفعها للامام بأسلوب مغاير عن الطرق القديمة، ووضع قضية فلسفية جديدة لم تناقش من قبل، أي وضع العقل ومعارفه تحت مجهر البحث الدقيق لعله يصل إلى إجابة واضحة حول مسألة تقدم العلوم الرياضية والفيزيائية التي وصلت إلى حد كبير من اليقين المصحوب بالأدلة العقلية والتجريبية بينما وجد الفلسفة لا تزال في مكانها ساكنة، خاصة في مجال البحث في القضايا الميتافيزقية. ومن هنا يرى كانط فشل الفلسفة السابقة إنما كان سببه هو انها قدمت آراء ومذاهب لا تقبل المراجعة ولا التحقيق في دنيا الواقع الذي يعيشه معظم الناس.
وهذا هو حل كانط الكامن في محاولته الفلسفية، ان يضع حدود امام العقل لكي لا يتجاوز نطاقه ويظل آرائه واحكامه مقيدة بالتجربة حتى لا يقفز بنا في عالم من الرؤى والخيالات التي لاسبيل إلى تحقيقها أو الاستفادة منها على أرض الواقع. فهو أراد للفلسفة ان تتقدم وتشارك في دنيا الناس بتعميق نظرتهم للوجود والحياة فلا بد ان يلتزم الفيلسوف بحدود هذا الوجود الواقعي الذي أسماه كانط "عالم التجربة" أو "عالم الظواهر".
قد يكون هذا الاتجاه في النقد ما جعل نيتشه يقول عن كانط…
_خبث كانط _
"حارب كانط العلماء مع الجمهور من أجل العلماء!".
==
من المصادر:
مدخل إلى الفلسفة
د. مصطفى النشار
alsكانط / نقد العقل المحض 1:
إيمانويل كانط (1724 – 1804) ولد وتوفي في كونسبرغ.
يعتبر كتابه "نقد العقل المحض" من النصوص التي صنعت العصر الحديث.
عرض كانط نظريته في عام 1783 في كتابه "مقدمة لكل ميتافيزيقا مقبلة". وهي تتضمن تصورا نقديا لإمكانية المعرفة الإنسانية. والسؤال الأساسي فيها:
"كيف يمكن للقضايا التأليفية القبلية أن تكون؟".
بذلك سعى كانط إلى تأسيس الأحكام التي لا تبنى على الخبرة. مثل هذه الأحكام يجب أن لا تكون تحليلية. فالحكم التحليلي لا يوسع الحامل, بل هو يطرحه فقط.
تبعا لذلك يعتبر الحكم التالي: "إن الدائرة المستديرة" حكما تحليليا, لأن الاستدارة موجودة ضمنا في الدائرة. أما بالمقابل فإن الحكم 7+5 = 12 هو حكم تأليفي: فالحكم الماقبلي 12 هو حكم غير متضمن لا في العدد (7) ولا في العدد (5).
تعتبر الأحكام التأليفية الماقبلية بمثابة مبادئ موجودة في جميع العلوم النظرية وإن السؤال عن إمكانياتها في الماورائيات يحسم السؤال عن إمكانية الماورائيات في
المزيد