انشطار جان جينيه الذاتي العنف
داخل مسرح المرتب اللاكانية الثلاث
بقلم / مارك بيزاتو
ترجمة / نعيم عاشور
![]()
فى كتابه الصغير عن بروست ، يقول صمويل بيكيت:
ان قوانين الذاكرة خاضعة لقوانين العادة الاكثر عمومية..
والعادة ما هى إلا تسوية تتم بين الفرد ومحيطه ، أو بين الفرد وشذوذاته العضوية، وهى ضمان لمقدسى يعوزه البريق الذى هو الدليل الساطع على وجوده ، إن العادة هى الثقالة التى تقيد الكلب الى قيئه “.
ولكن فى الذاكرة الروائية البروستية، وفقا لبيكيت هناك انقطاعات فى قانون العادة “عندما يتم للحظة استبدالى ضجر العيش بمعاناة الوجود” وفى لحظات كهذه تخرق المعاناة الوجودية “شاشة” الذاكرة والاعتيادية و”تفتح نافذة على الحقيقى..” هذه الملاحظات يمكن تطبيقها ايضا على كتابات جان جينيه ، وعلى الاخص من خلال المشهد الرئيسى لولادته الثانية ككاتب كما يتذكرها هو على الرغم من أن كتاباته تنطوى على قدر من الفانتازيا اكثر مما تحتويه من ذاكرة مستعادة بغرض الانبعاث الذاتى.
لقد كتب جينيه رواياته الاولى فى زنزانة، فيما يشبه “التسوية الناقصة الأونانية بين الفرد ومحيطه ” ومن خلال عادة اداته فى الكتابة “وفى امور غيرها” قام جينيه، بقذف معاناته وشذوذاته الجنسية على الورق مفتتحا بذلك نافذة تخيلية على الحقيقى بداخله ، وحتى لو كانت هذه الأونانية “عدم بلوغ الذروة” التى يتذكرها جينيه على انها اصل رواياته مجرد ذاكرة ملفقة او استعارة فإن النرجسية الاونانية “العاجزة عن بلوغ الذروة” لاسلوبه فى الكتابة تظل واضحة وهذا يدعونا الى التساؤل عما اذا كان جينيه قد كتب ما كتب لكى يقرأه احد أخر غير نفسه ؟ يقول بتاى مختلفا مع سارتر الذى يحيط “القديس جينيه ” بهالة من القداسة: (1)
فى الواقع ، لا يوجد اتصال بين جينيه والقارىء.. وعلى الرغم من ان سارتر يعتبر عمله هذا صحيحا… إلا ان جينيه ، وفقا لسارتر قد جعل من ذاته مقدسة عن طريق القارىء… وهذا يقوده الى التأكيد على ان الشاعر انما يسعى لكى يعترف به من قبل جمهور هو لا يعترف به اصلا لكن “وفقا لبتاى” فإن العملية التقديسية او الشعرية انما هى اتصال أو لا شىء.
اذا كان جينيه قد كتب اصلا لنفسه وحسب فهو لابد قد تخيل قارئا واحدا على الاقل فى الواقع ، سيكون الغرض الوحيد لكتابته عندئذ هو ان يقرأها بنفسه وان يعيد قراءة ذاته وتخيلاته ، كما يعيد تخيل ذاته من خلال فنتازياته المكتوبة، على الاقل كان جينيه يتواصل “ويتوق الى التواصل ” مع ذاته ،ولكن تلك “الذات ” كانت تمثل آنذاك جينيه - القارىء -الخارجى والمستقبلي وكان جينيه - الكاتب - يراودها من اجل تواصل وصلة حميمة محتملين هذا الانشطار بين لحظات الكتابة ولحظات القراءة، وبين جينيه الكاتب وجينيه القارىء،يكشف عن انشطارات اخرى بين تلك اللحظات “الذاوت اللحظية المتكررة” وبين لحظة الذات المتخيلة، جميع هذه الشخصيات الجينية “نسبة الى جان جينيه ” الثلاث والانشطارات فيما بينها، تكمن فى تلك اللحظة التى تخترق فيها “معاناة الوجود”، “ضجر العيش ” وسكنى السجن ان ذاتية جينية الثلاثية ككاتب وقارىء وحالم يقظة توضح كلا من وعيه المعتقل وغربة ذلك الوعى عن ذاته “ذات الوعى”… فى التوق الى الأخر وتوق ذلك الأخر ذاته.
هذا الوضع لايختلف كثيرا عن وضع اى كاتب وحالم وناقد ذاتى مجهول يحاول ان يكون مقروءا من قبل الآخرين… سوى ان جينيه كان مسجونا.خلف جدران حقيقية واكثر صلادة من العادة ومن رغبة الكاتب فى التواصل مع ذلك فنحن جميعا “كتاب وغير كتاب ” مشكلون كذاوت منشطرة طبقا لما يقوله جاك لاكان “تأسيسا على الانا الفرويدية المنشطرة”. “ما اخبركم به أنا لا كان مقتفيا فى ذلك خطى الاحافير الفرويدية،هو ان ذاتا كتلك ، غير يقينية لانها منشطرة بتأثيرات اللغة… إنالذات دائما ما تدرك نفسها أكثر فى الأخر لكنها فى الوقت نفسه ، تسعى هناك الى ما هو اكثر من نصف ذاتها، فالذات هى كذلك فقط لانها تخضع لمجال الأخر… وهذا هو السبب فى ان الذات ينبغى ان تخرج… ان تضع نفسها خارجا..( 2)
لقد وضع جينيه نفسه خارجا بالفعل -ان كان السجن هو المقصود - وذلك عن طريق الكتابة وقراءته من قبل الأخر الموجود خارج اسوار السجن “وعلى الاخص سارتر وكوكتو“.
ان سعيه من اجل ما هو اكثر من نصف ذاته فى شخصياته المقذوفة خارجا بشكل غير مكتمل “الاخرون المتخيلون من قبله ” قد أنتج فى المحصلة الاخيرة جمهورا حقيقيا ربما اكبر مما قد حلم به قط وحينما اتجه جينيه نحو الكتابة للمسرح ،جسد ممثلون حقيقيون يشاهدهم جمهور آخر حقيقى،شخصيات الآخرين المتخيلة من قبله ، عندها امتدت ذاتية جينيه الانشطارية كحالم وكاتب وقارىء اكثر فأكثر الى/ وفى خضوع “لمجال الآخر” والى حد ما، قام مخرجون وممثلون ومصممو ازياء ومهندسو اضاءة وديكور وفنيون بالاضافة الى الجمهور الليلى “ولايزالون ” باعادة تخيل واعادة صياغة مسرحياته على خشبة المسرح العمومى “الحى” كما كان يفعل القراء الحقيقيون لرواياتهم وهم فى عزلة، وهكذا قادت الممرات المسرحية التى تشق مقاعد المتفرجين الى مدخل جينيه الكاتب المسرحى الجديد والممتد “رغم عدم اكتماله “.
وبناء على ما يقول هيربرت بلو، وهو مخرج امريكى اخرج مسرحية الشرفة فإن:
“مسرح جينيه يداعب ارتياب الممثل ويجعل من تجربة الانتهاك والاغتصاب الحدث الرئيسى فى المسرحية… إن الممثل يقاوم سيناريوهه “جينيه ” وهو ما ينبغى له فعله والمسرحية تكتسب كثافة المعنى من بتشيع شكاوى الممثل الطبيعية“.
فى انتاج بلو، تم استنفاد معنى الانتهاك والمقاومة فى المسرحية بين الممثلين والنص ، وبين الممثلين وشخصياتهم ثم بين الممثل / الشخصية وجمهور المسرح.
“كانت مهمتهم العثور على الذات فى انسجام خضوعهم..وكممثلين كانوا سيستغلون التوقعات التلصصية الشهوية التى يمكن ان يشعروا بوجودها لدى المتفرجين “.
ينبغى على ممثلى مسرحيات جينيه “اى مسرحية” ان يبحثوا عن ذات عن شخصية يصورونها على الخشبة الامامية اذ على الرغم من ان فكرتهم وفكرة المتفرجين عمن يكونون فى أية لحظة لاتكونان متطابقتين إلا انهم دائما ما يكونون فى تدفق حواري اثناء الاداء.
ان علاقة الممثل - المتفرج بالمسرح تعكس ذاتية جينيه الثلاثية فى كلا الاتجاهين: فالمتفرج يقرأ، يحلم ، و”يعيد”كتابة الشخصية التى يقدمها الممثل على خشبة المسرح الامامية فى نفس الوقت الذى يقوم خلاله الممثل بقراءة، وتخيل ،والاستجابة “للتوقعات التلصصية الفضولية” التى تبدر عن المتفرجين. ان الممثلين وعلى الخصوص فى مسرحيات جينية يقومون بتخيل شخصياتهم ويعيدون كتابتها “تمثيلها” باستمرار على الخشبة الامامية عن طريق قراءة ردود افعال مشاهديهم “وزملائهم الممثلين ” اما المتفرجون فيحلمون بالمسرحية مثل “جينيه الاونانى ” حيث يدركون بأن الاداء يغيرها بالفعل فى داخلهم وفى تأثيرهم على الممثلين “مثل جينيه الكاتب ” ان هذه الفجوة المتفاعلة بين خشبة المسرح والمقاعد انما تعكس الفجوة التى بين جينيه وشخصياته المكتوبة كما انها توضح التشظيات داخل جينيه نفسه المسقطة من خلال الأخرين المتخيلين من قبله ، بحيث تعكسه وتخضعه لحظة يحلم بهم ، ويكتبهم ويعيد قراءتهم (كما يحلم ويكتب ويعيد قراءة ذاته هو) وهكذا فقد كانت كتابته للمسرح تدرك وتضخم ذاته المنشطرة.
لقد بدأ جينيه حياته كطفل لقيط لعاهره ، وكمنبوذ من المجتمع لم يكتسب فكرته عن الذات إلا عبر الجريمة… وعبر استيلاد ذاتى عنيف ، كما يشرح ذلك ايهاب حسن:
المنبوذ لا يرفض المجتمع فحسب ، ولكن ايضا كل نظام للاشياء انه يعمل ضد الطبيعة، ويبتكر جنسه وذاته ، من اجل ان يقطع كل الروابط التى تربطه بالكون.
مع ذلك فإن هذا الرفض هو وسيلة لاستغلال القوانين المرفوضة فى المجتمع والطبيعة من اجل صقل هوية المنبوذ الخاصة، ان الروابط فى الواقع لاتقطع ابدا، بل انها على العكس تشتد احكاما، فالمجرم يبنى على نحو مزعوم ما تتكىء عليه هويته “كخارج على القانون ” ويتملص بشكل مؤقت ، من القانون لكى يؤكده ولكن هذا الوضع فى النهاية يؤول به لان يصبح تحت بصر وقبضة القانون بشكل اكبر… كسجين ان متكئه الذاتى يسعى به الى قضبان الزنزانة، انه بحاجة لان يلقى القبض عليه لكى يثبت انه (خارج على القانون).
فى نهاية مسرحية جينيه الاولى”الاولى كتابة وليس تمثيلا” “حرس الموت ” يرتكب لوفرانك جريمة قتل فى زنزانة السجن من اجل الأخر الذى يحرسه ير
المزيد














يكتب فارلام شالاموف في قصته (انبعاث الشربين)، التي تدور حول رمزية انبعاث الحياة في غصن شربين مرسل إلى موسكو من منطقة المعتقلات في الكاليما، يكتب ساخراً من دعوة ليف تولستوي إلى مقاومة الشر بفعل المزيد من الخير ومن مواعظ دوستويفسكي، ملمّحاً إلى ما جاء في (الأخوة كارامازوف) مما سنتوقّف عنده لاحقاً: < <بعد بلاغة الواعظ تولستوي، ومواعظ دوستويفسكي الثرة كانت الحروب والثورات وهيروشيما ومعسكرات الاعتقال والوشايات والإعدامات..> (انظر شالاموف، القادم من الجحيم، الحصاد، دمشق،2001) وفي مكان آخر من القصة ذاتها يكتب داعيا إلى ما يستطيعه كل أحد خارج مقاييس الشجاعة والجبن، المقاومة والاستسلام، أي إلى أداء واجب الحد الأدنى الإنساني، عدم نسيان ما تعرّض له ضحايا القمع من فظائع وأهوال، وفعل ما من شأنه أن يحفظ أنينهم في الذاكرة. وإذا كانت الذاكرة البشرية قصيرة، فمن شأن الذاكرة الجمعية إذا ضغطت على التاريخ أن ترغمه على إفراد حيّز من ذاكرته الطويلة الأمد، حيّز يحفظ فيه صور المعذَّبين والجلادين من أجل أن يتذكّر البشر فظاعة أن يطغوا وفظاعة أن يستسلموا للطغيان، وربما من أجل يوم يدفع فيه كلٌّ ثمن ما اقترفت يداه. يكتب شالاموف: < <تنفّست الشربينة في الشقة الموسكوفية لتذكّر البشر بواجبهم الإنساني، كيلا ينسوا جثث ملايين المقتولين في الكاليما. لقد كانت تلك الرائحة الضعيفة الراسخة صوت الأموات، وباسم هؤلاء الأموات تشجّعت الشربينة على التّنفّس والنطق والحياة>. وفي مكان ثالث: < <حين يرسل الرجل غصنا كاليميا بالبريد الجوي، فهو يريد أن يذكّر ليس بنفسه. هو لا يرسل الغصن ذكرى عن نفسه، إنما ذكرى عن ملايين المعذّبين، المعدومين، المرميين في المقابر الجماعية شمال ماغادان. يرسل هذا الغصن القاسي واللين في آن معاً لمساعدة الآخرين على التذكّر، لإزاحة ذلك الحمل الثقيل عن الروح: أن ترى ذلك كله وتجد في نفسك القوة على أن تسكت عنه، وألا تنساه>. ومع أن فارلام شالاموف، إذا ما قورن بكتّاب المعتقلات الآخرين وخاصة ليف رازغون، لا يدعو إلى الحقد، فإنّه يدعو بقوة إلى عدم النسيان، ويجد من غير المعقول أن يدعو عارف بفظاعات أنظمة الطغيان وعذابات البشر تحت سلطة الطغاة إلى الصفح.
لكن، هناك من العارفين بعذاب البشر من يدعو، رغم ذلك، إلى الصفح. ألم يدعو ليف تولستوي إلى التحلّي بأخلاق مسيحية تقول بالصلاة من أجل (العدو) و(الصديق)، على أساس أنّ (الخير) لا يمكن أن يمارس (الشر)، ولا يمكن مجابهة الشر إلا بفعل المزيد من الخير؟ ومع أن دعوة تولستوي هذه تأتي ثمرة لتجربته الروائية مع (الحرب والسلم)، التجربة التي تكاد لا تقل بملموسية الواقع الذي تخلقه عن تجربة أهوال الحرب الواقعية المعيشة. فهل على الفنان أن يختبر كل شيء على جلده ليشعر به ويعبّر عنه فنيّاً؟! إذن، فعلى الرغم من أن دعوة تولستوي تأتي من واقع حياتي معيش وآخر روائي معيش هو الآخر، انتهى من خلال إعادة إنتاج الأول فنيّا وفلسفيا إلى إعادة إنتاج الراوي نفسه، ليتحوّل في نهاية المطاف إلى واعظ، فإنّ ذلك لم يمنع كاتبا آخر مهمّا مثل بولغاكوف من الاعتراض على هذه الدعوة بأسلوبه الساخر المعهود. ففي المشهد الرابع من مسرحية بولغاكوف المقتبسة من رواية (الحرب والسلم) والتي تحمل العنوان نفسه (ت. هاشم حمادي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1997) تُرفَع الصلاة من أجل العدو والصديق: < <عمّن يكرهنا، عن أعدائنا سنصلّي لله>. وما أن يتساءل صاحب الصوت: من عساه يكون العدو؟ حتى يجيب نفسه: < <من سبّبَ لي الشر. إنني أصلي عنه بفرح>. لكن بولغاكوف لا يلبث أن يجد تناقضاً في ذلك يعرضه من خلال صلاة الكونتيسة وردّ نتاشا عليها. فالكونتيسة تدعو بعد الصلاة الأولى المرفوعة لأجل العدو مبتهلة: < <يا إلهي.. اضرب أعداءنا، والقِ بهم بين أقدام المؤمنين بك..>، فيأتي صوت نتاشا معترضا: < <لكنني لا أستطيع الصلاة عن سحق أعدائي تحت الأقدام ما دمت قبل عدة دقائق من هذا قد صلّيت لأجلهم... اعف عنهم يا إلهي وعنّي..>. أمّا اعتراض بولغاكوف على الدعوة إلى الصلاة من أجل العدو فتجده أيضا في مواضع أخرى من النص المسرحي. ففي المشهد السادس يقول غلينكا: < <يجب أن تصد جهنّم بجهنّم>! وفي المشهد العاشر يقف بولغاكوف عند معضلة أن يكون الرب قادراً على تقبل صلوات الشكر لقاء مساعدته في قتل أولئك الذين رفعت الصلاة لأجل حيواتهم من قبل. يقول بولغاكوف على لسان أندريه: < <سيتلاقون غداً، وسيقتلون عشرات الآلاف من الناس، ومن ثم سيؤدون صلوات الشكر. فكيف ينظر الرب من هناك ويصغي إليهم ..>. وسخرية بولغاكوف المبطّنة هنا لا تلبث أن تبحث عن حجة عقلية في غير مكان، فتجدها في المشهد الثلاثين مع القائد كوتوزوف، حين راح جنوده ينكسون رايات العدو المنهزم ويأتون على فلوله. يقول كوتوزوف مخاطباً جنوده: < <.. حين كانوا أقوياء لم نشفق على أنفسنا. أمّا الآن فإنهم يستحقون الشفقة. هم بدورهم بشر. أليس كذلك يا شباب؟> لكنه سرعان ما يعلن أن لا مكان للرأفة بالعدو فيقول بعد صمت قصير: < <.. لكن والحق يُقال من دعاهم إلينا؟ إنّهم يستحقون هذا، ثكلتهم أمهاتهم...>. 






