ووفقا لايهاب حسن فإن جينيه ينسف كل فرضيات الوجود،

مايو 31st, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

انشطار جان جينيه الذاتي العنف
داخل مسرح المرتب اللاكانية الثلاث

بقلم / مارك بيزاتو
ترجمة / نعيم عاشور

 

فى كتابه الصغير عن بروست ، يقول صمويل بيكيت:

ان قوانين الذاكرة خاضعة لقوانين العادة الاكثر عمومية..

والعادة ما هى إلا تسوية تتم بين الفرد ومحيطه ، أو بين الفرد وشذوذاته العضوية، وهى ضمان لمقدسى يعوزه البريق الذى هو الدليل الساطع على وجوده ، إن العادة هى الثقالة التى تقيد الكلب الى قيئه “.

ولكن فى الذاكرة الروائية البروستية، وفقا لبيكيت هناك انقطاعات فى قانون العادة “عندما يتم للحظة استبدالى ضجر العيش بمعاناة الوجود” وفى لحظات كهذه تخرق المعاناة الوجودية “شاشة” الذاكرة والاعتيادية و”تفتح نافذة على الحقيقى..” هذه الملاحظات يمكن تطبيقها ايضا على كتابات جان جينيه ، وعلى الاخص من خلال المشهد الرئيسى لولادته الثانية ككاتب كما يتذكرها هو على الرغم من أن كتاباته تنطوى على قدر من الفانتازيا اكثر مما تحتويه من ذاكرة مستعادة بغرض الانبعاث الذاتى.

لقد كتب جينيه رواياته الاولى فى زنزانة، فيما يشبه “التسوية الناقصة الأونانية بين الفرد ومحيطه ” ومن خلال عادة اداته فى الكتابة “وفى امور غيرها” قام جينيه، بقذف معاناته وشذوذاته الجنسية على الورق مفتتحا بذلك نافذة تخيلية على الحقيقى بداخله ، وحتى لو كانت هذه الأونانية  “عدم بلوغ الذروة” التى يتذكرها جينيه على انها اصل رواياته مجرد ذاكرة ملفقة او استعارة فإن النرجسية الاونانية العاجزة عن بلوغ الذروة” لاسلوبه فى الكتابة تظل واضحة وهذا يدعونا الى التساؤل عما اذا كان جينيه قد كتب ما كتب لكى يقرأه احد أخر غير نفسه ؟ يقول بتاى مختلفا مع سارتر الذى يحيط “القديس جينيه ” بهالة من القداسة: (1)

فى الواقع ، لا يوجد اتصال بين جينيه والقارىء.. وعلى الرغم من ان سارتر يعتبر عمله هذا صحيحا… إلا ان جينيه ، وفقا لسارتر قد جعل من ذاته مقدسة عن طريق القارىء… وهذا يقوده الى التأكيد على ان الشاعر انما يسعى لكى يعترف به من قبل جمهور هو لا يعترف به اصلا لكن “وفقا لبتاى” فإن العملية التقديسية او الشعرية انما هى اتصال أو لا شىء.

اذا كان جينيه قد كتب اصلا لنفسه وحسب فهو لابد قد تخيل قارئا واحدا على الاقل فى الواقع ، سيكون الغرض الوحيد لكتابته عندئذ هو ان يقرأها بنفسه وان يعيد قراءة ذاته وتخيلاته ، كما يعيد تخيل ذاته من خلال فنتازياته المكتوبة، على الاقل كان جينيه يتواصل “ويتوق الى التواصل ” مع ذاته ،ولكن تلك “الذات ” كانت تمثل آنذاك جينيه - القارىء -الخارجى والمستقبلي وكان جينيه - الكاتب - يراودها من اجل تواصل وصلة حميمة محتملين هذا الانشطار بين لحظات الكتابة ولحظات القراءة، وبين جينيه الكاتب وجينيه القارىء،يكشف عن انشطارات اخرى بين تلك اللحظات “الذاوت اللحظية المتكررة” وبين لحظة الذات المتخيلة، جميع هذه الشخصيات الجينية “نسبة الى جان جينيه ” الثلاث والانشطارات فيما بينها، تكمن فى تلك اللحظة التى تخترق فيها “معاناة الوجود”، “ضجر العيش ” وسكنى السجن ان ذاتية جينية الثلاثية ككاتب وقارىء وحالم يقظة توضح كلا من وعيه المعتقل وغربة ذلك الوعى عن ذاته “ذات الوعى”… فى التوق الى الأخر وتوق ذلك الأخر ذاته.

هذا الوضع لايختلف كثيرا عن وضع اى كاتب وحالم وناقد ذاتى مجهول يحاول ان يكون مقروءا من قبل الآخرين… سوى ان جينيه كان مسجونا.خلف جدران حقيقية واكثر صلادة من العادة ومن رغبة الكاتب فى التواصل مع ذلك فنحن جميعا “كتاب وغير كتاب ” مشكلون كذاوت منشطرة طبقا لما يقوله جاك لاكان “تأسيسا على الانا الفرويدية المنشطرة”. “ما اخبركم به أنا لا كان مقتفيا فى ذلك خطى الاحافير الفرويدية،هو ان ذاتا كتلك ، غير يقينية لانها منشطرة بتأثيرات اللغة… إنالذات دائما ما تدرك نفسها أكثر فى الأخر لكنها فى الوقت نفسه ، تسعى هناك الى ما هو اكثر من نصف ذاتها، فالذات هى كذلك فقط لانها تخضع لمجال الأخر… وهذا هو السبب فى ان الذات ينبغى ان تخرج… ان تضع نفسها خارجا..( 2)

لقد وضع جينيه نفسه خارجا بالفعل -ان كان السجن هو المقصود - وذلك عن طريق الكتابة وقراءته من قبل الأخر الموجود خارج اسوار السجن “وعلى الاخص سارتر وكوكتو“.

ان سعيه من اجل ما هو اكثر من نصف ذاته فى شخصياته المقذوفة خارجا بشكل غير مكتمل “الاخرون المتخيلون من قبله ” قد أنتج فى المحصلة الاخيرة جمهورا حقيقيا ربما اكبر مما قد حلم به قط وحينما اتجه جينيه نحو الكتابة للمسرح ،جسد ممثلون حقيقيون يشاهدهم جمهور آخر حقيقى،شخصيات الآخرين المتخيلة من قبله ، عندها امتدت ذاتية جينيه الانشطارية كحالم وكاتب وقارىء اكثر فأكثر الى/ وفى خضوع “لمجال الآخر” والى حد ما، قام مخرجون وممثلون ومصممو ازياء ومهندسو اضاءة وديكور وفنيون بالاضافة الى الجمهور الليلى “ولايزالون ” باعادة تخيل واعادة صياغة مسرحياته على خشبة المسرح العمومى “الحى” كما كان يفعل القراء الحقيقيون لرواياتهم وهم فى عزلة، وهكذا قادت الممرات المسرحية التى تشق مقاعد المتفرجين الى مدخل جينيه الكاتب المسرحى الجديد والممتد “رغم عدم اكتماله “.

وبناء على ما يقول هيربرت بلو، وهو مخرج امريكى اخرج مسرحية الشرفة فإن:

مسرح جينيه يداعب ارتياب الممثل ويجعل من تجربة الانتهاك والاغتصاب الحدث الرئيسى فى المسرحية… إن الممثل يقاوم سيناريوهه “جينيه ” وهو ما ينبغى له فعله والمسرحية تكتسب كثافة المعنى من بتشيع شكاوى الممثل الطبيعية“.

فى انتاج بلو، تم استنفاد معنى الانتهاك والمقاومة فى المسرحية بين الممثلين والنص ، وبين الممثلين وشخصياتهم ثم بين الممثل / الشخصية وجمهور المسرح.

كانت مهمتهم العثور على الذات فى انسجام خضوعهم..وكممثلين كانوا سيستغلون التوقعات التلصصية الشهوية التى يمكن ان يشعروا بوجودها لدى المتفرجين “.

ينبغى على ممثلى مسرحيات جينيه “اى مسرحية” ان يبحثوا عن ذات عن شخصية يصورونها على الخشبة الامامية اذ على الرغم من ان فكرتهم وفكرة المتفرجين عمن يكونون فى أية لحظة لاتكونان متطابقتين إلا انهم دائما ما يكونون فى تدفق حواري اثناء الاداء.

ان علاقة الممثل - المتفرج بالمسرح تعكس ذاتية جينيه الثلاثية فى كلا الاتجاهين: فالمتفرج يقرأ، يحلم ، و”يعيد”كتابة الشخصية التى يقدمها الممثل على خشبة المسرح الامامية فى نفس الوقت الذى يقوم خلاله الممثل بقراءة، وتخيل ،والاستجابة “للتوقعات التلصصية الفضولية” التى تبدر عن المتفرجين. ان الممثلين وعلى الخصوص فى مسرحيات جينية يقومون بتخيل شخصياتهم ويعيدون كتابتها “تمثيلها” باستمرار على الخشبة الامامية عن طريق قراءة ردود افعال مشاهديهم “وزملائهم الممثلين ” اما المتفرجون فيحلمون بالمسرحية مثل “جينيه الاونانى ” حيث يدركون بأن الاداء يغيرها بالفعل فى داخلهم وفى تأثيرهم على الممثلين “مثل جينيه الكاتب ” ان هذه الفجوة المتفاعلة بين خشبة المسرح والمقاعد انما تعكس الفجوة التى بين جينيه وشخصياته المكتوبة كما انها توضح التشظيات داخل جينيه نفسه المسقطة من خلال الأخرين المتخيلين من قبله ، بحيث تعكسه وتخضعه لحظة يحلم بهم ، ويكتبهم ويعيد قراءتهم (كما يحلم ويكتب ويعيد قراءة ذاته هو) وهكذا فقد كانت كتابته للمسرح تدرك وتضخم ذاته المنشطرة.

لقد بدأ جينيه حياته كطفل لقيط لعاهره ، وكمنبوذ من المجتمع لم يكتسب فكرته عن الذات إلا عبر الجريمة… وعبر استيلاد ذاتى عنيف ، كما يشرح ذلك ايهاب حسن:

المنبوذ لا يرفض المجتمع فحسب ، ولكن ايضا كل نظام للاشياء انه يعمل ضد الطبيعة، ويبتكر جنسه وذاته ، من اجل ان يقطع كل الروابط التى تربطه بالكون.

مع ذلك فإن هذا الرفض هو وسيلة لاستغلال القوانين المرفوضة فى المجتمع والطبيعة من اجل صقل هوية المنبوذ الخاصة، ان الروابط فى الواقع لاتقطع ابدا، بل انها على العكس تشتد احكاما، فالمجرم يبنى على نحو مزعوم ما تتكىء عليه هويته “كخارج على القانون ” ويتملص بشكل مؤقت ، من القانون لكى يؤكده ولكن هذا الوضع فى النهاية يؤول به لان يصبح تحت بصر وقبضة القانون بشكل اكبر… كسجين ان متكئه الذاتى يسعى به الى قضبان الزنزانة، انه بحاجة لان يلقى القبض عليه لكى يثبت انه (خارج على القانون).

فى نهاية مسرحية جينيه الاولى”الاولى كتابة وليس تمثيلا” “حرس الموت ” يرتكب لوفرانك جريمة قتل فى زنزانة السجن من اجل الأخر الذى يحرسه ير


المزيد


سؤالا الإجابة عنه أبعد ما تكون عن انتصار الخير على الشر

فبراير 11th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

الشر والعقاب بين تولستوي ودوستويفسكي وبولفاكوف وشامالوف
الأدب الروسي في عين الشر الستاليني
ليكن القصاص.. ليكن الآن هنا

 

يكتب فارلام شالاموف في قصته (انبعاث الشربين)، التي تدور حول رمزية انبعاث الحياة في غصن شربين مرسل إلى موسكو من منطقة المعتقلات في الكاليما، يكتب ساخراً من دعوة ليف تولستوي إلى مقاومة الشر بفعل المزيد من الخير ومن مواعظ دوستويفسكي، ملمّحاً إلى ما جاء في (الأخوة كارامازوف) مما سنتوقّف عنده لاحقاً: < <بعد بلاغة الواعظ تولستوي، ومواعظ دوستويفسكي الثرة كانت الحروب والثورات وهيروشيما ومعسكرات الاعتقال والوشايات والإعدامات..> (انظر شالاموف، القادم من الجحيم، الحصاد، دمشق،2001) وفي مكان آخر من القصة ذاتها يكتب داعيا إلى ما يستطيعه كل أحد خارج مقاييس الشجاعة والجبن، المقاومة والاستسلام، أي إلى أداء واجب الحد الأدنى الإنساني، عدم نسيان ما تعرّض له ضحايا القمع من فظائع وأهوال، وفعل ما من شأنه أن يحفظ أنينهم في الذاكرة. وإذا كانت الذاكرة البشرية قصيرة، فمن شأن الذاكرة الجمعية إذا ضغطت على التاريخ أن ترغمه على إفراد حيّز من ذاكرته الطويلة الأمد، حيّز يحفظ فيه صور المعذَّبين والجلادين من أجل أن يتذكّر البشر فظاعة أن يطغوا وفظاعة أن يستسلموا للطغيان، وربما من أجل يوم يدفع فيه كلٌّ ثمن ما اقترفت يداه. يكتب شالاموف: < <تنفّست الشربينة في الشقة الموسكوفية لتذكّر البشر بواجبهم الإنساني، كيلا ينسوا جثث ملايين المقتولين في الكاليما. لقد كانت تلك الرائحة الضعيفة الراسخة صوت الأموات، وباسم هؤلاء الأموات تشجّعت الشربينة على التّنفّس والنطق والحياة>. وفي مكان ثالث: < <حين يرسل الرجل غصنا كاليميا بالبريد الجوي، فهو يريد أن يذكّر ليس بنفسه. هو لا يرسل الغصن ذكرى عن نفسه، إنما ذكرى عن ملايين المعذّبين، المعدومين، المرميين في المقابر الجماعية شمال ماغادان. يرسل هذا الغصن القاسي واللين في آن معاً لمساعدة الآخرين على التذكّر، لإزاحة ذلك الحمل الثقيل عن الروح: أن ترى ذلك كله وتجد في نفسك القوة على أن تسكت عنه، وألا تنساه>. ومع أن فارلام شالاموف، إذا ما قورن بكتّاب المعتقلات الآخرين وخاصة ليف رازغون، لا يدعو إلى الحقد، فإنّه يدعو بقوة إلى عدم النسيان، ويجد من غير المعقول أن يدعو عارف بفظاعات أنظمة الطغيان وعذابات البشر تحت سلطة الطغاة إلى الصفح.
لكن، هناك من العارفين بعذاب البشر من يدعو، رغم ذلك، إلى الصفح. ألم يدعو ليف تولستوي إلى التحلّي بأخلاق مسيحية تقول بالصلاة من أجل (العدو) و(الصديق)، على أساس أنّ (الخير) لا يمكن أن يمارس (الشر)، ولا يمكن مجابهة الشر إلا بفعل المزيد من الخير؟ ومع أن دعوة تولستوي هذه تأتي ثمرة لتجربته الروائية مع (الحرب والسلم)، التجربة التي تكاد لا تقل بملموسية الواقع الذي تخلقه عن تجربة أهوال الحرب الواقعية المعيشة. فهل على الفنان أن يختبر كل شيء على جلده ليشعر به ويعبّر عنه فنيّاً؟! إذن، فعلى الرغم من أن دعوة تولستوي تأتي من واقع حياتي معيش وآخر روائي معيش هو الآخر، انتهى من خلال إعادة إنتاج الأول فنيّا وفلسفيا إلى إعادة إنتاج الراوي نفسه، ليتحوّل في نهاية المطاف إلى واعظ، فإنّ ذلك لم يمنع كاتبا آخر مهمّا مثل بولغاكوف من الاعتراض على هذه الدعوة بأسلوبه الساخر المعهود. ففي المشهد الرابع من مسرحية بولغاكوف المقتبسة من رواية (الحرب والسلم) والتي تحمل العنوان نفسه (ت. هاشم حمادي، المجلس الوطني للثقافة والفنون والآداب، الكويت، 1997) تُرفَع الصلاة من أجل العدو والصديق: < <عمّن يكرهنا، عن أعدائنا سنصلّي لله>. وما أن يتساءل صاحب الصوت: من عساه يكون العدو؟ حتى يجيب نفسه: < <من سبّبَ لي الشر. إنني أصلي عنه بفرح>. لكن بولغاكوف لا يلبث أن يجد تناقضاً في ذلك يعرضه من خلال صلاة الكونتيسة وردّ نتاشا عليها. فالكونتيسة تدعو بعد الصلاة الأولى المرفوعة لأجل العدو مبتهلة: < <يا إلهي.. اضرب أعداءنا، والقِ بهم بين أقدام المؤمنين بك..>، فيأتي صوت نتاشا معترضا: < <لكنني لا أستطيع الصلاة عن سحق أعدائي تحت الأقدام ما دمت قبل عدة دقائق من هذا قد صلّيت لأجلهم... اعف عنهم يا إلهي وعنّي..>. أمّا اعتراض بولغاكوف على الدعوة إلى الصلاة من أجل العدو فتجده أيضا في مواضع أخرى من النص المسرحي. ففي المشهد السادس يقول غلينكا: < <يجب أن تصد جهنّم بجهنّم>! وفي المشهد العاشر يقف بولغاكوف عند معضلة أن يكون الرب قادراً على تقبل صلوات الشكر لقاء مساعدته في قتل أولئك الذين رفعت الصلاة لأجل حيواتهم من قبل. يقول بولغاكوف على لسان أندريه: < <سيتلاقون غداً، وسيقتلون عشرات الآلاف من الناس، ومن ثم سيؤدون صلوات الشكر. فكيف ينظر الرب من هناك ويصغي إليهم ..>. وسخرية بولغاكوف المبطّنة هنا لا تلبث أن تبحث عن حجة عقلية في غير مكان، فتجدها في المشهد الثلاثين مع القائد كوتوزوف، حين راح جنوده ينكسون رايات العدو المنهزم ويأتون على فلوله. يقول كوتوزوف مخاطباً جنوده: < <.. حين كانوا أقوياء لم نشفق على أنفسنا. أمّا الآن فإنهم يستحقون الشفقة. هم بدورهم بشر. أليس كذلك يا شباب؟> لكنه سرعان ما يعلن أن لا مكان للرأفة بالعدو فيقول بعد صمت قصير: < <.. لكن والحق يُقال من دعاهم إلينا؟ إنّهم يستحقون هذا، ثكلتهم أمهاتهم...>.
تولستوي الواعظ
وإذا كان بولغاكوف قد اكتفى كعادته بالسخرية مما جاء لدى تولستوي، فإنك تلاحظ في تعبير شالاموف في (انبعاث الشربين) اعتراضا قاسيا، اعتراضا مفاده أنه إذا كان بمقدور كاتب مترف مثل تولستوي أن يتحوّل إلى واعظ أخلاقي، متنقلا في الأرياف، متفرجا على قشرة البؤس، داعيا إلى التسامح، فليس يستطيع ذلك من خاض تجربة الموت المرير في المعتقلات ألْفاً قبل أن يستعيد شبه حياة أو بقايا حياة. ثم، ما الذي يضير تولستوي في الدعوة إلى الخير والتسامح! فلماذا لا يدعو إلى التسامح من ليس في حياته من العذاب ما يثير الحقد! فمقارنة بعذابات شالاموف الذي أمضى في جحيم المعتقلات الستالينية أكثر من عقدين من الزمن يبدو تحوّل تولستوي إلى واعظ ديني وداعية خير، أشبه بمتفرّج على فيلم عن العذاب، خطر بباله فجأة أن يدخل الشاشة ويتفرّج من هناك على الناس. ولو أن تولستوي أشفق، من داخل شاشته، على المتفرّجين على عذاب الآخرين، غارقين في نعيم عجزهم، لاختلف كنه دعوته، فمثل هؤلاء الناس يمكن أن يثيروا الشفقة، ذلك أنهم يضحكون ويبكون ويتبادلون القبل والتحيات محتفين كلّ مرّة بلا حولهم ولا قوتهم. وهكذا تجد شالاموف في سخريته المبطّنة من (مواعظ تولستوي) يحاول وضع حد فاصل وصارم بين الحياة العامة التي تسمح بتقديم النصائح والمواعظ وحياة المعتقل التي يبدو معها مضحكا النصح بالتسامح والغفران والنسيان. فليس أدعى إلى السخرية من أن يدعو متنعّم بالراحة والأمان شخصاً سلخت روحه وديست كرامته إلى مسامحة الجلاد والصلاة لأجل راحته! وإذا كان هذا يبدو ممكناً بالنسبة للبعض، فإن فيه إهانة لأرواح البعض الآخر وكراماتهم. فالصفح كما التضحية فعل فردي لا ينوب فيه أحد عن أحد آخر، وليس من حق أحد أن يسامح عن عذاب أحد آخر، ناهيك عن أخلاقية أن يتشفّع داعية لجّلاد عند شعب مجلود!
أمّا مع دوستويفسكي فتجد الأمر مختلفا. فعلى الرغم من اعتراض شالاموف على ما يسميه (مواعظ دوستويفسكي)، إلا أن موقفه يأتي منسجما مع وجهة نظر الأخير التي تقول بأن ليس هناك فكرة أو غاية يسوّغ تحقيقها شقاء الناس وعذابهم، ولعل ما سيأتي يوضح سقوط فكرة المصالحة التولستوفية عند دوستويفسكي. يقول دوستويفسكي في (الأخوة كارامازوف) (ترجمة سامي الدروبي، مج1، ص:518 519 ) مدافعا عن فكرة عدم التضامن في التكفير عن الخطايا، وضرورة أن يدفع كل امرئ ثمن ما اقترفت يداه: < <... حين سيهتف جميع الأحياء وجميع من كانوا أحياء قائلين ( أنت على حق يا رب وقد فهمنا طرقك!) سوف تعانق الأم عندئذ الجلاّد الذي أمر الكلاب بتمزيق ابنها وسوف يقول الثلاثة عندئذ من خلال دموع الحنان (أنت على حق يا رب)، ستنجلي عندئذ جميع الأسرار وسيكون ذلك اليوم تمجيد المعرفة. ولكن ذلك بعينه هو العقدة، لأنني لا أستطيع أن أقبل حلاً كهذا الحل. وأنا أسارع إلى اتخاذ إجراءات ما زلت في هذا العالم. قد يحدث يا أليوشا حين أشهد ذلك الانتصار النهائي للحقيقة أو حين أُبعث حيا لأشهد ذلك الانتصار أن أصيح مع الجميع إذ أرى الأم والجلاّد والطفل يتعانقون ويتصالحون (أنت على حق يا رب!) ولكنني لا أريد أن أفعل ذلك عندئذ، وأحرص على أن أحمي نفسي سلفاً من ذلك الاستسلام، ولهذا السبب تراني أتنازل تنازلا حاسما عن الانسجام الأعلى. إن هذا الانسجام لا يعادل في رأيي دمعة واحدة من دموع ذلك الطفل المعذّب حتى الموت (..) نعم ما من انسجام مقبل سيكفّر عن تلك الدموع ولا بدّ من التكفير عنها، وإلا فلا يمكن أن يقوم انسجام..>. ثم يتساءل إن كان التكفير هو القصاص الذي يجب أن ينزل بالجاني ؟ أمّا إذا كان ثمة ما يُترك للسماء أن تقوم به فهو أن تنتقم (الآن وهنا) للمعذبين، أن تنتقم لهم قبل انقضاء الحياة وفوات الأوان. وإذا كان موقف دوستويفسكي من الجاني في (الأخوة كارامازوف) يبدو واضحا باتجاه المطالبة بالقصاص، فإن الأمر يختلف عنده في (الجريمة والعقاب) حيث الجاني راسكولنيكوف نفسه من صنف المعذَّبين المقهورين الذين تجرأوا مرّة على ملامسة القوة فانتهى بهم الأمر إلى القتل. يقول راسكولنيكوف لصونيا (ترجمة سامي الدروبي، مج.2، ص. 255): < <لقد أحسست يا صونيا أن السلطة لا توهب إلا لمن يجرؤ أن يطاطىء ليتناولها. تكفي الجرأة: الجرأة كل شيء! ووافتني عندئذ، لأول مرّة في حياتي، فكرة لا شك أنها لم تخطر ببال أحد حتى الآن في يوم من الأيام، لا أحد! لقد بدا لي واضحاً وضوح النهار، على حين فجأة، أنّه ما من أحد قد تجرّأ ولا يتجرّأ، حين رأى بطلان العالم، أن يمسك الشيطان من ذيله ببساطة، فيرسله إلى جهنم! أمّا أنا، أمّا أنا ... فقد أردت أن أجرؤ فقتلت!>. وإذا كان تحليل نفسية (الجاني) راسكولنيكوف يشغل دوستويفسكي على مدى الرواية فإن ما يشغل التحليل ذاته هو إبراز (الضحية) في راسكولنيكوف، مما يقودنا، بالنتيجة، إلى التردّد، كما هو حال دوستويفسكي، في الحكم على راسكولنيكوف وفي النظرة إلى العقاب الذي أُنزل به. ويبدو ذلك أكثر صعوبة على خلفية ما أكده دوستويفسكي في نهاية المجلّد الثاني من أنّ الناس عموما ما عادوا يستطيعون التفاهم < <على ما ينبغي أن يعدّ شراً وما ينبغي أن يُعدّ خيراً> (ص482). وبالتالي تجد دوستويفسكي الصارم حيال مسألة القصاص من صاحب سلطة ظالم، حتى وإن كان التصالح مع ظلمه ينطوي، كما يرى البعض، على حكمة إلهية بانتظار قصاص سماوي، تجده أقل حزماً حين يتعلق الأمر بإنسان ضعيف (أراد أن يمسك الشيطان من ذيله ويرسله إلى جهنم). ولكن ماذا يستطيع الضعيف أن يفعل حيال حاكم مستبد ظالم؟ لعلّ بعضا مما جاء في قصة (ويسماني) لشالاموف التي تدور أحداثها في معتقل الكاليما يجيب عن هذا السؤال: < <همس أومانسكي في إذن أندرييف، وهو يكاد يختنق: أهم شيء أن تعيش إلى ما بعد ستالين. كل من سيبقى حياً إلى ما بعد ستالين سيعيش. أتفهمون؟ لا يمكن إلا أن تتحوّل لعنات ملايين البشر على رأسه إلى شيء مادي. أتفهمون؟ هو سيموت بلا شك من كره الجميع له. سيصاب بالسرطان أو بشيء ما آخر مميت، أتفهمون؟ أمّا نحن فسنعيش>. لكن، للأسف، فلا الانتظار ولا الصلوات السرّية ولا اللعنات ولا أي شيء آخر من هذا القبيل يجدي نفعاً، ذلك أن الموت الذي يزرعه ستالين وأمثاله أبقى من المعذّبين وأطول عمراً من أعمارهم البشرية القصيرة. ولمّا كانت آلية الشر تعمل، دوما، باتجاه واحد، باتجاه الأضعف، فما الذي يمكن فعله!؟ ألا يمكن أن تكون محاولة البحث عن إجابة عن سؤال كهذا هي التي قادت ميخائيل بولغاكوف إلى معالجة مسألة الشر والقصاص منه بالسخرية التي تستحقها في روايته (المعلّم ومرغريتا).
يحلو للبعض أن يرى ستالين في شخصية بطل الرواية فولند من خلال علاقته بالمعلّم، كما فعلت تشوداكوفا في كتابها (سيرة حياة بولغاكوف) الصادر في موسكو عام 1988 (ص:541,543)، ويحلو للبعض الآخر أن يرى في شرور فولند خيراً، كما فعل نيكولايف في المقال الذي قدّم به الطبعة العربية من (المعلّم ومرغريتا)، مستنداً إلى مقبوس مأخوذ عن (فاوست) لغوته ابتدأ به بولغاكوف الفصل الأول من الرواية: < <أنا من تلك القوة التي تريد دائماً الشر فلا تفعل دائماً إلا الخير>. بينما تجد البعض الثالث يتمسك بالمذهب التولستوفي مصراً على أن العقاب ليس من سمات الخير، كما جاء في مقدمة النسخة الإلكترونية من كتاب (دراما الفناء الذاتي) لفاديم فلاديميروفيتش كوجينوف: < <فولند في الرواية يقتص من الشر بمختلف صوره، ولكن هذا لا يعني البتة أنّ فولند نفسه يجسّد الخير. ذلك أن الخير لا يمكن أن يقوم بالعقاب وذلك ما يجعله خيراً! ففي فولند طبيعة شيطانية>. وقبل الخوض في موقف بولغاكوف من الشر في (المعلّم ومرغريتا)، لا بدّ من التوقف عند معلومة جاءت في كتاب كوجينوف المذكور أعلاه مفادها أن بولغاكوف كتب في 23 نيسان 1937 (عام الإرهاب العظيم كما يسمّيه الروس اليوم) كتب فرحاً بنبأ عزل الجلاّد ياغودا (قوميسار الداخلية بين عامي 1934 و1936): < <أجل، جاء القصاص>! وكانت إيلينا سيرغيفنا زوجة بولغاكوف قد كتبت في دفتر مذكراتها معلّقة على النبأ نفسه في الرابع من نيسان من العام ذاته: < <ثمة أخبار في الجرائد عن عزل ياغودا وإحالته إلى التحقيق ...إنه لمن دواعي السلوى التفكير بأن نيميزيدا (إلهة القصاص الإغريقية) موجودة حقاً..>. أمّا موقف بولغاكوف وزوجته فيعكس إيمانا عاما، تجده لدى غالبية الناس، بقانون طبيعي ينتقم للمظلومين، إيمانا يحمّل التاريخ أو الله مسؤولية القصاص. ولكن في الوقت الذي يجعل فيه هذا القانون البعض يؤمنون بحتمية زوال الظلاّم والمتجبّرين والطغاة وبعدم الحاجة إلى التدخّل لفعل ما سيفعله الزمن أو التاريخ أو الله، فثمة أناس آخرون غير قلائل يؤمنون بأن البشر هم صنّاع التاريخ وراسمو مسارات الزمن، أناس يؤمنون بضرورة رسم مسار للتاريخ يكون فيه القصاص ممكناً، وخلق ظروف تحتّم إنزال العقاب بالجناة، فتقوّض الأساس الذي يرتكزون عليه وتخلخل من تحتهم العروش. أمّا والحال كذلك، ففي أي الصفين يقف بولغاكوف في روايته (المعلم ومرغريتا)؟
العبث
يقوم بولغاكوف في الرواية بصنع جدي

المزيد


هي دائماً تستخرج الذهب من الشيء العادي

فبراير 1st, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

نعومي شهاب ناي
Naomi Shihab Nye
(1952-….)

 

دموعها ذهبٌ لأجل
شيء صغير ومنسي

في المشهد الشعري الأميركي المعاصر، تبدو أعمال "نعومي شهاب ناي" من بين الأعمال الأكثر حميمية وألفة وخصوصية، نظراً لنهلها من قاموس الحياة العادية، وإستشفافها البعد الشعري في أكثر مفرداته عرضية وثانوية. "هي دائماً تستخرج الذهب من الشيء العادي" كتب فيها أحد النقاد. البساطة والعمق هما ما يمنحان شعرها دفئاً رحمياً آمناً، وبعداً ميتافيزيقياً تكاد لا تخلو منه مفردة حياة واحدة في قصائدها مهما بدت سطحية. لأشعارها روح مائية، تتعدى ملكاتها الشفافيّة والصفاء والترشّح والجريان، إلى القدرة على التسرّب، غفلةً، الى أعمق المشاعر. تأثرّت بأشعار وكتابات كل من و.س. مروين، وليام ستافورد، كارل ساندبيرغ، وجاك كيرواك، وهي على غرار ستافورد، استطاعت اكتشاف وإضاءة الباطن المُدهش لظاهر الأشياء العادية لتحيلها إلى معجزات صغيرة، ولتمرّر عبرها رؤاها وأفكارها، بحكمة وبساطة، وبعيداً عن المنحى الوعظي المباشر. ولدت نعومي شهاب ناي عام 1952 لأب فلسطيني وأم أميركية. ترعرت ما بين مدينة سانت لويس من ولاية ميزوري والقدس القديمة، لتستقر لاحقاً في ولاية تكساس. شعرها يعكس هذا الإرث المتنوع الذي منحها سمة الإنفتاح على تجارب الآخرين وشعوراً بالإستمرارية رغم كل الحدود. لها ما يفوق العشرين مؤلفاً ما بين الشعر والنثر والمقالة والرواية وأدب الأطفال والأنطولوجيا الشعرية وغيرها. من أعمالها الشعرية: "أنت ولك" 2005، "19 صنفاً من الغزلان: قصائد الشرق الأوسط" 2002، "وقود" 1998، "كلمات طي الكلمات" 1995، "حقيبة حمراء" 1994، "قفاز أصفر" 1986. حازت العديد من الجوائز الشعرية والتكريمات، وهي من دعاة السلام، وناشطة فاعلة في مجال العمل الإنساني الخيري والإصلاح الإجتماعي. حالياً تقيم مع عائلتها في مدينة سان أنطونيو من ولاية تكساس وتقوم بالتدريس في جامعة تكساس، أوسطن.

هنا ترجمة لبعض قصائدها ومقتطفات من حوار أجراه معها الإعلامي الأميركي "بيل مويرز" ونشر من ضمن مجموعة حوارات مع شعراء عدة في كتاب بعنوان "لغة الحياة".

فن التواري

عندما يستوضحون، ألا أعرفكَ؟

قلْ لا.

عندما يدعونكَ إلى الحفلة

تذكّر ما تكون عليه الحفلات قبل الإجابة.

أحدهم يخبرك بصوت صارخ أنه ذات مرة كتبَ قصيدة.

قِطَع نقانق منقوعة بالدهن على طبق ورقي،

آنئذٍ أجبْ.

إذا أردفوا، لا بدّ أن نلتقي،

قلْ لماذا؟

ليس أنّكَ لم تعد تحبهم بعد الآن،

إنما أنتَ تحاول تذكّر شيء بالغ الأهمية كيما يُنسى.

الأشجار، جرس الدير عند الغروب.

أخبرهم أنك في غمار مشروع جديد لن ينتهي إنجازه أبداً.

عندما يتبيّنكَ أحدهم في محل للبقالة،

اومىء برأسكَ خاطفاً، واغدُ رأ

المزيد


دع أنكيدو يسير أمامك فأنه يعرف الطريق وقد سلكه

يناير 23rd, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

سوسيولوجية ملحمة جلجامش

شغلت الملحمة بفكرة أو موضوع أساسي هو البرهان بأسلوب مؤثر علي حتمية الموت علي البشر حتي بالنسبة إلي بطل مثل جلجامش الذي ثلثاه من مادة الآلهة الخالدة ثلثه الباقي من مادة البشر الفانية ،لأن كما جاء في الملحمة، إن الآلهة قد استأثرت بالحياة وقدرت الموت علي نصيب البشرية ولكن أليس هذا من البديهيات لدي جميع البشر؟ أليست حقيقة الموت لا تزال تتكرر ليل نهار في حياة الإنسان منذ أن وجد علي هذه الأرض قبل اكثر من مليون عام؟ إذاً فما وجه الجدة والأصالة في عرض مسألة الحياة والموت والبرهنة علي حتمية الموت في ملحمة جلجامش؟ الواقع أن ظاهرة الموت المتكررة المعادة برغم كونها من البديهيات لدي العقل الواعي والتفكير المنطقي إلا إنها مازالت لغزا محيرا لعاطفة الفرد وأحاسيسه ورغباته وغرائزه الحياتية وهي موضع حيرة أليمة في قرارة كل نفس بشرية وتزداد عمقا وألما كلما شارف الإنسان علي أبواب الشيخوخة. (1،ص21).

وقد عالجت الملحمة مسالة الموت وأبعادها علي لسان بطل الملحمة جلجامش الذي كان كما وصفته كامل الجمال والقوة ؛ بطل مدينة أوروك وكان فتك سلاحه لا يصده أحد وكان لا يترك خطيبة البطل ولا ابنة المقاتل ولكنه كان السور والحمي لمدينة أوروك سخر أبناءها لبنائها علي صوت الطبول.

كان يثير الرهبة لدي أهالي أوروك الذين شكوا حالهم إلي الآلهة ـ ولغرض تحويل طاقات جلجامش الفائضة، فان الآلهة خلقت ما يماثله، وهو أنكيدو الرجل المتوحش الذي تربي بين حيوانات البرية وقد شاهد أحد الصيادين أنكيدو فاغرا فاه بوساطة بغي فأبعده عن قطيع الحيوانات وقد أبانت له البغي مفاتنها لغرض استمالته واصطحابه إلي اوروك إذ كان جلجامش قد رآه في الحلم مسبقا. بعد إن خطط لمجيئه إلي اوروك بأمر الآلهة عشتار.

لقد خلقت الآلهة أنكيدو من قبضة من طين (الآلهة أرورو) ورمته في البرية وهو نسل ننورتا إله الحرب والصيد.

وكان مجيئه إلي اوروك ولقاؤه مع جلجامش يمثل أول نقلة حضارية للإنسان الرافديني من حياة البداوة إلي حياة المدن والاستقرار وقد لعب الجنس دوره في ترويض انكيدو بعد أن كشفت البغي أمامه مفاتن جسمها فبعثت فيه الهيام وتعلم الوحش الغر فن وظيفة المرأة.

كان اللقاء بين جلجامش وأنكيدو في البدء جسديا إذ تصارعا وخارا خوار ثورين وحشيين وبعد برهة قصيرة وجد جلجامش في أنكيدوا ما يكمل شخصيته فتحول الصراع الجسدي بينهما إلي صداقة ومودة حدد للإنسان الرافديني مسارات جديدة ذات أهداف سامية جاء علي لسان جلجامس:

يا أمي لقد رأيت في الليلة الماضية حلما

رأيت أني أسير مختالا بين الأبطال

فظهرت كواكب السماء

وقد سقط أحدها ألي وكأنه شهاب السماء ((آنو))

أردت أن أرفعه ولكنه ثقل عليً

وأردت أن أزحزحه فلم أستطع أن أحركه

تجمع حوله أهل بلاد أوروك

أزدحم الناس حوله وتدافعوا عليه

وأجتمع عليه الأبطال

وقبل أصحابي قدميه

أحببته وانحنيت عليه كما أنحني علي امرأة

فجعلته نظيرا لي

وقال أنكيدوا لجلجامش:

أنك الرجل الأوحد، أنت الذي ولدتك أمك

(ننسونا) البقرة الوحشية المقدسة

ورفع ((إنليل)) رأسك عاليا علي الناس

وقدر إليك الملوكية علي البشر

وكان نتيجة هذه العلاقة أن أتفق الاثنان علي اكتشاف المجهول في غابات الأرز البعيدة وكانا في رحلتهما يرميان إلي قتل العفريت خمبابا رمز الشر واستشراق المستقبل وتحدي المجهول جاء علي لسان شيوخ أوروك:

أيها الملك كنا نطيعك في مجلس الشوري

فاستمع ألينا وخذ بمشورتنا أيها الملك

لا تتكل علي قوتك وحدها يا جلجامش

دع أنكيدو يسير أمامك فأنه يعرف الطريق وقد سلكه

وبذلك فأن هذا التنظيم يعني قدرة العقل العراقي القديم علي مطاوعة العمل الجمعي المنظم إذ قطع جلجامش وأنكيدو مدي شهر ونصف الشهر في ثلاثة أيام وانطلقا سائرين خمسين ساعة مضاعفة في أثناء النهار فدخلا الغابة بعد وصف يطول إذ أسرع الصديقان وهجما علي العفريت خمبابا وقتلاه، وعلي الرغم من إن هذا العمل قد أغاظ الآلهة إلا أن البطلين عادا إلي أوروك في وسط احتفال بهي أستقبل به أهالي أوروك البطلين.

ولكن نرجع الكرة ثانية هل يعني قتل خمبابا التخلص من الموت المصير المحتم علي البشرية؟ وماذا فعل جلجامش بعدها عندما قدرت الآلهة الموت علي أنكيدو؟ لقد شاهد جلجامش خله وصديقه وقد أسبل يديه ومد رجليه وفغر فاه فحركه فلم يجب وصاح بأعلي صوته أنكيدو أنكيدو ولكنه لم يجبه هذا البطل قد صرعه الموت، وراح جلجامش يبكيه بآحر البكاء.

يا صاحبي لقد حلت بي اللعنة

فلن أموت ميتة رجل سقط في ميدان الوغي

كنت أخشي القتال

فمن يسقط في القتال يا صديقي فأنه مبارك

وليبكيك الفرات الطاهر الذي كنا نسقي منه

لينح عليك محاربو ((أوروك)) ذات الأسوار

من أجل أنكيدو،خلي وصاحبي، أبكي

وأنوح نواح الثكالي

وبدأ جلجامش بعد موت رفيق عمره أنكيدو يبحث عن معني الحياة فلم يجد جوابا إلا عند صاحبة الحانة:

فأجابت صاحبة الحانة جلجامش قائلة له:

إلي أين تسعي يا جلجامش

إن الحياة التي تبغي لن تجد

حينما خلقت الآلهة العظام البشر

قدرت الموت علي البشرية

استأثرت هي بالحياة

أما أنت يا جلجامش فليكن كرشك مملوءا علي الدوام

فكن فرحا مبتهجا مساءوأقم الأفراح في كل يوم من أيامك

وأرقص وألعب مساء نهار

وأجعل ثيابك نظيفة زاهية

وأغسل رأسك واستحم في الماء

ودلل الصغير الذي يمسك بيدك

وأفرح الزوجة التي بين أحضانك

وهذا هو نصيب البشرية

لقد فلسفت صاحبة الحانة الحياة والموت لجلجامش بالتلذلذ بمتاع الحياة الدنيا وما فيها من نعيم، ولكن أيستكين

المزيد


فيلم وثائقي عن حياته في الصالات الفرنسية

يناير 21st, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

بوكوفسكي:

شاعر الجنون العادي وهَدّامُ القناعات الأمريكية

 

مؤخرا عرضت احدي صالات السينما في باريس فيلما وثائقيا لافتا عن حياة الشاعر الأمريكي الراحل تشارلز بوكوفسكي من انجاز المخرج والشاعر جون داليغان. الموزعون اختاروا صالة واحدة لعرض هذا الفيلم/ التحفة لاعتقادهم الراسخ أن الفيلم الوثائقي لا يجذب عادة جمهوراً عريضا الا أنهم فوجئوا بالكَّم الهائل من المشاهدين الذي تجمعوا خلف شباك التذاكر طيلة الأيام الأولي من العرض. الأمر الذي دفع بهم الي مضاعفة وتيرة العروض وانزال الفيلم في صالتين أخريين في باريس. ويكفي المرء أن يري التنوع الهائل في صفوف المشاهدين: شباب وكهول وشيوخ ونساء من كل الأعمار ليدرك أن بوكوفسكي ما يزال يحتفظ بتألقه بعد مرور أكثر من عشر سنوات علي وفاته وبأنه يجذب مع مرور الأعوام قراء جددا يستلهمون أعماله وحياته رغم أن ترجمات أعماله الي الفرنسية، عدا نماذج نادرة، تستطيع عن جدارة انتزاع جائزة أردأ ترجمة. لكن الفرنسيين محظوظون بالمقارنة مع القراء العرب الذين تجهل غالبيتهم هذا الشاعر والكاتب الرائع. وربما يكون أكثرهم حظا قد اطلع بالصدفة علي مختارات من قصائده في بعض الملاحق أو المجلات الثقافية العربية النادرة. بمناسبة عرض هذا الفيلم نقترح عليكم نبذة عن حياة بوكوفسكي وقراءة في أعماله وحوارا مع مخرج الفيلم الوثائقي بالاضافة الي نماذج من قصائده استللناها من ديوانه الحب كلبٌ من جهنم الصادر عن دار بلاك سبارو بريس عام 1977 بسان فرانسيسكو. اختار المخرج أن يبدأ فيلمه بلقطات نادرة لاحدي القراءات الشعرية التي قام بها بوكوفسكي في مستهل السبعينيات في مسرح بمدينة سان فرانسيسكو ونراه يتوجه بخطي مترددة نحو المنصة ثم يضع أوراقه علي الطاولة ويرتشف جرعة من كأس موضوعة أمامه. يحدق في الجمهور لبرهة ثم يرفع عقيرته بالصراخ أعطوني أموالكم، أعطيكم روحي فتضج القاعة بالتصفيق. ثم يقرأ مجموعة من القصائد بصوت محكم رغم الصخب الهائل في القاعة وصيحات الاستحسان والتصفيق كلما انتهي من القراءة. بعد هذا المدخل نري بوكوفسكي في بيته في الشارع وهو يتجول أو في ملعب الخيول وهو يصافح أصدقاءه. نراه يسوق السيارة متأملا العالم من خلف الزجاج . ثم يلتجأ المخرج الي شهادات ناشره جون ويب والمغني الايرلندي بونو صاحب فرقة يوتو الشهيرة والمغني الأمريكي طوم وايتس والممثل شون بين وجويس فونت زوجة الكاتب الشهير جون فونت بالاضافة الي ليندا أرملة بوكوفسكي. ورغم الطابع الكلاسيكي للفيلم فقد افلح في اعطاء فكرة وافية عن بوكوفسكي ورصد التحولات الأساسية في حياته من الطفولة الي المراهقة ثم الشباب ومعاناته مع الفقر ومع الكتابة الي أن صار الكاتب الشهير الذي نعرفه الآن. وتبقي الاضافة الأساسية في هذا الفيلم أنه لم يقع في فخ اختزال بوكوفسكي في صورة السكير والعربيد التي التصقت في أذهان الجمهور، بل تجاوزها ليصور بوكوفسكي الانسان والمبدع المهووس بالشعر والمواطن المتذمر من قيم الاستهلاك والمال المستشرية في المجتمع الأمريكي.

عُدَّةُ بوكوفسكي: أبٌ قاس، وجه بشع وخيباتٌ متلاحقة

ولد تشارلز بوكوفسكي في مدينة أنديرناخ بألمانيا في اب (أغسطس) عام 1924 من أب أمريكي وأم ألمانية. عام 1927 يعود والداه الي الولايات المتحدة. طفولة بوكوفسكي كانت مشوارا طويلا من الألم بسبب نزوات والده العنيفة الذي كان يضربه لأتفه الأسباب ويحرمه من متع الطفولة الصغيرة ومن اللعب مع أطفال الحي. أما أمه فكانت سيدة صموتاً لا تتدخل في ما علاقة الأب بالابن الذي قضي طفولته ومراهقته وكأنه يؤدي ضريبة فشل أبيه في حياته المهنية خاصة بعد أن فقد عمله اثر أزمة انهيار البورصة في نهاية العشرينيات.

في العاشرة من عمره أحس بأول مرة بالقوة السحرية التي قد تمنحها الكتابة أحيانا حين كتب قطعة انشاء في المدرسة يروي فيها معاينته لزيارة الرئيس الأمريكي هوفير للمدينة. وكان علي التلميذ بوكوفسكي أن يختلق كل شيء من خياله ذلك أن والده كان منعه من الخروج للشارع لرؤية الرئيس مع أقرانه. لاحقا سيصف بوكوفسكي هذه الواقعة بكونها كانت الحدث الحاسم في حياته والدافع الذي شجعه علي الكتابة. فقد تأكد وقتها أنه بفضل الخيال والكلمات يستطيع أن ينتزع اعجاب الآخرين. بعد حوالي خمس سنوات من هذه الواقعة سيصاب بوكوفسكي بمرض حب الشباب من النوع المستعصي يشوه وجهه الي الأبد ويطبعه طيلة الحياة. الأمر الذي عَقَّدَ علاقاته مع الآخرين وضاعف من شعوره بالدونية خاصة أمام الفتيات اللواتي كن دائما ينفرن من بشاعة وجهه ولا يترددن في مصارحته بذلك. هكذا باكرا سيتربي بوكوفسكي علي عقدتي الاضطهاد والدونية ويفضل الوحدة ورفقة المهمشين. الحدث الثالث الذي سيطبع بقوة مسار حياته وقع ذات مساء عندما عاد الي البيت ثملا وعندما عمد والده كعادته الي صفعه وضربه نازله بوكوفسكي ندا للند وتبادل معه اللكمات واضعا بذلك حدا نهائيا لقمع الأب الذي لم يلمسه بعدها اطلاقا. التحق بوكوفسكي في العشرين من العمر بالجامعة وحاول أن يدرس الصحافة الا أنه بعد سنتين غادر الجامعة وبيت العائلة وزاول مهنا يدوية متفرقة لأداء ايجار غرفة في الفندق ودفع مستلزمات العيش الأساسية من أكل وشرب. منذ ذلك الحين نظم بوكوفسكي حياته حول ثلاثة أقطاب: الكحول والأصدقاء والكتابة. ولأنه كان يعيش فقرا مدقعا يكفي بالكاد ثمن ايجار غرفة ضيقة في فندق مشبوه فقد كان محيطه الاجتماعي يتكون أساسا من المتسكعين وأبناء الشارع والنساء القبيحات المدمنات.

في تلك الفترة بدأ بوكوفسكي في كتابة قصص قصيرة تدور مواضيعها عن البؤس والتيه والادمان وارسالها للمجلات الأدبية وبعد محاولات شتي فهم أن هذا الشكل الروائي، علي الأقل في تلك المرحلة من حياته، لم يكن مناسبا البتة لما كان يريد أن يقوله بالطريقة التي يرغب فيها.

بداية شعرية متأخرة

ورغم الفوضي الوجودية التي كان يتمرغ فيها بكافة جوارحه كان بوكوفسكي يحرص علي ارتياد المكتبات العامة بانتظام ويلتهم العشرات من الكتب الشعرية والنثرية ويطلع علي ابداعات ألمع أبناء جيله المعروفين تحت اسم حركة بيت جينيرايشين : جاك كيرواك وآلن غينسبيرغ ووليام بوروز. وأيضا هيمنغواي ولوي فيرديناند سيلين وألبير كامو وبعض الكتاب الروس وعلي رأسهم دوستيوفسكي. لكن الكاتب الذي سحره ودله علي الطريق كان هو جون فانت وروايته اسأل الغبار وما بهر بوكوفسكي، كما أكد ذلك لاحقا، هو قدرة فانت علي التقاط الأحاسيس حتي أكثرها تعقيدا بأسلوب بسيط ولاذع. وفي نفس الفترة أيضا تعلق بالموسيقي الكلاسيكية وافتُتِنَ بغوستاف مالر وبيتهوفن وفاغنر. وفي الخامسة والعشرين من العمر غدا بوكوفسكي الرجل الفوضوي، السكير المكبوت والحالم المعذب والتائه اليائس من الحب والحياة ولم يتبق له الا أن يصير الشاعر الكبير الذي نعرفه.

وبما أن أحلام الأدب بدأت تتملكه قرر السفر الي نيويورك ليجرب حظه هناك. لكن مقامه فيها لمدة عام زاد من احباطه ويأسه وتحول الي كارثة نفسية كادت تؤدي به الي الانتحار وجعلته يتوقف نهائيا عن الكتابة بعد عودته الي لوس أنجلس لمدة عشر سنوات كاملة.

وفي احدي جولاته الليلية المغمسة في الكحول واليأس سيلتقي بوكوفسكي بامرأة تكبره بعشر سنوات اسمها جين كوني بيكير تعيش حياة أكثر فوضوية وتعاسة منه وسيكون ذلك اللقاء بداية عِشْرةٍ دامت أكثر من عشر سنوات قضياها معا في الضراء أكثر من السراء. في الثانية والثلاثين سيعثر بوكوفسكي علي شغل قار في مصلحة البريد بلوس أنجلس الأمر الذي سيوفر له بعض التوازن ويبعده نسبيا عن منطقة الخطر. لكن هذا التوازن لم يدم طويلا بسبب معاناته مع مرؤوسيه في العمل وتَحَوُّل العلاقة مع رفيقته في البيت الي جحيم. وتدريجيا عاد بوكوفسكي الي الكتابة وبدأ ينشر قصائده في بعض المجلات الهامشية. وبدا واضحا منذ تلك المرحلة أن الرجل عثر علي ضالته فيما يخص الشكل الفني: قصائد مرعبة تتناول

المزيد


أنا انجليزي مثلما أنا امريكي (ولد هشام في نيويورك ويعيش حالياً في لندن) كما أنا ليبي

يناير 13th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

الروائي الليبي هشام مطر يزيد سخونة صيف لندن

 برواية في بلاد الرجال - سرد حسي يستثير الصرعات ويوقظ المغفرة والحب
كرم نعمة - لندن


كان عليّ ان احقق رغبته في احباط الدوافع التي بدأت سائدة عند النقاد من أن روايتة وكأنها كتبت بدافع انتقام سياسي أو مايشبه ذلك عن اختطاف والده من قبل السلطات الليبية بتواطؤ وضيع من السلطات المصرية، كذلك سألته عما اذا كان مازال يحلم باللغة العربية ،وهل يفكر بالعربي عندما يكتب باللغة الانجليزية عن واقع عربي اصلا؟
قال هشام مطر مفاجأة صيف لندن الساخن هذا العام بروايته (في بلاد الرجال) التي صدرت الاسبوع الماضي عن أشهر دار نشر بريطانية (بنغوين):
-كلا أخر حلم لي بالعربي عنما كنت في الخامسة عشرة من عمري ، وبلا شك اني أفكر بالانجليزي واستذكر أحداثاً عربية ، أنا انجليزي مثلما أنا امريكي (ولد هشام في نيويورك ويعيش حالياً في لندن) كما أنا ليبي.
حتي أن السيدة الليبية والدة هشام التي شاركتنا الامسية الاحتفائية التي اقامها مقهي الشعر
(The Poetry Place) في لندن الاسبوع الماضي عبرت عن املها أن تقرأ الرواية كما هي كنص أدبي ليس إلا.
قد يجيب هذا الشاب الانجليزي- العربي في روايته (In he Country of Men) عن الاسئلة المتراكمة التي تنطلق من صدور الكتاب العرب عن حقوق مؤلفاتهم وعلاقتهم بدور النشر وهو يوقع عقدا مع شركة (فايكنج) أحد فروع مؤسسة بينجوين العالمية للنشر، لإنتاج روايتين كانت (في بلاد الرجال) أولاهما.
ثم شراء حقوق نشر الرواية في أربعة عشر بلداً آخر منهم ألمانيا، فرنسا، إيطاليا، أسبانيا، البرتغال، اليابان، هولندا وغيرها. وقد صدرت الطبعة الأمريكية في شهر كانون الاول (يناير) من العام 2007 عن دار نشر رواندوم هاوس العالمية.
يجيب هشام مطر بابتسامة عميقة ومؤثرة في تاريخه الشخصي عندما أصطحب وكيله الأدبي كيفن سكوت الي مبني (بنغوين) لتوقيع العقد، وهو يراقب علي الجدران صور الكتّاب الكبار الذين مروا علي بنغوين: غراهام غرين هيرمان هيسه وتوماس مان وغارسيا ماركيز ….، وها هو يشاركهم الدارنفسها، كم سيدر عليه هذا الكتاب؟ نصف مليون دولار… ، ربما اكثر بقليل.! العقد الذي وقعه يتكون من رقم الي جواره ستة أصفار.

خيال انجليزي يتأمل المكان العربي
تسرد الروايه بلغة انجليزية مفعمة بالشعرية تاركة مساحة الخيال الانجليزي تتأمل المكان والحس العربيين ،علي مساحة 256 صفحة عوالم السارد (سليمان) ذي السنوات التسع وهو ينشأ في بيئة مذهلة حين يختفي والد أعز أصدقائه، وهناك رجل يجلس خارج البيت طوال النهار، ملقياً أسئلة غريبة، ولكن لا يمر الكثير من الوقت قبل أن تصبح الهمسات مسموعة لأذن سليمان، حتي أنه في محاولة لإنقاذ أسرته، قد ينتهي الأمر به بخيانة اصدقائه ووالديه وفي النهاية نفسه. تظهر شخوص الرواية رجالا متحجّرين صارمين مروّعين، أو بتعبير الروائية ساره برودهورست: (أنها مقلقه، مؤثرة، بل إنها تأسرك، إنها من ذلك النوع من الكتب الذي لا يتخلي عنك… مدهشة وقويه). وبالنسبة لسليمان ،فأن الرجال المتحجرين مضطرون ،ولكنّهم ذوو حضور فعّال: ((يداه تمتدّان في الفراغات الضبابيّة التي فُرض عليه أن يستسلم لها، بيد أن سليمان شبّ في ليبيا عام 1970 وليس لأيّام سليمان شكل أو هيئة،المدرسة معدومة،وهو يقضي وقته في اللعب علي سقف منزل والديه أو في شوارع الضاحية المكتظّة. والد سليمان ، يختفي في رحلات تجاريّة وأمه تعد نفسها لعودة أبيه،ولكنها تقع في نوبة تعاسة كلّما غاب : تقهقه بصوت عال ، تدخن بلا انقطاع وتحتسي الكحول كلما رغبت بذلك …
عندما كانت الأم في سنّ الرابعة عشر،كانت تتجسّس خلسة وتتسكّع مع الأولاد في مقهي إيطالي في طرابلس ، فحجزت من قبل عائلتها في حجرة مغلقة لشهر كامل ، وأُجبرت علي الزواج.. أصبح سليمان وثيق الإرتباط بالمعصية والرغبة العارمة المنبثقين من هذا الواقع. لقد كان الاب (الرجل العِقاب لها) وسليمان (الولد الذي ختم علي مصيرها).
ينأي هشام مطر بالسؤال عن أن رواية (في بلاد الرجال) أشبه بالسيرة الذاتية الحياتية، من دون أن يقلل من أهميته ، فبالرّغم من تصويرها لانفصال سليمان ذي التاسعة عن والديه، ليست تماما عن إختفاء والده، فالكتاب عن هذا الإختفاء سوف يتمّ تدوينه، ويعلم أنه في يوم ما سيقوم بكتابته، كما يقول لستيفن موسّ المحرّر الأدبي لصحيفة (الجارديان) البريطانيّة.
إفتتن هشام بالطريقة التي يهرب بها الناس من (القصّ العظيم) لأنه يقولبهم - البلاد، الدين، الأسرة، الموروث، لقد أُرسل الصبي سليمان ذو التاسعة من العمر إلي مصر من قبل والديه، حتي يتفادي الخدمة العسكريّة اللاّحقة ، كما أن مؤلّف الكتاب غادر ليبيا عندما كان في التاسعة، حين ظهر إسم والده في قائمة الذين قرّرت الحكومة إستجوابهم ، هربت الأسرة ، وكان علي رجال الأمن الإنتظار إحدي عشرة سنة لكي يقوموا بالإستجواب، كيف كانت الروابط بين الشخوص والمؤلّف؟
وُلدوا جميعا عام 1970، لقد تعيّن عليهم أن يجعلوا حياتهم كمنفيين- وهذا واضح ، لكن هشام مصرّ علي أن الكتاب أكثر من أن يكون سيرة حياة (فسليمان وأنا مختلفان في جوانب كثيرة) يقول هشام (فكونه الإبن الوحيد مهمّ جدّا، فهذا المونولوج الداخلي استمرّ معه طول الوقت، بينما كان لي أخ اتخذته كأنموذج لي ورافقته معظم الوقت، فقد كان بطل سباحة، محاطا دائما بالأصدقاء والكثير من أبناء العمومة، وإذن فلم تكن هناك عزلة، يضاف إلي ذلك أن سليمان كان رهيفا عاطفيّا وأمّه متقلّبة المواقف لعبت دورا كبيرا في حياته، حيثما كانت أمّي وأبي كلاهما مستقيم يُعتمد عليه، وما استعملته كان من خلال منظور الولد، والمناظر الطبيعيّة كانت مألوفة لي، كما الزمن في السبعينات، حيث كنت آنذاك حاذقا، لقد استشعرت أن ثمّة أشياء لا يمكنك البوح بها، كأن تجلس حول مائدة الأكل، وينبري أحد الأعمام بالحديث فيغرق الجميع في الصّمت، حيث تذكّروا فجأة أن معهم ولدا ربّما نقل معه الكلمات إلي مكان آخر، ومن ثم قد يُعتقل أحد… والفرق الجوهري الآخر أن والد سليمان كان ناشطا في الحياة السياسيّة السريّة بليبيا، بينما لم يكن جاب الله مطر كذلك، لقد كان

المزيد


يصطدم مارتينسون بالماحول ، ليصاب بالفزع ، الفزع من التطور التكنيكي الذي يغزو العالم

يناير 4th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

مارتينسـون: من رحَّال في العالم الى رحَّال داخل االنفس

عبدالستار نور علي

 

 

الشاعر السويدي الكبير هاري مارتينسون (1904 ـ 1978) من الحائزين على جائزة نوبل للآداب وذلك عام 1974 مناصفة مع مجايله الروائي السويدي (أيفند جونسون )*. ولد مارتينسون في مقاطعة بليكنغه لعائلة فقيرة عانت من شظف العيش . مات والده عام 1910 ، فهاجرت والدته إلى كاليفورنيا . أما هو وأشقاؤه فقد أدخلوا الأبرشـية لتتولى رعايتهم مثل أشباههم من الأطفال اليتامى والمشردين . وقد صور شاعرنا بصدق وأمانة طفولته القاسـية هذه في كتابيه البيوغرافيين (زهرة الشوك) 1935 و(الطريق الى الخارج) 1936 اللذين يختلفان عن نتاجه الشـعري الدافئ ذي النبرة العميقة المنشور في نفـس الفترة الزمنية.

عمل مارتينسون بعد نهاية الحرب العالمية الأولى في باخرة تجارية ، ثم في عدد من السـفن عاملاً في ايقاد النار بالمحركات ، وذلك بين عامي 1920-1927 ، فأصيب على أثرها بالسل مما اضطره الى ترك حياة البحر . بدأ بعدها بنشر قصائده في الصحف . وكانت أول مجموعة تصدر له ضمن أنطولوجيا (خمسة شبان) 1929 . كما أصدر في العام نفسـه مجموعته الأولى (سفينة الأشباح) .

نتاجاته الشعرية والنثرية حتى عام 1945 : مجموعاته الشعرية (سفينة الأشباح) 1929 (رحَّال )1931 (طبيعة) 1934 ، وكتبه النثرية (رحلات بلا هدف ) 1932 (وداعاً للبحر) 1933 (الفراشة والبعوضة) 1937 (وادي منتصف الليل) 1938 (السهل والصعب) 1939 ، وكتابا السيرة الذاتية روايتا (زهرة الشوك) 1935 (الطريق الى الخارج) 1936 ، يغلب عليها صور من طفولته ومعاناته وحياته في البحر ، صور خيالية سريعة مترابطة . وجد في مجموعته (رحَّال) أسلوبه المتميز من خلال رسـم فن لغوي خاص جديد ملئ بالخيال الجامح والصور المستلهمة من ماضيه ومن الطبيعة . يقول في قصيدة (مستمع) من نفس المجموعة :

كنت طفلاً أيام الاصغاء

بجوار الموقد كان الكبار يجلسون

يهزون في المهد معاصيهم المزعومة صوب

اليوم الأخير ، حيث

مخلص مصلوب سيطهرهم جميعاً .

توترت القطة ، اتقدت النار ، صرخ صمام التهوية ،

غنى أحدهم أغنية شاكية نابضة

عن الخادمة التي وطأت الرغيف .

تحدثت الأفواه الخالية من الأسنان في فصول الخريف المتأخرة

عن غلة الأرض السـبخة المجذومة

وزهرة الطحين الوافرة اللاذعة المرة .

لقد تجمدت أنا بجوار موقد طفولتي .

وفي قصيدة (بعيداً عن هنا) من أنطولوجيا (أشعار حديثة ) 1931 يقول :

بعيداً عن هذا المكان أود أن أرسـل حلماً

الى حيث يحلق السنونو عالياً

عسى أن ينضج القمح هناك

ومن خلال محيطات نبات الشيلم الزرق

تمر همسة خفيضة بطيئة عن الخبز

هنا عالم من الماء والحجر

يدي عارية عن الخبز وأنا أحسب خطوطها .

ومن (قصائد عن الخريف) من مجموعة (طبيعة) هذا المقطع :

في مساء ما انتصب صحو شتائي هناك وعبَّأ الأثيرُ

بحارَ الفضاء بكريستالات تزيد وتزيد .

النجمة المهجورة تشحذ نظرتها ،

وخنجر النجمة الفريدة رحل نازلاً في بحار السماء الغزيرة

وألقى رحاله ليسكن في كارلايولن .

لكن مركبة الجياد القديمة لم تنقلب على عقبيها ، كلا ،

إنها تدور فرحة فوق المزرعة الصغيرة والقلعة المستطيلة ،

تنعكس على البحيرات كأنها قد تجمدت ،

حين يعطي الصقيع أقل إشارة .

في عام 1945 ومع مجموعته (اعصار) يتطور فن مارتينسون ويتغير شكل حياته وفلسفته كرحال في العالم الى رحال داخل النفس بتأثير من الفلسفة الصينية ، ونلمس هذا التبدل والأثر أيضاً في روايته (الطريق الى الموعد) 1948 حيث يتبع فيها منهجه الجديد في الرحلة الى الباطن ، وكانت هذه الرواية من أحب كتبه الى نفسه .

يقول في قصيدة (بلدان مختلفة ) من مجموعة (إعصار) :

في المدن البدينة

كانت الدار كبيرة واسعة ومزدحمة جداً

مثل كتلة صفراء في حساء

ينبوع القمر .

في بلاد العوز

أتت النار على الكوخ ، مات الطفل

والجثة جمجمة في ينبوع

القمر ذاته .

و يقول في قصيدة (الإنسان في عاصفة الخداع السحري) من نفس المجموعة :

نسل البشرية مخلوق من السحر في غابة الخ

المزيد


إن الكولاجات التي قدمها أدونيس تراوحت بين الشكل المتولد عن فعل القص واللصق، وبين التشكيل الخطي أوالك

ديسمبر 20th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

ادونيس فناناً تشكيلياً في دارة الفنون بعمان: شاعر ينوّع خياراته الابداعية أم طفل يلهو؟
إياد كنعان

لم يكن مفاجئاً للحضور في تقديري الشخصي، أن يفجر الشاعر السوري أدونيس، جدلاً واسعاً لم يتوقف عند حدود (الاقتراحات التشكيلية) التي قدمها ذلك المفكر الإشكالي. بل تعدّاها الي نقده للثقافة العربية والإسلامية، التي اعتبر فيها فكرة الواحدية (الله الواحد المطلق) وفكرة الدين الخاتم والشريعة الخاتمة الكاملة، من نقائص الفكر العربي الإسلامي، التي ساهمت، بحسب أدونيس، في محدودية الثقافة العربية والإسلامية. فصفتي الكمال والإطلاق من وجهة نظره، تتنافي مع الفعل الخلاق المتجدد الباحث في نفس الوقت عن المعرفة، فهدم الثوابت مما يدعوا له ذلك الشاعر القادم من المستقبل كما يقول، ويعتبره شرطاً في إحداث أي ثورة فكرية أومعرفية أوإبداعية. كان ذلك في المحاضرة التي جمعته بالفنان العراقي حيدر، علي هامش المعرض الذي بدا وكأنه إحتفاء بتداخل فن الرسم (الفن التشكيلي) بالشعر، وضم أعمال كل من أدونيس، حيدر والفنانة السورية بتينة علي، في دارة الفنون ـ مؤسسة خالد شومان، بالعاصمة الأردنية عمّان في السادس من كانون الأول (ديسمبر) 2007، وبمشاركة عدد من الفنانين: مني السعودي (الأردن)، كمال بلاطة (فلسطين)، زياد دلول (سوريا)، مروان قصاب باشي (سوريا)، محمد عمر خليل (السودان)، رشيد قريشي (الجزائر)، محمد القاسمي (المغرب)، هيمت محمد علي (العراق)، وفريد بلكاهية (المغرب).
ورغم أن قاعة المحاضرة غصت بجمهور متعطش للنهل من هذا المبدع والشاعر الكبير، إلا أن ما تركه أدونيس من الأسئلة، فاض بكثير عما تركه من إجابات، فهوكعادته يثير صخبا يمتد الي وقت ليس يسير أينما حل، فمن بيروت التي حل عليها ضيفا بدا ثقيلا للكثيرين، الي دمشق، ثم أخيرا وليس آخرا الي عمّان.
لكن بعيدا عن الموضوع الإيديولوجي، الذي اعتبره مهلكة للإبداع والمبدع علي حد سواء، مستشهدا بالحقبة السوفيتية وتمثلاتها الأدبية والإبداعية المختلفة، استدراج أدونيس المتلقي الي مساحة جديدة من البحث الموازي لنصه اللغوي والشعري الذي اعتاد الحضور تناوله، ليواجه جمهوراً نسي لوهلة انه شاعر قض مضجع الشعر والثقافة العربية لعقود ولم يزل كذلك، في حين لم تسعفه اقتراحاته التشكيلية في إقناع الجمهور بالفصل بينهما، أي بين أدونيس الشاعر وأدونيس (الفنان)، تلك الصفة التي رفضها معتبرا نفسه (لاهيا)، أولنقل (عابثاً) كطفل يلجأ الي تلك الحيلة الذهنية كلما أنهكته العبارات والجمل، ففي مكتبه الذي يطول فيه العمل لساعات تصل الي اثنتي عشرة ساعة يوميا، يسلي أدونيس نفسه بتلك الكولاجات، التي وصفها (بالاعتباطية) رغم قناعتنا بأنها تنافي هذا الوصف، ذلك أن كل مفردة حملتها تلك الكولاجات جاءت لتخدم الصورة (image) النهائية للعمل، تلك الصورة التي تراوحت بين مفردة الإنسان في وضع حركي وبعض الطيور أومشاهد حياتية تشخيصية (figurative)، معتمدا الاختزال الي أقصي حد ممكن، فهي بذلك ليست تكوينات إعتباطية إطلاقا وليست تجريدية بالمفهوم البصري، بل هي صور مشهديَّة تصويرية، وإن لجاء أدونيس الي حيلة التسطيح الذي يوحي به الكولاج، وهي حيلة تكاد تنكشف بمجرد مشاهدة العمل بشكل متأنٍ، وليس في هذا منقصة أوحط من قيمة العمل، ذلك أننا لا نستطيع إسقاط البعد التصويري من أعمال أدونيس، ولا نستطيع إعتبارها مجرد تشكيلات إعتباطية لا تتبع منطقا تصوريا لم يفقد إتصاله بالواقع.
إن الكولاجات التي قدمها أدونيس تراوحت بين الشكل المتولد عن فعل القص واللصق، وبين التشكيل الخطي أوالكتابي الأفقي، الذي استعمل فيه أبياتا من الشعر العربي القديم، ولم يستعمل فيه أيا من أشعاره كخلفية للشكل، معللا ذلك بأن الهدف من تلك الأبيات ليست الرسالة التي يحملها المعني، بل القيمة الزخرفية للـــخط بصفته عنصرا تزينيا، وان بدا هذا ليــــس مقنـــعا للكثيرين بالقدر الكافي، ذلك أن عين المتلقي لا تستطيع تجاهل النص مهما جهدت بذلك، وهوما ذهب له النــــاقد والفنان الأردني غسان مفاضلة في مداخلــــته، إلا أنه بدا لنا مقنعا بالقدر الذي يســـتطيع فيه المتلقي التخلي عن فكرة التعامل معها كأبيـــات شعرية تحمل دلالة أدبية معينة.
إن البحث في القيمة الجمالية والإبداعية التي قدَّمها أدونيس في أعماله التي سبق وأن عرضت في معهد العالم العربي في باريس بمناسبة بلوغه السبعين العام 2000، تضعنا أمام مجمل تحديات نذكر منها:
* تحدي إعتبار أدونيس شاعرا يمارس ترف الفن التشكيلي، وهذا من شأنه أن يحيلنا الي التعامل مع تلك الأعمال بوصفها آثاراً ملموسة تقاوم فعل الفناء، لعَلَم من أعلام الثقافة العربية المعاصرة، وهي ميزة خص بها الفن التشكيلي دون سواها من الفنون البصرية وغير البصرية، بوصفه الأثر الأكثر ديمومة، بل هوالأثر الوحيد الذي يتركه المبدع بعد رحيله فيزيائيا ونستطيع تلمسه بذاته، ولا يقبل فكرة (إعادة الإنتاج)، وهي صفة يشترك فيها الفن التشكيلي والعمارة، من هنا من حقنا أن نتساءل: هل أدرك أدونيس تلك الميزة في الفن التشكيلي، وأراد أن يخبرنا ما معناه: (بأنني سأترك فيكم ما من شأنه أن يذكركم بي، شيء تلمسونه بأيديكم وترونه بأعينكم)، إذا هو بحث الشاعر الفنان الإنسان عن خلود أكثر مادية من ديمومة الشعر، فهو بذلك يسير علي خطي جبران خليل جبران الذي ترك عدداً لا يستهان به من التصاوير التي يضمها متحفه في قريته بشري في الشمال اللبناني.

ہ أما التحدي التالي فهوإعتبار ما قدمه أدونيس لا يتعدي كونه نزوة شاعر لحظة ملل ما قد تصيبه، هي نزوة لا تستحق كثيرا من العناء في تفسيره أوتأويله كما ذهب البعض، فمنهج أدونيس في هدم الثوابت لا يصلح مع ثابت يقدمه هونفسه عبر مادية اللوحة، هومنجز مكتمل النمولا يصلح معه التراجع أوالإلغـــاء، فما يقدمه الفنان التشكيلي ليس

المزيد


هذه المسرحية الطريفة والعميقة في الآن معاً، اعتبرت، ولا تزال، واحدة من أفضل المسرحيات التي كتبها جور

ديسمبر 20th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

"بيغماليون"

لجورج برنارد شو
الفن أو الانسان؟

 


جورج برتارد شو، زمن كتابة بيغماليون

الحكاية في الأصل هي حكاية نحات قبرصي يدعى بيغماليون، وحكاية فاتنته افروديت والتمثال الذي نحته لها. لكن هذه الحكاية التي قد تبدو بسيطة أول الأمر فتنت الكتّاب ودفعتهم الى سن أقلامهم وأفكارهم، وهكذا، من أوفيد الى جان جاك روسو، ومن الاسباني جاسنتو غرو، الى كاتبنا العربي توفيق الحكيم، نعرف ان عدداً كبيراً من الكتاب جرب حظه مع هذا العمل… بل وصل الأمر الى الموسيقيين والرسامين. ولكن الحقيقة تقول لنا ان اياً من هؤلاء لم يوصل "اسطورة بيغماليون" الى النجاح الذي اوصلها اليه، وإن في شكل موارب، الكاتب الكبير جورج برنارد شو. ذلك ان "بيغماليون" كما كتبها ونشرها شو في العام 1912، وقدمت للمرة الأولى في باريس في العام 1923، تظل الأقوى والأقدر على استخراج كل المعاني الرمزية لهذه القطعة الابداعية. ولقد زاد من أهمية "بيغماليون" وشهرتها، خلال النصف الثاني من القرن العشرين تحويلها فيلماً عنوانه "سيدتي الجميلة" (ماي فير ليدي) مثلته اودري هيبورن وكان أنجح فيلم أميركي في زمنه، حتى وإن كان مناخه انكليزياً. المهم ان "بيغماليون" كما كتبها جورج برنارد شو، تختلف في الشكل عن الاسطورة الاصلية، لكنها لا تختلف عنها في المضمون او في المعنى… وبالتحديد لأن في هذا العمل الاصلي من المعاني المرتبطة بالانسان وخلقه والعلاقات البشرية ومفاهيم التربية، ما لا يضاهيه ما في اي عمل آخر من هذا النوع. و لعل أهمية عمل شو تكمن اساساً في كونه عصرن الاسطورة وجعل ابطالها اشخاصاً من لحم ودم يعيشون بيننا وكأنهم منا.

تبدأ مسرحية "بيغماليون" كما كتبها جورج برنارد شو، برهان يقوم بين العالم الارستقراطي الظريف والصلف في الوقت نفسه، هنري هيغنز، وصديقه الكولونيل بيكرنغ على فتاة هي اليزا دوليتل، يلتقي فيها ذات يوم فتلفت لهجتها المبتذلة وأسلوبها المشاكس الوضيع في التصرف، نظرهما. وهنا يقول هيغنز لصديقه ان في امكانه، خلال اسابيع قليلة، ان يحول هذه الفتاة الى ليدي ارستقراطية، بمجرد تعليمها اناقة الحديث واسرار اللهجة الراقية. واذ يقول له الكولونيل ان هذا غير ممكن، منطقياً، يقوم الرهان ين الرجلين. وعلى اثر ذلك يدنو هنري هيغنز من بائعة الزهور الصبية اليزا، ويعرض عليها ان يعلمها المنطق مقابل بعض مال يعطيه لها ومال آخر يعطيه لأبيها. وهكذا يصطحبها، في كل براءة، الى منزله، وتبدأ التمارين على الفور، فيما يشعر هيغنز انه يسابق الزمن طالما ان الرهان مدته ستة اسابيع.

غير ان اليزا لم تُخب امل هيغنز، حيث انها خلال التمارين ابدت من الاستجابة والاستعداد الفطري ما اذهل استاذها. وهكذا خلال الفترة المحددة، بل خلال فترة أقل، نجحت اليزا في الاختبارات التي اجريت لها، وتحسن نطقها… ولسوف نرى ان النطق لم يكن وحده ما تحسن لديها. وتجلى ذلك خلال حفلة صاخبة في حديقة منزل سفير من اصدقاء هنري هيغنز. فإلى تلك الحفلة اصطحب هيغنز تلميذته النجيبة ليقدمها الى الحفل على اساس انها دوقة، من دون ان يكشف سرها لأحد… وتتصرف اليزا مثل دوقة حقيقية، نطقاً ولكن فهماً ايضاً وأناقة: تبدو وسط ذهول هيغنز والكولونيل صديقه وكأنها طالعة من فورها من أرقى العائلات والمدارس الارستقراطية. واذ يروح الاستاذ

المزيد


اطلع بروتون فيليب سوبو على النتائج الاولية واخذا يسودان الورق وهما في ازدراء محبب

ديسمبر 14th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قراءات

بروتون الذي جعل الشعر ذخرا بشريا لا ينضب

عبدالقادر الجنابي

في واحدة من أفضل المقالات عن أندريه بروتون نبه الشاعر المكسيكي اوكتافيو باث الى نقطة جوهرية يجب أن تؤخذ في الاعتبار: “من المستحيل الكتابة عن أندريه بروتون بلغة تنقصها العاطفة والشغف”. وها هي ذكرى وفاته الأربعون تَحلُّ، وبمناسبتها سيحتفل كل على طريقته، بل حتى الخصوم ستكون لهم كلمة بشأنه. ذلك أن ذكرى بروتون لابد أن “تندلع في رأس الجميع اندلاع الينابيع في حقل من الورد”، على حد عبارة الشاعر الصديق أنسي الحاج. فلكل قرن أسطورة، وأسطورة القرن العشرين هي السوريالية، ولولا أندريه بروتون، بسلامته، خلقه وصلابته الفكرية، لما كان لهذه الأسطورة مقامها في حضرة تاريخ الذكاء الإنساني. وها نحن بدورنا نقوم بزيارة أهم المحطات في حياته متلمسين تبلور المقومات الرئيسية للسوريالية، فيستخلص القارئ بنفسه ما تبقى منها ساري المفعول وفعالا في مطلع الألف الثالث.

ولد أندريه بروتون في التاسع عشر من شباط (فبراير )1896 في “تانشبريه” (آورن - فرنسا) لأب أصله من مقاطعة “اللورين”، عَلماني وجد متحمس لتطلعات ولده، والأم أصلها من “بريتاين” مؤمنة وباردة سيصفها بروتون لاحقا بعبارات جد قاسية: “متسلطة، ضئيلة، حقودة”، مما جعلت الجو العائلي لا يطاق (وهنا يكمن احد الدوافع وراء تصريحه في كتابه “الحب المجنون”: “يجب طمر العائلة، قبل كل شيء”)، ومع هذا فان ثمة أوقاتا جميلة، في طفولة بروتون، لعبت دورا كبيرا في تنمية حاسته التشكيلية، خصوصا تلك

لتي كان يتلقى فيها تربيته على جَده لأمه، بيير لكوجيس. فبيير هذا كان قاصا ماهرا، علّم بروتون اللغة وقصص الغموض والأسرار، والاهتمام الشديد بالحشرات والولع بالغابات.

غادرت عائلة بروتون، في فاتح القرن العشرين، غابات “بريتاين” صوب باريس، لتستقر قرب منطقة “بانتان”. دخل اندريه مدرسة “شابتال” في عام 1904. وها هي حياته تتكدر بسبب الروتين المدرسي وتصرف أمه السلطوي. وما إن بلغ الخامسة عشرة حتى تجلى له بفضل احد المعلمين أساطين الشعر ونوره: مالارميه، بودلير، شعراء الرمزية الخ فأخذ يحضر القراءات الشعرية التي كانت تجري في مسرح “لفيو كولومبييه”… بل حاول كتابة الشعر متأثرا ببول فاليري، فكانت قصيدته الاولى التي نشرها اوائل 1914 في مجلة “الكتيبة” مهداة الى فاليري. وكانت الزيارات مع أبيه إلى بعض المتاحف والمعارض، تمتع ناظريه وتعمق من حاسته النقدية. شاهد للمرة الاولى لوحات ماتيس، فاثارت إعجابه بقدر ما كان والده يجدها مخزية. لكن دهشته الحقيقية تجسدت في زيارته “متحف غوستاف مورو” الذي أثر بشكل قاطع على مفهوم الحب لديه. ذلك أن الحب والجمال تجليا له بواسطة وجوه نساء “مورو” والوضعيات المعينة التي اتخذتها. وكم تمنى بروتون لو حُبس في ذلك المتحف ليلة ليطوف وحده القاعات كلها. وفي غمرة هذا التلقين الروحي والتطهير الشعري، وقع في حب ابنة خالته “مانو” التي أدرك من خلالها المزيج من الإغراء والذعر. لم تدم العلاقة طويلا. وفي تشرين الاول (اكتوبر) 1914، دخل كلية الطب تلبية لطلب أبويه، وها هو يغير، في سجل الكلية، تاريخ ميلاده من 19 شباط الى 18 شباط، وهو تاريخ ولادة ابنة خالته. وسيكون لهذا التغيير الناجم أولا عن تجربة حب فاشلة، من برج الحوت إلى برج الدلو دلالة تنجيمية يتغذى منها فكر أندريه بروتون برمته.

كان الشارع الفرنسي منشغلا بأخبار اندلاع الحرب العالمية الاولى وخصوصا بانعدام الأمل في السلام بعد مقتل الاشتراكي جان جورس. وقد كتب بروتون إلى صديقه تيودور فرانكل، رسالة يفصح فيها عن امتعاضه من المشاعر الشوفينية والحماسات الهستيرية لدى الناس. والغريب انه في هذه الفترة بالذات، حصل على الطبعة الكاملة لأعمال رامبو التي تضمنت رسائل لم يحبذ احد آنذاك قراءتها، خصوصا تلك الموجهة الى جورج ازامبارد في الخامس والعشرين من آب (اغسطس )1870 يحذر فيها من يقظة العسكر: “وطني ينهض افضل ان اراه جالسا: لا تهيجوا الجزم. هذا هو مبدئي”. تمنى بروتون أن يُعفى من الخدمة العسكرية. لكن هيهات، فالفحص الطبي أكد انه صالحٌ،

وعليه أن يسجل، للخدمة العسكرية، فتم ارساله في الخامس والعشرين من شباط 1915 الى مدينة “بونتيف” في “بريتاين” لاتمام التدريبات اللازمة، وبعد خمسة اشهر أرسِلَ الى مدينة “نانت” كممرض في مستشفى البلدية. ومع هذا كان بروتون طوال فترة الحرب يتغذى بأفضل ما كان ينتجه شباب جيله امثال “مارسيل دوشان” هذا الفنان الذي عبر عن اشمئزازه من الفن، مفضلا لعب الشطرنج، وهو صاحب نظرية جديدة تقول ان كل ما يجده المرء من أغرض مرمية (ready made ) يمكن لها ان ترقى الى مستوى الفن وفقا لارادة الفنان. وبالفعل فان العمل الذي عرضه دوشان في معرض المستقلين سنة 1917 في نيويورك، كان “مبولة” وجدها في الشارع وحتى يجعل منها تحفة فنية خالدة، كتب فقط على أحد جوانبها بالحبر الصيني: “نافورة”، وهكذا دخلت متحف نيويورك كواحدة من أعظم أعمال الحركة الدادائية! وثمة شهاب آخر مر في سماء الاحتجاج على العقلانية المتوجة بأبشع حرب عالمية: “آرتور كرافان ‘الذي كان يعتبر نفسه “جنديا فارا من سبعة عشر بلدا”، غير اسمه مرات، وادعى انه الابن الشرعي لاوسكار وايلد! وذات يوم عبر الخليج المكسيكي فاختفى، لا يعرف احد إن مات غرقا، أو غير هويته واسمه ومهنته، وبات إنسانا آخر لا علاقة له البتة بكل هذه الأسطورة التي خلدته كأب أول للحركة الدادائية، صاحب مجلة صغيرة مطبوعة على ورق لف اللحم، غير منتظمة الصدور، كان يكتب كل موادها، صدر منها ستة أعداد فحسب، عنوانها: “الآن”! يقال أن تروتسكي التقى به في سفينة.

كان اندريه بروتون يجتاز التجارب الشعرية والفنية الجديدة التي شهدتها فرنسا منذ اندلاع الحرب العالمية الاولى، مع تتبع اخبار المجموعات الفوضوية ويستلهمها، خصوصا مجموعة “بونيه” التي كانت تهاجم مراكز الشرطة والمصارف. كما كان يواصل مراسلاته مع شعراء الحداثة آنذاك كفاليري وابوليتير مستفيدا من ملاحظاتهم النقدية ازاء ما ينشره من قصائد ما تزال تعكس تأثيراتهم وتأثيرات ماليرميه ورامبو. الا انها قصائد واعدة تنم عن اسلوب مشغول بليغ لا يقبل السهولة. لكن الشيء الغائر في اعماقه كان يحتاج الى من يبرزه الى العيان. واذا بنظره يقع، اثناء احدى استطلاعاته داخل ردهات المستشفى، في مدينة نانت، اواخر شباط 1916، على شاب ادخل للمعالجة، له شعر اصهب، غريب الاطوار يعاكس الممرضات باحاديث غريبة ويرسم نفسه على بطاقات واقفا وخلفه جثثت الحرب وكأنه متكئ على بار. اللقاء بهذا الشاب سيغير حياة اندريه بروتون: انه جاك فاشيه الدادائي قبل الدادائية، المغرم بالملابس بحيث كان ي

المزيد


التالي