شعر العمدة بانسحاق العظام في فكه،

فبراير 5th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

يوم من هذه الأيام
غابريل غارسيا ماركيز
ترجمة: رافع الصفار

فجر الاثنين ، دافئ وغير ممطر. أوريليو أسكوفار، طبيب أسنان من دون شهادة، مبكر جدا في النهوض، فتح عيادته عند الساعة السادسة. تناول بضعة أسنان اصطناعية، مازالت موضوعة في قوالبها الكلسية، من علبة زجاجية ، ووضع مجموعة من الأدوات على الطاولة مرتبا إياها حسب حجمها كما لو كان يجهزها للعرض. كان يرتدي قميصا عديم الياقة مغلقا عند العنق بزر ذهبي، وبنطلونا بحمالات. وكان منتصب القامة، نحيفا، قلما ينسجم مظهره مع الموقف، تماما كما هي حالة الأصم.

عندما انتهى من ترتيب العدة على الطاولة، سحب المثقاب ناحية كرسي المعالجة وجلس ليباشر في صقل الأسنان الاصطناعية. وكان يبدو شارد الذهن، لا يفكر في تفاصيل العمل الذي يؤديه بدقة وثبات متواصلين، وكانت قدمه تظل تضغط على عتلة المثقاب حتى عندما تنتفي حاجته إلى الآلة.

بعد الثامنة توقف لبرهة كي ينظر إلى السماء من خلال النافذة فرأى صقرين منشغلين في تجفيف نفسيهما تحت الشمس على سقيفة البيت المجاور. عاد إلى عمله وهو يقول لنفسه بأن المطر سيسقط قبل موعد الغداء. صوت ابنه الحاد والمفاجئ شتت تركيزه

- بابا.
- ماذا ؟
- العمدة يريد أن يعرف إذا كنت ستخلع له ضرسه.
- قل له بأنني غير موجود.

كان منشغلا بصقل سن ذهبية. حملها أمامه وراح يتفحصها بعينين نصف مغلقتين. عاد ابنه ذو الأحد عشر عاما يصرخ مجددا من غرفة الانتظار.

- يقول بأنك موجود، وأيضا لأنه يستطيع أن يسمعك.

ظل الطبيب منشغلا بتفحص السن. وعندما أنجز عمله واخذ السن شكله النهائي وضعه على الطاولة وقال:

_ هذا أفضل.

شَغَّل المثقاب ثانية، وأخذ بضعة قطع تركيب من علبة كارتونية حيث يحتفظ بالأشياء التي تحتاج إلى انجاز، وباشر بعملية التعديل والصقل.

- بابا.

أجابه مستخدما نفس التعبير

- ماذا؟
- يقول بأنك إذا لم تخلع له سنه فسوف يطلق النار عليك.

دون تعجل، وبحركة شديدة الهدوء أوقف المثقاب، دفعه بعيدا عن الكرسي، وسحب الدرج السفلي للطاولة، وكان هنالك مسدس. قال:

- حسنا، قل له أن يأتي ويطلق النار علي.

دفع الكرسي بمواجهة الباب، وكانت يده تستقر على حافة الدرج. ظهر العمدة عند الباب. كان قد حلق الجانب الأيسر من وجهه، لكن الجانب الآخر كان متورما وبلحية لم تحلق منذ خمسة أيام. رأى الطبيب في عينيه ليالي من التوجع والأرق، فأغلق الدرج بأطراف أصابعه وقال برفق:

- اجلس.
- صباح الخير.

أجابه الطبيب:

- صباح الخير.

وبينما انشغل الطبيب بتسخين أدواته، أسند العمدة رأسه على مسند الكرسي الخلفي فشعر بشيء من الارتياح. كانت أنفاسه تطلق بخارا في الهواء. كانت عيادة بائسة: كرسي خشبي قديم، مثقاب يعمل بدواسة، وعلبة زجاجية تحوي قناني السيراميك. في المواجهة للكرسي نا

المزيد


توقف عند القطة المصلوبة في المهد والمكشرة بسخرية في النور

يناير 8th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

الثعبان

القاص الأمريكي جون تشاينبك
ترجمة : سرحان الغول

بدا الظلام يخيم عندما القى دكتور فلبس الشاب كيسه على كتفه ، وغادر بركة المد . تسلق الصخور وسار على الطريق كانه يخوض في الماء بجزمته المطاطية .
كانت الشوارع مضاءة حينما وصل الى مختبره التجاري الصغير في شارع التعليب في مونتيري . كان مبنى صغيرا ضيقا ، يقع جزء منه على ارصفة فوق ماء الخليج ، وجزء اخر على اليابسة . وقد ازدحمت على الجانبين معامل تعليب السردين الضخمة المبنية من الصفائح المموجة .
صعد دكتور فلبس الدرجات الخشبية وفتح الباب . فتقافزت الفئران البيضاء في اقفاصها متسلقة الاسلاك وهابطة عليها ، وماءت القطط الاسيرة في حظائرها الصغيرة طلبا للحليب . اشعل دكتور فلبس الضوء الساطع فوق طاولة التشريح والقى بكيسه الرطب على الارض . سار نحو الاقفاص الزجاجية القريبة من النافذة حيث توجد الافاعي المجلجلة ، وانحنى فوقها وراح يتفحصها .
كانت الافاعي تتكتل وتستريح في زوايا القفص ، الا ان راس كل منها كان ظاهرا ، وقد بدا ان اعينها الضبابية تنظر الى لاشيء ، وعندما انحنى الشاب فوق القفص ، برزت السنتها المتشعبة السوداء عند اطرافها القرنفلية ووراء تلك الاطراف ، وارتعشت وتمايلت ببطء خارج فمها الى الاعلى والاسفل . ثم عرفت الافاعي الرجل ،فادخلت السنتها في افواهها . طرح دكتور فلبس معطفة الجلدي ، واوقد نارا في موقد الصفيح ، ووضع غلاية ماء على المدفاة واسقط علبة فاصولياء في الماء . ثم وقف يحدق بالكيس الملقى على الارض . كان شابا ضئيل البنيان ذا عينين لطيفتين مشغولتين لشخص ينظر طويلا في المجهر . وكانت له لحية قصيرة شقراء .
اندفعت نسمة الى اعلى المدخنة ، وانبعث من المدفاة وهج دفء . وغمرت امواج البحر بتؤدة الاعمدة تحت البناية . واصطفت على الرفوف في كل انحاء الغرفة طبقة فوق اخرى من الاواني المتحفية التي تحتوي على العينات البحرية المحمولة التي يتعامل بها المختبر .
فتح دكتورفلبس بابا جانبيا ، ودلف الى حجرة نومه ، زنزانة ملأى بكتب مصفوفة ، فيها سرير عسكري ، ومصباح للمطالعة وكرسي خشبي غير مريح . نزع جزمته المطاطية ، وانتعل خفا من جلد الخراف . وحين عاد الى الحجرة الاخرى ، كان الماء في الغلاية قد بدأ يهمهم .
رفع كيسه الى الطاولة تحت النور الابيض ، وافرغ منه دزينتين من قناديل البحر العادية . وصف جنبا الى جنب على الطاولة . وتحولت عيناه المنهمكتين الى الفئران المشغولة في الاقفاص السلكية . وبعد ان اخذ حبوبا من كيس ورقي ، صبها في اجران التغذية . وعلى الفور ، هبطت الفئران من الاسلاك وانقضت على الطعام . كانت زجاجة حليب على رف زجاجي بين اخطبوط صغير في حاضنته وسمكة هلامية . انزل دكتور فلبس الحليب وسار به الى قفص القطط ، لكنه ، وقبل ان يصب الحليب في الحاويات الصغيرة ، مد يده الى القفص وامسك برفق بقطة برية مرقطة . مسّد عليها قليلا ثم اسقطها في صندوق صغير اسود الطلاء ، واغلق الغطاء وشبكه ثم فتح صماما صغيرا يسمح بدخول الغاز الى حجرة الاعدام . وفيما كان الصراع الخافت القصير يدور في الصندوق الاسود ، ملأ الاطباق بالحليب . قوست احدى القطط جسمها امام يده ، فابتسم لها وربت على رقبتها .
هدأت الحكة داخل الصندوق. فاقفل الصمام الصغير، فالصندوق المحكم سيكون مليئا بالغاز .
على الموقد ، كان الماء يطلق فقاقيعه بعنف حول علبة الفاصولياء . رفع دكتور فلبس العلبة بملقط كبير ، ثم فتحها وافرغ الفاصولياء في طبق زجاجي . وفيما كان ياكل ، راح يراقب قناديل البحر الملقاة على الطاولة . فلاحظ قطرات سائل حليبي صغيرة تنز من بين خطوط الاشعة . ازدرد الفاصولياء ، وحين انهاها ، وضع الطبق في المغسلة ، وخطا نحو خزانة الادوات . اخرج من هذه الخزانة مجهرا وكومة من الاطباق الزجاجية الصغيرة. ملأ الاطباق واحدا تلو الاخر بماء البحر من حنفية ثم صفها الى جانب قناديل البحر . نزع ساعته ووضعها على الطاولة تحت النور الابيض المنثال . اندفعت الامواج مطلقة تنهيدات خافتة مرتطمة بالاعمدة الواقعة تحت ارضية البناية . تناول قطّارة من احد الأدراج وانحنى فوق قناديل البحر .
انطلقت في تلك اللحظة خطوات سريعة على السلم الخشبي ، وسمع قرعا قويا على الباب . فعبرت وجه الشاب مسحة تجهم وهو ماض لفتح الباب . وقفت امراة طويلة نحيلة في فتحة الباب . كانت ترتدي ثوبا اسود كالحا – كان شعرها الاسود المسترسل الساقط على جبهة منبسطة شعثا كان الريح كانت تطيره . التمعت عيناها السوداوان في الضوء القوي .
قالت بصوت حلقي ناعم : "هل لي ان ادخل ؟ اود التحدث اليك ."
قال بجفاء : " انا مشغول جدا الان ، وعلي ان اقوم ببعض الاعمال في هذه الاحيان ." لكنه افسح لها الطريق عند الباب . فانسلت المراة الطويلة الى الداخل .
- "سالتزم الصمت ريثما تتمكن من التحدث معي ."
اغلق الباب ، واحضر الكرسي غير المريح من حجرة النوم . قال معتذرا : "كما ترين ، بدات العملية ولا بد لي من متابعتها . فالكثير جدا من الناس يتجولون في المختبر ويطرحون اسئلة . وكان لديه ايضاحات روتينية قليلة عن العمليات الشائعة جدا . فيعرضها بلا تفكير . اجلسي هنا . ساكون قادرا على الاصغاء اليك بعد بضع دقائق ."
مالت المراة الطويلة على الطاولة . جمع الشاب بالقطارة سائلا من بين خيوط اشعة قنديل البحر وافرغها في حوض ماء ، ثم شفط بعضا من سائل حليبي وافرغه في نفس الحوض ، وحرك الماء برفق بالقطارة . ثم راح يثرثر شارحا بايجاز : " حين تصبح قناديل البحر ناضجة جنسيا ، تفرز سائلا منويا وبويضات عندما تكون في منطقة جزر . وبانتقائي عينات ناضجة واخراجها من الماء ، اضعها في ظروف جزر . وقد مزجت الان السائل المنوي والبويضات . واضع الان بعض المزيج في كل من زجاجات ساعات اليد العشر هذه . وخلال عشر دقائق ، ساقتل محتويات الزجاجة الاولى بالمنثول ، وبعد عشرين دقيقة ، ساقتل المجموعة الثانية ، واقتل مجموعة جديدة كل عشرين دقيقة . وحينذاك ساكون قد اتممت العملية على مراحل ، فاضع السلسلة على شرائح مجهر لدراستها بيولوجيا." صمت . "اتودين ان تري المجموعة الاولى تحت المجهر ؟ "
- " لا ، شكرا ."
التفت نحوها بسرعة . فالناس يرغبون دائما في النظر من خلال المجهر . اما هي فلم تكن تنظر الى الطاولة على الاطلاق ، بل اليه . كانت عيناها السوداوان عليه ، لكنهما لم تكونا تريانه . وادرك السبب – فقد كانت قزحيتي عينيها بنفس سواد بؤبؤيهما ، لم يكن بينهما خط لون فاصل بين الاثنين . انزعج دكتور فلبس من جوابها . ومع ان الاجابة على الاسئلة تضجره ، الا ان الافتقار الى الاهتمام بما يقوم بعمله كان يضايقه . ونمت في نفسه رغبة في اثارة فضولها .
- "بينما سانتظر انقضاء اول عشر دقائق ، سيكون لدي عمل اقوم به . لا يحب بعض الناس ان يروه . لعله يحسن بك ان تدخلي الى تلك الغرفة ريثما انتهي من عملي ."
ردت بنغمة ناعمة وصريحة : "لا . افعل ما بدا لك . سانتظر ريثما تتمكن من الحديث معي." استرخت يداها جنبا الى جنب في حجرها . كانت مستريحة تماما . وكانت عيناها لامعتين، اما باقي جسدها فكان في حالة غيبوبة معلقة . فكر : " نسبة ايضية منخفضة ، تقارب انخفاض نسبة ضفدعة كما يبدو ." وسيطرت عليه ثانية الرغبة في ان يصدمها ويخرجها من الجمود الذي يتملكها .
احضر الى الطاولة مهدا خشبيا صغيرا ، وصف المباضع والمقصات ، ثم جهز ابرة انبوب ضغط كبيرة مجوفة . ثم اخرج من حجرة الاعدام جثة القطة اللينة ووضعها في المهد ، وشد ارجلها بخطافات في جوانب المهد . القى نظرة جانبية الى المراة . لكنها لم تكن قد تحركت فقد ظلت هادئة .
كشرت القطة في النور ، وتدلى لسانها الوردي من بين اسنانها الابرية . قص دكتور فلبس الجلد عند الحلق بخفة ، وشق بمبضع الجلد شقا طوليا وعثر على الوريد . وضع الابرة في الاناء بتقنية متقنة وربطه بالمعي . واوضح : " سائل مضاد للتعفن . وساحقن فيما بعد الكتلة الصفراء في نظام الشرايين ، والكتل الحمراء في نظام الاوردة – لتشريح تدفق الدم – اصناف بيولوجية ."
تطلع اليها مرة اخرى . بدا ان غبارا يغشي عينيها . ونظرت الى حلق القطة المفتوح دون ان يظهر على ملامحها اي تعبير . لم تسل اية نقطة دم . فقد كان الجرح نظيفا . نظر دكتور فلبس الى ساعته . "حان وقت المجموعة الاولى . " واسقط بلورات منثول في زجاجة الساعة الاولى .
كانت المراة تثير اعصابه . تسلقت الفئران اسلاك اقفاصها ثانية وصرخت صراخا خافتا . ولطمت الامواج المتكسرة تحت المبنى الاعمدة لطمات طفيفة .
ارتعش الشاب . وضع بعض قطع الفحم في المدفاة وجلس . قال : "ليس لدي الان ما افعله في العشرين دقيقة القادمة ." لاحظ مدى قصر ذقنها بين شفتها السفلى وحافة ذقنها . بدا انها تستيقظ ببطء ، تخرج من بركة وعي عميقة . ارتفع راسها ، وجالت عيناها الداكنتان المغبرتان في ارجاء الغرفة ، ثم عادتا اليه .
قالت ، وقد ظلت يداها جنبا الى جنب على حجرها : "كنت انتظر . لديك افاع ؟"
رد الشاب بصوت عال نوعا ما : " لم ؟نعم . عندي حوالي دزينتين من الافاعي ذات الاجراس . استخرج السم بعصرها وارسله الى مختبرات مضادات السموم ."
ظلت تنظر اليه ، لكن عينيها لم تتركزا عليه ، بل غمرتاه ، وبدا انهما تريان دائرة كبيرة حولة . قالت : " هل لديك ثعبان ؟ ثعبان اجراس ؟ "
قال : "حسنا ، لقد تصادف ان عرفت منذ وقت قصير ان لدي ثعبان . فقد دخلت ذات صباح، فوجدت افعى كبيرة في – في حالة اتصال جنسي مع افعى اخرى اصغر . وذلك نادر جدا في الاسر . كما ترين ، اعرف ان لدي ثعبان ."
- "اين هو ؟"
- "هناك في القفص الزجاجي ، قرب النافذة ."
استدار راسها ببطء ، لكن يديها الهادئتين لم تتحركا . والتفتت نحوه . "هل لي ان اراه ؟"
نهض الشاب وتوجه نحو صندوق العرض القريب من النافذة . في القاع الرملي ، تكدست افاعي الاجراس متشابكة على شكل عقدة ، لكن راس كل منها كان ظاهرا . للحظة ، خرجت الالسن واهتزت ثم تموجت الى الاعلى والاسفل متحسسة الهواء بحثا عن تذبذبات . ادار دكتور فلبس راسه بعصبية . كانت المراة تقف الى جانبه . لم يسمعها تنهض عن الكرسي . سمع فقط طرطشة الماء بين اعمدة الاساس ، وصوت تسلق الفئران على الستار السلكي .
قالت بصوت ناعم : "ايها الذكر الذي تحدثت عنه ؟ "
اشار الى ثعبان غليظ رمادي مغبر يستلقي وحيدا في احدى زوايا القفص . "ذلك هو . طوله حوالي خمسة اقدام . وياتي من تكساس . فافاعي ساحلنا على المحيط الهادئ اصغر حجما عادة . وقد ظل يستاثر بكل الفئران . وحين اريد اطعام الافاعي الاخرى ، فلا بد لي من اخراجه . "
حدقت المراة في راس الثعبان الجاف الكامد . فانزلق اللسان المتشعب خارج فمه وتدلى مرتعشا للحظة طويلة . سالت : "انت واثق من انه ذكر ؟ "
اجابها بعفوية : "افاعي الاجراس غريبة الطبع . واي تعميم عنها يثبت خطاه . ولا اريد ان ادلي براي حاسم بشان افاعي الاجراس ، لكن – نعم – يمكنني التاكيد لك بانه ذكر ."
لم تتحول عيناها عن الراس المسطح . "هل تبيعه لي ؟"
- "انت فعلا تبيع عينات ، اليس كذلك ؟"
- "اوه – نعم . ابيعها طبعا . انا ابيعها طبعا ."
- "كم تريد ؟ خمسة دولارات ؟ عشرة ؟"
- "اوه ! ليس اكثر من خمسة دولارات . لكن – اتعرفين اي شيء عن افاعي الاجراس ؟ قد تعضين ."
نظرت اليه للحظة : "لا انوي ان آخذه معي

المزيد


''عزيزي السَّجَّان، أنا أكتب لك هذه السّطور بستّ لغات

يناير 7th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

الرِّهان

أنطون تشيخوف 
ترجمة / يوسف بوسعيد

في إحدى ليالي الخريف المظلمة، كان مصرفيّ يتمشّى في مكتبه جيئة و ذهابا، مُسترجعا ذكرى الحفل الذي أقامه في إحدى أمسيّات الخريف قبل خمس عشرة سنة.لقد حظر الحفل عددٌ كبير من الشّخصيات المرموقة، حيث دارت بينها نقاشات هامّة .من بين المواضيع التي تحدّثوا عنها برزت قضيّة عقوبة الإعدام. استنكر معظم الضّيوف بما فيهم الصّحفيّون و رجال الفكر هذه العقوبة، معتبرين إيّاها من مساوئ الماضي، لا أخلاقيّة وغير ملائمة للدول المسيحيّة. رأى بعض المتحاورين أن عقوبة الإعدام يجب أن تُعوَّض بعقوبة السّجن المؤبّد.

قال المصرفيّ و صاحب الدّعوة:” أنا لا أتّفق معكم، في الحقيقة، أنا لم أجرّب عقوبة الإعدام أو السّجن المُؤبّد، لكن إن حقّ للمرء الحُكم في الأمر، فإنّه لمن البديهي أنّ عقوبة الإعدام أكثر أخلاقيّة و إنسانيّة من السّجن مدى الحياة. الإعدام يقتل المرء دفعة واحدة، بينما السّجن مدى الحياة هو ذاته الموت البطيء. فبالله عليكم، أيّ الجلاّدين يستحقّ أن يُوصف بالإنسانيّة، أهو ذاك الذي يقتلكم في بضع دقائق، أم الذي يسلبكم الحياة خلال سنوات عدّة ؟”

ردّ أحد الضّيوف:” هما يشكلان على حدّ سواء عملا لا أخلاقيا، فالغاية التي تجمعهما هي ذاتها، فصل الرّوح عن الجسد. الحكومة ليست إلهً يحقّ له ذلك ،فإن هي سلبت المرء الحياة، فإنّها لن تستطيع استعادتها متى شاءت.”

من بين الضّيوف كان هنالك محام شاب في الخامسة و العشرين من عمره.

لمّا سُئل عن رأيه في الموضوع أفصح قائلا:

” إن الحُكم بالإعدام و الحُكم بالسّجن المؤبّد كلاهما عمل لا أخلاقي، لكن لو خُيِّرتُ بين الأمرين لاخترتُ بالتّأكيد السّجن المؤبّد،فأنْ تعيش، بأيّة حال، أحسن من أن تفارق الحياة.”

نشأت عن ذلك إثارة في النّقاش، فالمصرفيّ الأصغر سنا و الأكثر عصبيّة في تلك الأيام صرخ فجأة بحماس، وهو يضرب بقبضة يده على الطّاولة، قائلا للشّاب:

”هذا غير صحيح! سأراهن بمليونين على أن تمكثَ في حبس انفرادي لمدّة خمس سنوات.”
ردّ الشّاب: ا إن كُنت جادا في هذا، فسأقبل التّحدّي، و لكن لن أمكث خمس سنوات و إنّما خمس عشرة سنة.”
”خمس عشرة سنة ؟ حسنا! ا.” أيّها السّادة، أنا أراهن بمليونين! ”
”موافق ! راهن أنت بمليونين و أراهن أنا بحرّيتي.”

وهكذا نُفّذ هذا الرِّهان المتهوّر الذي لا معنى له. المصرفيّ الطّائش بالملايين ضمن حسابه البنكي كان مسرورا جدا بهذا الرّهان. عند العشاء أخذ يسخر من الشاب قائلا له :”فكّر ثانية في الأمر مادام هنالك وقت، فبالنسبة لي مليونين مبلغ تافه، أمّا أنت فستخسر ثلاث أو أربع سنوات من أزهى فترات حياتك. أقول ثلاث أو أربع سنوات لأنّك لن تقدر على أكثر من ذلك. لا تنس كذلك، أيّها الرجل التّعيس، أن السّجن الاختياري أكثر مشقّة وصرامة من الإجباري.فأن تُفكّر في تخطّي عتبة السّجن نحو الخارج في أي لحظة، سيُفسد الغاية من وجودك في السّجن. أنا متأسّف على هذا الإجراء.”

أمّا الآن فالمصرفيّ يتمشى جيئة و ذهابا، متذكّرا كل تلك الأحداث، مخاطبا نفسه:بما الغاية من هذا الرّهان؟ما الذي سيجنيه هذا الشّاب من إضاعة خمس عشرة سنة من حياته، و ماذا سأستفيد أنا من هدر مليونين عبثا؟. هل هذا سيُثبت أنّ عقوبة الإعدام أحسن من السّجن المؤبّد؟. لا ، لا يمكن. إنّ كلّ هذا عمل تافه و غير معقول.من جهتي، هي الرّغبة في إشباع نزوات شخصيّة، أمّا من جهته فإنّه الطمع في المال.”

بعد ذلك تذكّر المصرفيّ ما أعقب تلك الأمسيّة.لقد تقرّر أن يمضي الشّاب سنوات الأسر تحت الرّقابة الصّارمة في حُجرة داخل حديقة المصرفيّ.تم الاتّفاق على ألاّ يتعدّى الشاب عتبة باب الحُجرة لرؤية النّاس أو سماع أصواتهم، كما لا يحقّ له استلام الرّسائل و الصّحف.

لقد سُمِح له بالحصول على آلةٍ موسيقية وكتب . كما حقّ له كتابة الرّسائل،شرب الخمر و كذا التّدخين. بمقتضى الاتفاقيّة فإن المنفذ الوحيد للشّاب نحو العالم الخارجي يتمثّل في نافذة صغيرة أُعدّت لهذا الغرض. يمكن للشّاب الحصول على كل ما يريد:كتب، موسيقى، خمر،…و بأيّة كميّة يشاء بعد أن يكتب طلبا خطيّا ،على أن يستلم كل هذه الأشياء عبر النّافذة.نصّت الاتفاقية على كلّ التّفاصيل، حتّى و إن بدت تافهة أحيانا، فقط لضمان عزل الشاب بشكل صارم، و إلزامه بالمكوث في السّجن خمس عشرة سنة بالضبط : بداية من الرابع عشر من نوفمبر من عام 1870 على السّاعة الحادية عشر و انتهاء في الرّابع عشر من نوفمبر من عام 1885 على السّاعة الحادية عشر.إنّ أيّ محاولة من قبل الشّاب لخرق شروط الاتفاقية ،و لو قُبيل دقيقتين من نهايتها، ستعفي المصرفيّ من التزامه بدفع المليونين.

بقدر ما يُمكن للمرء الحُكم على السّجين من خلال مذكراته المختصرة، فقد عان بشدّة في السّنة الأولى من الأسر من الوحدة و الكآبة.نغمات جهاز البيانو المنبعثة من الحُجرة كانت تُسمع بشكل مستمر ليل نهار. رفض الشّاب الخمر و التّبغ،فالخمر ،حسبما كتب، يثير الشّهوات و الشّهوات هي أخطر عدو للسّجين، فضلا عن هذا، فليس هنالك شيء أفضع من شرب الخمر و عدم رؤية النّاس، أمّا عن التدخين،فإنّه يُلوّث هواء الحُجرة. الكتب التي طلبها الشّاب في السّنة الأولى تعلّقت بشخصيّات لامعة، روايات حُبّ ذات حبكة معقّدة، قصص مثيرة و خياليّة…

في السّنة الثّانيّة من الأسر كان البيانو ساكنا في الغرفة . ما طلبه الشّاب اقتصر فقط على الدّراسات القديمة.في السّنة الخامسة لم تكن الموسيقى مسموعة كذلك، غير أنّ السّجين طلب الخمر. قال الأشخاص الذين شاهدوه عبر النّافذة أنّه لم يمض تلك السّنة إلا في الأكل و الشرب و الاستلقاء على سريره، التثاؤب على نحو مستمرّ و الحديث مع نفسه بغضب. ببساطة، لم يقرأ الشّاب الكتب.أحيانا في اللّيل كان يجلس للكتابة لكنّه في الصباح يمزّق كل ما كتبه، لقد سُمع يصرخ لأكثر من مرّة.

في النّصف الثاني من السّنة السّادسة

المزيد


ولكن ما لم أخبركم به ان ما كنتم تعتقدون خطأ انه جنون لم يكن إلا حدة في الحواس

يناير 5th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

القلب الواشي
ادغار آلان بو

ترجمة: عيسى الشيباني

نعم هذا صحيح.. أنا عصبي المزاج.. كنت عصبيا جدا. ولكني لست مجنونا.. لا لست مجنونا.. لا يسمى هذا جنونا. مرضي هذا جعل حواسي أكثر حدة.. لا لم يدمرها ولم يضعفها بل بالعكس زاد من سمعي.. سمعت كل ما دار في السماء من فوقي وفي الأرض من تحتي.. بل حتى سمعت الكثير مما دار في الجحيم.. فكيف إذن تتهمونني بالجنون؟ اسمعوا.. اصفوا الي.. سأروي لكم القصة من ألفها الى يائها.. لاحظوا.. لاحظوا ثقتي بنفسي وهدوء أعصابي وأنا أروي لكم قصتي..

من المستحيل لأحد أن يعرف كيف دخلت الفكرة رأسي ولكن.. ولكن ما إن تبلورت الفكرة في رأسي حتى استحوذت على تفكيري وأصبحت تؤرقني ليل نهار.. لم.. لم يكن لدي سبب أو هدف للقيام بما فعلته.. ولكن.. كنت أحب الرجل العجوز… لم يظلمني أبدا.. ولم يسبق له أن أهانني يوما أبدا.. ولا تعتقدوا أن الذهب الذي يملكه أغراني.. لا.. لا.. لا!!! بل ما كان يهيج تفكيري أعظم من ذلك.. نعم.. أعظم.. انها.. انها عينه.. نعم.. هي.. هي عينه اللعينة.. ولا شيء غيرها.. كانت.. كانت.. عينه أشبه بعين النسر!! عين زرقاء شاحبة اللون.. كانت تحوي قصة ما.. نعم.. وحينما تنظر إلي أشعر ان الدم يتجمد في عروقي.. وبعد ذلك.. بدأت الأفكار تتكون في رأسي الفكرة تلو الأخرى وقليلا.. قليلا قررت.. نعم.. قررت أن أضع حدا لحياة هذا العجوز.. وهكذا.. هكذا أخلص نفسي من تلك العين اللعينة للأبد.. آه.. للأبد..

والآن هذا هو المهم في الموضوع.. تظنونني مجنونا.. آه.. آه.؟. المجانين لا يعلمون شيئا أبدا.. ولو كنت قد رأيتموني فقط.. فقط كيف كنت أمضي بكل ثقة وحذر وبصيرة وكثيرا من التصنع عندما ذهبت لأداء ما أنوي فعله، لم أكن أبدا.. أبدا حنونا على الرجل العجوز مثلما كنت قبل أسبوع من قتله.. نعم.. كنت في غاية الهدوء.. وكنت في كل ليلة أي تقريبا في منتصف الليل أمسك مزلاج الباب وافتحه.. نعم.. بهدوء شديد وعندما أشعر ان

فتحة الباب أصبحت كافية لأن أحشر رأسي، أضع فانوسا مظلما وكل شيء يكون مغلقا.. بل.. بل محكم الإغلاق.. حتى انه لا يرى أي ضوء ومن ثم أحشر رأسي. ها.. ها.. ها كنتم فعلا ستشعرون بالضحك لو رأيتم كيف أدخل رأسي بكل حذر وبعدها أمشي ببط ء شديد.. نعم شديد جدا جدا.. حتى لا أوقظ العجوز المسكين من نومه ها هاها.. ولكن هل تصدقون بأن ذلك استغرق مني ساعة كاملة حتى أستطيع ادخال رأسي من الباب وأرى العجوز وهو نائم بكل هدوء في فراشه… فاهاها.. ها ها هل تظنون بان هناك مجنونا يملك كل هذه الحصافة.. وبعدها وعندما تأكدت بأن رأسي كان داخل الغرفة تماما أطفأت الفانوس بحذر.. أوه بحذر شديد.. شديد جدا- لأنه كان يحدث شيئا من الصرير- أطفأته حتى لم يبق سوى شعاع خافت جدا وقع على عين النسر والتي كانت مغمضة وبذلك تعذر علي إتمام ما كنت أنوي فعله.. لأن ما كان يستثير غضبي ليس الرجل العجوز بل.. بل كانت عينه
الشريرة وهذا ما فعلته طوال سبع ليال متواصلة ولكنني في كل مرة أجد عينه مغمضة.. ومع ذلك كنت في كل صباح، وعندما يبدأ النهار.. أذهب الى الغرفة بكل جرأة وأتكلم بكل شجاعة اليه.. أناديه يا عم.. وأستفسر منه كيف قضى ليلته. لاحظوا كم هو عجوز هذا الرجل.. فعلا ليراوده الشك بأنه كل ليلة.. وفي الساعة الثانية عشرة تحديدا.. أنظر اليه وهو نائم في كوخه.

وفي الليلة الثامنة تحديدا كنت أكثر حذرا من بقية الليالي في فتح الباب.. هل تصدقون أن عقرب الدقائق في الساعة على الرغم من بطئه يتحرك بسرعة أكبرهما كنت افعل أنا.. لقد حدث ذلك فعلا وفي تلك الليلة فقط شعرت بمدى قوتي وحصافتي.. لم.. لم.. أكن قادرا على كتم شعور النصر الذي كان يتأجج بداخلي بمجرد تفكيري أنني مازلت هناك - أفتح الباب - شيئا فشيئا.. وهو لم يكن يحلم حتى بما كنت أنوي فعله أو ما أفكر فيه.. ضحكت بخبث على هذه الأفكار الجهنمية.. وربما سمعني لأنه تحرك فجأة في السرير كما لو أن شيئا أفزعه، أعلم أنكم ستفكرون أني هربت ولكن.. لا.. هيهات كانت غرفته سوداء حالكة الظلام كالفحم.. كان الظلام شديدا.. شديدا جدا - فالنوافذ كانت محكمة الإغلاق - وذلك خوفا من اللصوص ولذا عرفت بأنه لا يمكن رؤية فتحة الباب واستمررت أدفعه بثبات، ثبات شديد.. وبهدوء شديد.

في تلك اللحظة كان رأسي أصبح داخل الغرفة تماما وكنت على وشك إشعال الفانوس، حين انزلق ابهامي من على الفانوس فنهض العجوز مفزوعا وصرخ "من هناك ؟ من ؟.." بقيت صامتا ولم أنبس بكلمة. لساعة كاملة لم أحرك حتى عضلة واحدة، وطوال ذلك الوقت لم يضطجع العجوز كان لايزال منتصبا في السرير يستمع.. وكما فعلت ليلة بعد أخرى، أجده.. يصغي لساعات الموت تتردد بين الجدران، وفي هذا الوقت سمعت تأوها وعرفت انه أنين الرعب والهلاك.. لا… لا لم تكن تلك صرخة ألم أو حزن لا.. بل هو ذلك الأنين الضعيف الذي ينبع من باطن الروح عندما تزيد رهبتها نعم.. نعم.. عرفت الصوت جيدا.. كان الكثير منه في تلك الليلة.. بل في منتصف كل ليلة.. وعندما يكون الجميع نياما.. يتدفق هذا الصوت من صدري عميقا ومخيفا جدا.. ذلك الرعب الذي لم يضايقني سواه وأنا أحاول إتمام ما كنت أنوي فعله.. أخبرتكم أني أعرف جيدا!! كنت أعلم ما هو إحساس العجوز وكنت أشعر بالشفقة تجاه هذا المسكين بالرغم من أني في الواقع كنت أضحك عليه وعلى طيبته الزائدة، عرفت أن المسكين كان مستلقيا ولكنه ظل يقظا بعد الهلع الذي سيطر عليه في المرة الأولى.. حينما انقلب في سريره. وكان رعبه يزداد لحظة إثر أخرى.. وكان.. وكان يحاول الا يعيرها أي اهتمام ولكن لم يستطع فعل ذلك. كان يردد في نفسه دائما لا شيء… لم يكن إلا صوت الرياح في المدخنة… أو لعله فأر يمشي على الأرض… لا… لا لا…. بل إنه صوت صر صار الليل. نعم… إنه… هو… دون جدوى… نعم دون جدوى… لأن الموت كان يطارده كظله بل أكثر من ذلك وكان تأثير الشعور بالموت، الموت على الضحية شديدا جدا… وكانت شدة تأثره تدعو للرثاء وهو في هذه الحالة المؤسفة عندما أحس بالظل على الرغم من انه لم يكن مرئيا… وهذا هو سبب هلعه - على الرغم من انه لم ير أو يسمع أي شيء- بل لم يشعر حتى بدخول رأسي في هذه الغرفة.

وانتظرت طويلا كان لا يزال منصبا لم يحرك ساكنا… ولذلك وبهدوء كبير صممت علي فتح الباب قليلا واستطعت أن أحدث شقا صفيرا جدا جدا يدخل منه ضوء الفانوس.

وهكذا فتحت الباب… ولا يمكنك أن تتخيل كيف أنه وبكل خلسة كنت أحاول إشعال الفانوس.. حتى أخيرا استطعت أن أشعل شعاعا خافتا مثل خيط العنكبوت، انطلق من الشق ووقع على عين النسر مباشرة.

كانت الفتحة واسعة جدا.. جدا جدا، استطعت من خلالها النظر ولكني شعرت بالقشعريرة في عظامي عندما حدقت فيه.. ورأيت التباين التام في عينه كانت زرقاء باهتة بالكامل ولكني لم أستطع رؤية أي شيء من وجهه أو جسد الرجل العجوز فلقد وجهت الشعاع كما لو كان بالغريزة على العين الملعونة.

ولكن ما لم أخبركم به ان ما كنتم تعتقدون خطأ انه جنون لم يكن إلا حدة في الحواس…. والآن أقول لكم هنالك وفي تلك اللحظة تهادى إلى أذني صوت ضعيف.. كان صوتا غامضا.. وسريعا.. مثل صوت عق

المزيد


الطيور في كل مكان. شحرور يستخدم منقاره الأصفر في التربة تحت الورد

ديسمبر 21st, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

الحديقة الأخرى

دوريس ليسنغ/ ترجمة: أسامة منزلجي

 

دارت شائعات تقول إنَّ هناك حديقة أخرى مُستترة بين الأشجار.

    قبل أنْ تعثر عليها تفكِّر، ترسم لها صوراً في ذهنك. أتراها مُستترة لأنها تختلف كل الاختلاف عن أي شيء آخر في المُنتزه بحيث أنها تصدم الناس بتنافرها؟ وإذا كانت مختلفة، ومتنافرة، فمن أي ناحية؟ المُنتزه يحتوي أصلاً الكثير من التنوُّع. فهناك طيور وحيوانات من كل أرجاء العالم. قد يتّضح أنَّ هناك شجرة مجلوبة من لبنان، وأخرى من كندا. وطيور النورس تأتي من البحر، وطيور مُهاجرة تحطُّ على المسطحات المائية العديدة في طريقها من قارّة إلى أخرى. وهناك غابٌ بالقرب من القنال حيث يمكن قطف العلّيق، وهناك حقول من العشب القاسي يصلح للتمدُّد أو التدحرُج عليه، أو ممارسة الحب، أو التنزه مع الكلب أو لعب كرة القدم. وهناك أجزاء تشبه رقعة إيطاليا وأجزاء لا يمكن أنْ تكون إلا الجُزُر البريطانية. ويابسة مملوءة بنباتات عليها رقع للتعريف بها لكي يقرأها البستانيون يتمُ الوصول إليها عبر جسر صُمِّمَ على هيئة فنجان شاي. وورود، ونماذج مُصغَّرة لمساقط مياه، وأشجار صفصاف، وبحيرات، ونوافير، ودار للمسرح … فكيف يمكن ألا تكون مناسِبة، وتُعتَبَر غريبة؟ حديقة الرمال، كما يُسمونها في الشرق؟ ولكن من الصعب حقاً التخلُّص من أوراق الشجر المتطايرة. حديقة من الحصى، الملوّن والمتشابه؟ حديقة من التماثيل، مع معدن وحجارة بين الحصى؟

    يصدمكَ المُنتزه بأنه يضمّ كل ما يمكنك أنْ تتصوّره، فعيناك تتنقّلان من أشجار السنديان إلى أشجار الزان إلى دببة واقفة على حواف صخرية أو رأس زرافة يُحدّقُ من فوق دغلٍ مُزهر، ثم إلى صبي صغير يركضُ تحت طائرة ورقيّة على شكل طبقٍ أصفر عليه صورة وجه.

    يأخذ الأطفال من مطبخ أمهاتهم بصلة نابتة وجزرتين، ثم يبحثون عن بقعة صغيرة من التربة الخالية في إحدى الزوايا، ويزرعونها. وتقدّم الأمهات لهم علب البذور ومذراة للحديقة والخبرة، لكنَّ الأطفال يدافعون بشراسة عن تصورهم الخاص: وأثناء الليل تُنبت البصلة عدداً من البصلات، ويتضاعف عدد الجزرات. "كلا، كلا، من هنا، نريدها هكذا، لا نريد بذورك العجوز. تقولين بضعة أسابيع؟ لكنَّ هذه مدة طويلة جداً … نريدها أنْ تنمو الآن!". أتراها مُحاولة الإنسان الأولى لمعالجة الطبيعة؟ كلا، لا يمكن تصوُّر تلك الحديقة، لكنَّ منازل البستانيين والحراس مبثوثة في كل أرجاء المُنتزه، ولعلَّ حول هذه توجد نماذج من تلك الحدائق المُصغَّرة. وفي بناء نسفه القصف، وأُعيدَ بناؤه قبل سنوات، كانت فتاة صغيرة تتسكع في طريقها إلى المدرسة. وصنعتْ لنفسها بيتاً من بعض حجارة القرميد وكسارة الملاط. وأنشأتْ حول البيت حديقة، من أشواك نبتة فورسيتيا ذابلة وأوراق العشب. وفي صباح كل يوم كانت تزودها بنبتة جديدة، نبتة زغفران انتزعتها من حديقة أمها، ثم غصن صغير من شجرة كرز عندما تنبت في فصل الربيع. كانت النباتات تظهر في كل مكان، وكانت الطفلة تأتي في كل يوم بغرض تطوير حديقتها: بكمية أخرى من التراب وببعض النباتات الذابلة. وتسقيها بالماء من روافد تشبّعت بماء المطر أثناء الليل، وتُظللها بلوح من الخشب انتُزِعَ من بقايا البناء. ولم ينفع أي شيء، وماتت. فجلبتْ أصدافاً، وقطعاً من الزجاج والصيني، والحصى، والخرز، وصنعتْ نموذج قالت إنه حديقتها، حديقة لا تموت أو تتيبَّس وتتلاشى.

    حسن إذن، إذا كانت الحديقة الأخرى ليست مُستترة لأنها غريبة، أتُراها تمثّل جوهر المُنتزه، أو التعبير المُركّز عنها؟ وهذا ما اتّضحَ، أخيراً، أنها. وأثناء تنزّهك في المتنزَّه، تنظر إلى الأشجار والشجيرات، تلتفت فتراها. ها هي.

    كان يوماً من شهر كانون ثاني عندما شاهدتها للمرة الأولى. كان الليل بارداً، والسماء بزُرقةٍ توحي بالبرد، وتمتلئ بالسحب المُسرعة.

    كنتُ أنظرُ إلى رقعة مستطيلة من العشب الاعتيادي، تحدّها من الجانبين حدود عميقة. وعلى الجانب القصيّ، دَرَج ضحل، بعرض رقعة العشب تقريباً، ترفع الحديقة إلى مستوى أعلى. وعرض الدَرَج، الذي يتّسع لعدد من الناس يرتقونه معاً، أضفي على ذلك المكان المنزوي والسرّي مظهراً مُرحِّباً، وكأنه ينتظر ضيوفاً. ومع ذلك لا ترى أحد في الأفق.

    طبعاً، أنْ تراها في شهر كانون ثاني يعني أنكَ تتخيَّلها وهي في شهر حزيران؛ وإحساسك بالغربة الذي تعاني منه عندما ترى الحديقة هناك، حيث لا تتوقعها أنْ تكون، يُصبح أشدّ عندما تشاهد حديقتين معاً، يفرض الصيف نفسه على ذلك المشهد الشتوي: بسهولة، في ذلك الصباح، لأنَّ أشعة الشمس تنتشر في كل مكان، وضجيج العصافير، وهي تستحمُّ فيها.

    عشب الحديقة السُفلى، على جانبها الغربي، وفي الظل، كَسَتْه غلالة من الثلج لم يذُب في ذلك اليوم. وبراعم شجيرة الويبرنوم

المزيد


تلك كانت مناسبة لن تضاهى حين حضيت برؤية أمبراطورنا،

ديسمبر 20th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

المخطوطة القديمة 

 فرانتز كافكا

ترجمة وتقديم زعيم الطائي

 

اتخذت هذه القصة تفسيرات عديدة لدى معظم النقاد كغيرها من قصص كافكا، فمنهم من فسرها بالعلاقة الألهية مع البشر، أو مع الكنيسة، التي مغزاها أن الأنسان قد ألقي دون عدل في وضع مضطرب بمواجهة قوى ليست له القدرة على مجابهتها أو التصدي لها، فقد أعتبر تزفيتان تيودوروف أدب كافكا أدباً ميثولوجياً، ومنهم من أعطاها ملامح العلاقة القاسية مع الأب الذي نشأت منه معاناة كافكا في صغره وحياته في الجيتو، مقاطعة بوهيميا، النمسا، بمرافقة مرضه الصدري، الذي قضى عليه شاباً 1924، بعد معاناة قاسية من الفقر والمرض أثر عودته من خطوط القتال وأشتراكه في الحرب العالمية الأولى.. لم ينشر كافكا أياُ من كتاباته بعد تجربة قاسية وفاشلة في نشر عمله الأول، سلمها الى صديقه ماكس برود طالباً منه أحراقها بعد وفاته، وكانت خمس روايات تركت تغيراً كبيراً في الرواية العالمية، هي المحاكمة، القصر، سور الصين العظيم، أمريكا، والتحول أو المسخ. مع مجموعة من القصص القصيرة نشرت بعنوان مستعمرة العقاب، والتي أخترنا منها هذه القصة. الغريب أن نبوءة كافكا قد تحققت بعد وفاته ففي عام 1938 وجدت الأمبراطورية النمساوية نفسها ذات صباح وقد ضمها هتلر الى بلده دون حرب.
***

  يبدو كما لو أن تقصيراً واضحاً في قد حدث في خطوط نظام قطرنا الدفاعية، لم يكن أحد منا يوليه أهتماماً حتى هذه اللحظات، بعد أن شغلنا بأعمالنا اليومية، لكن بعض الأشياء التي أخذت تحدث منذ عهد قريب، بدأت تثير في نفوسنا القلق.
أمتلك محلاً لترقيع الأحذية القديمة يقع وسط الساحة المقابلة لقصر الأمبراطور، قلما أخفض المظلة الخارجية للمحل، حين لمحت على أول خيط من ضياء الفجر، مجاميع من الجند قد أتخذت لها مراكز منذ الليل عند فتحات الشوارع المؤدية الى الساحة، لكن هؤلاء الجنود لم يكونوا جنودنا، وكان واضحاً أنهم من بدو الشمال، بشكل ما لم يكن مفهوماً لدي أن أقتحامهم العاصمة فيه خير لنا، سيما وأن ما يفصلنا عن الحدود مسافات طويلة، على أية حال فقد أتوا، وتعودنا أن نرى أعدادهم في أزدياد صبيحة كل يوم.
وتماشياً مع طباعهم، راحوا يعسكرون تحت السماء المفتوحة، كما تعودوا أن يفعلوا في مساكنهم الكريهة، كانوا يشغلون أنفسهم طوال الوقت بشحذ السيوف، وتلميع النبال، وتدريبات الفروسية، حتى حولوا الساحة الآمنة التي كنا نحافظ على نظافتها دائماً بشكل دقيق، أصطبلاً بمعنى الكلمة. حاولنا مراراً نقل دكاكيننا الى أمكنة أخرى أو على الأقل نقوم بتنظيفها من الأقذار التي لحقت بها، لكننا لم نفلح الا لمرات قليلة، فالعاملين أختفوا ولم تجدِ محاولاتنا القليلة في ذلك نفعاً، أضافة الى تعرضنا ماأن تقترب للخطر تحت سنابك الخيل أوالوقوع فريسة لجلد السياط.
كان فتح حوار أو التحدث مع الغزاة مستحيلاً، فلم يكن أحد منهم يفهم لغتنا، وبينما كانت لديهم في الحقيقة لغتهم، كانوا يتبادلون بالكاد الكلمات فيما بينهم، لكن تواصلهم مع بعضهم البعض يشبه تجمعات زيغان الحقول، فزعيقهم كان يملأ آذاننا كما تفعل الزيغان. لاسيما أن طريقتنا في العيش وتقاليدنا كانت عصية على مداركهم جداً، وحتى لو فهموها فلن يعبأوا لها، ولم تكن لديهم رغبة في أستشعار علاماتنا اللغوية. تستطيع أن تومئ بلوي فكيك وتحريك رسغيك، لكنهم لايفهمون ولن يفهموا أبداً. يأتون أحياناً بحركات مثل شد الوجه، أو يقلبون محاجر أعينهم فتمتلئ شفاههم بالزبد، لكنهم لايقصد

المزيد


رمت حقيبتي نحوه فتناثرت بقايا حياتي على الجسرِ

ديسمبر 14th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

مطبخ الزعفران

تأليف ياسمين كروثر  **
ترجمة : عطية صالح الأوجلي

 

لن أرى طفلي…

كم هو غريب أَنْ لا تعْرف بأنّك حيّ أَو أنّك موشك على المُوت…!!.
لا بد أن ذاك هو ما بدا لجنيني الذي لم يولد بعد.
كُنْتُ قَدْ رُفِستُ في الأحشاءِ من قِبل ابن عمي الشاب، بينما كنت أشده كي لا يقفز من فوق أسوار الجسر نحو الماء الأخضر البارد المتدفق نحو البحر. صرخة أمّي دوت في أذناي بينما كانت تركض نحوي. كان العالم يغيب عن عيناي…. نهر التايمز الذي يخض زبده العالي….  دمدمة زحمة العودة من المدارس إلى البيوت …اهتزاز الجسر. آنذاك، كان الموت يزحف نحو طفلي الذي لم يولد بعد.

عدت بعد برهة إلى عالمي. كان الزحام يطوي الطريق وكأَنَّ شيئاً لم يكن، كنت أنا و سعيد ابن عمي ملتصقان بالرصيف. عندما وَصلتْ أمّي أخيراً، شدتْ سعيد ليقف على قدميه، هَزَّته بعنف، وصاحَت فيه بحدة بالفارسية. تَوقّعتُ أَنْ يبادر بالقفز مرة أخرى إلى النهر الجائع. لَكنَّ حياتَه كانت قد أُنقذت ذاك اليوم. نَظرَ سعيد إلى أقدامِه. هَزّتْ أمُّي كفيها المفتوحين نحوه ونحو السماء، سَألتهَ ما الذي فعلته هي أَو أمَّه المتوفاة حتى يستخف بحياته على هذا النحو. تَوقّفتْ أمي لتلملم أنفاسها. أدارت رأسها نحوي وعندها أدركت بقع الدمّ المنتشرة على تنورتِي الزرقاء الشاحبة.
"أوه، يا سارة." صاحت أمي وسَقطت على ركبتيها على الرصيفِ المبتل ثم صرخت "سعيد، أبحث معي عن هاتفها النقال" .
رمت حقيبتي نحوه فتناثرت بقايا حياتي على الجسرِ: كراساتي المدرسية، مقالات حول عطيل وديمونة، تفاحة, قنينة أقراص حامض الفوليك، مرطب شفاه بطعم الكرز، مفكرتي , ألبوم صور صغير، وتحت كُلّ هذا هاتفي. اتصل أحدهما برقم الطوارئ. أحسستُ بسعيد يَلْفُّ معطف المطر حولي، ذراعيه السمراوين النحيفتين ترتعشان من البرد وتحملان أثار الشجار. أسندتُ رأسي على ركبةُ أمُّي. وبين تشنّجاتي ونحيبي على حياة ضاعت ولم يتسنى لي معرفتها رثيت جوليان زوجي الذي لا زال غافلا عما حدث. ورثيت نفسي.
……………..

موت هنا وهناك…

"لماذا أَنا هنا؟ " تساءلت أمّي بعيون دامعة ذلك الصيف وهي ترتّب مطبخَها اللامع ، تهز رأسها كلما مَسحتْ بيديها. أعادت ترتّيبَ صحن الفاكهةَ للمرة الثانية ورَفضتْ الجُلُوس.
كان ذاك عندما ماتت أختها الأصغر، خالتي مارا التي لم تراها أمي لأكثر من عام. عندما أذكر مارا، أكثر ما أستحضر هو ضحكتَها التي كانت تخرجها كفقعات متموجة. كان كُلّ ما يتعلق بها سمحا وكريما. حتى عندما جلست على كرسي الإعاقة بوجه متورم وشعر مقصوص بدت جميلة للغاية. ماتت خالتي ولم تتمكن أمي من توديعها.
خمسة عقود وقارتين، ومساحات تمتد مِنْ باريس إلى برلين، فينا، براغ، بوخارست، إسطنبول، باكوا، الموصل، كركوك، و تبريز……. تقع بين حياةِ أمِّي في لندن وموت أختها في طهران.

  زوج خالتي مارا تَزوّجَ بعد وفاتها. بَكتْ أمّي وصرخت في الهاتف من وجع الخيانة، بينما كان الإحساس بالذنب يمزقها. طفلا مارا الكبيرين كانا في سن البلوغ حينذاك ، لكن الأصغرَ، سعيد، كَانَ يبلغ من العمر أثنى عشر عاما.  كَانَ سعيد طويلا ونحيفاَ ذو بَشَرَة سمراءِ كأبّيه ,ذو وجه جاد الملامـح و الزوايا، وعيون خضراء كبيرة قلما رمشت تحت تلك الأجفان السميكة.
وصل سعيد إلى بيت أهلي مبكرا ذاك الخريف. وحل بغرفة نومي القديمة، حشر حاجياته في الفراغات التي كانت أمِّي قد تركتها بين الملابس القديمة، الكُتُب، اللُعَب، والصور التي كنت قد تَركتها أَو خَزنتُها هناك على مدى السَنَواتِ الخمس عشْرة منذ مغادرتي البيت.
في عطلة نهاية الأسبوع التالية، غادرت بيتي بمنطقة "ه


المزيد


لأن الفقر لا يملك قلبا، ولا يرق لأحزان طفلة

ديسمبر 14th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

النفاخة الصغيرة
للكاتب الإيطالي: دينو بوزاتي
ترجمة: محمد فري

".. نطق الملاك ” أونيتو ” بعد صمت طويل:
” قل لي يا ” سيغريتاريو “، هل شعرت أحيانا بالسعادة عندما كنت بالحياة؟”
-” يالها من فكرة !، رد صديقه مبتسما، لكن لايمكن لأحد أن يكون سعيدا على الأرض !”
قال ذلك ثم جلب من جيبه علبة ” مارلبورو “…

النفاخة الصغيرة
للكاتب الإيطالي: دينو بوزاتي

ترجمة: محمـــد فــــري

في صبيحة أحد، بعد الانتهاء من سماع القداس، جلس الملاكان ” أونيتو ” و ” سغرتاريو “على كرسيين جلديين سوداوين من نوع ” ميلر “، يتابعان من أعالي السماء، ما يتآمر عليه هؤلاء البشر الأوغاد على الأرض..
نطق الملاك ” أونيتو ” بعد صمت طويل:
” قل لي يا ” سيغريتاريو “، هل شعرت أحيانا بالسعادة عندما كنت بالحياة؟”
-” يالها من فكرة !، رد صديقه مبتسما، لكن لايمكن لأحد أن يكون سعيدا على الأرض !”
قال ذلك ثم جلب من جيبه علبة ” مارلبورو “.
-” أتريد سيجارة؟ ”
- بكل سرور، شكرا، رد الملاك ” أونيتو “، مع أنني عادة لا أدخن صباحا، لكن اليوم هو يوم عيد… ومع ذلك ، كما ترى، أعتقد أن السعادة….”
قاطعه ” سيغريتاريو “:
-” بالنسبة لك شخصيا .. هل حدث لك ذلك؟ ”
-” لم يحدث لي أبدا..ومع ذلك أنا مقتنع أن…”
-” لكن، أنظر إليهم، أنظر إليهم إذن !، صاح الملاك ” سيغرتاريو ” وهو يشير إلى ما يحدث بالأسفل، إنهم ملايير وملايير، اليوم يوم أحد، والصبيحة التي هي من أهم لحظات النهار لم تنته بعد، والنهار رائع به شمس ساطعة، ليس حارا كثيرا، بل تهب أيضا نسمة رطبة ممتعة، والأشجار مزهرة، والحقول كذلك، إنه الربيع، فضلا عن ذلك هم يعيشون ازدهارا اقتصاديا، وعليهم أن يشعروا بالرضى، أليس كذلك؟ ومع ذلك، دلني على شخص واحد، واحد فقط يشعر بالرضى وسط هذه الملايير من الناس، لا أطلب أكثر من ذلك، وإذا دللتني عليه، فسأستضيفك على عشاء فاخر..”
-” طيب ”
أجاب ” أونيتو ” وشرع يبحث بدقة هنا وهناك في الأسفل وسط هذا الازدحام اللامحدود.
انتبه إلى أنه من العبث أن يتوقع إيجاد ذلك من الوهلة الأولى، سيحتاج الأمر على الأقل إلى عدة أيام من العمل. ولكن، من يدري؟
كان ” سيغريتاريو ” يراقبه بابتسامة ساخرة ( سخرية لطيفة طبعا، وإلا فأي ملاك سيكون…)
-” تبا، أعتقد أني وجدته..”
تحدث ” أونيتو ” فجأة وهو يقوم من على مقعده.
-” أين؟ ”
-” في هذا المكان، وأشار إلى قرية مغمورة بين الهضاب، هناك، وسط كل هؤلاء الناس الخارجين من الكنيسة…هل ترى هذه الطفلة الصغيرة؟ ”
-” تلك المقوسة الساقين؟ ”
-” نعم.. تماما.. لكن انتظر قليلا حتى…”
كانت ” نوريتا ” الصغيرة ذات الأربع سنوات، تملك فعلا ساقين مقوسين قليلا، وكانت نحيفة وضعيفة كما لو كانت مريضة، نمسكها أمها من يدها، وتظهر ملامح الفقر على العائلة بسهولة، ورغم ذلك كانت الصغيرة ترتدي فستان أحد أبيض مزخرفا بالدنتيلا، ويعلم الله كم كلف ذلك من تضحيات.
وكانت توجد بأسفل سلم الكنيسة مجموعة من الباعة: باعة ورود، وبائع ميداليات وصور دينية، ثم هناك أيضا بائع نفاخات، حزمة رائعة من النفاخات المتعددة الألوان تتموج بأناقة على أبسط هبة ريح فوق رأس الرجل.
توقفت الطفلة أمام الرجل صاحب النفاخات وهي ممسكة بيد أمها، وفي هذه اللحظة، وبابتسامة مغرية تثير الإشفاق، رفعت عينيها إليها، وفي نظرتها نوع من الشوق والرغبة والحب تعجز عن مقاومته أعتى قوى الجحيم نفسها، فليس هناك سوى نظرات الأطفال التي تملك مثل هذه القوة الهائلة، ربما لأنهم صغار، ضعاف أبرياء ( كذلك نظرات بعض الجراء التي تتعرض لسوء المعاملة).
ولهذا الأمر بالضبط، كشف الملاك ” أونيتو ” العارف بالأمور عن الطفلة الصغيرة، معتمدا تفسيره الآتي: إن رغبة امتلاك نفاخة عند هذه الطفلة جد قوية إلى درجة سترغم أمها على تلبية طلبها إن شاء الله، وستكون حتما سعيدة، ربما لساعات قليلة فقط لكنها ستكون سعيدة على كل حال، وإذا حدث ذلك حسب تقديري، فسأربح رهاني مع ” سيغريتاريو “.
كان باستطاعة الملاك ” أونيتو ” أن يتابع المشهد الذي يحدث بالأسفل في ساحة القرية، لكنه لم يكن باستطاعته أن يسمع ما قالت الصغيرة لأمها ولا ما أجابتها به هذه الأخيرة، وذلك بسبب تناقض لم يعرف سره أحد: فالملائكة يستطيعون مشاهدة ما يحدث بالأرض انطلاقا من الجنة، وكأن بداخل أعينهم آلات تلسكوب قوية، لكن ضجيج الأرض وأصواتها لا يصل إليهم ( ماعدا في حالات استثنائية كما سنرى بعد حين ): ربما هو إجراء من أجل المحافظة على أعصاب الملائكة من ضجيج المحركات الوحشي.
أرادت الأم متابعة طريقها وهي تمسك بيد طفلتها الصغيرة، وفي لحظة خشي الملاك ” أونيتو ” أن ينتهي الأمر عند هذا الحد، تبعا للقانون المرير المنتشر بين البشر، قانون الإخفاق والخيبة.
ذلك أن الطلب المثير الذي كان يشع من عيني ” نوريتا ” لا تقوى عليه أعتى الجنود المصفحة في العالم، لكن الفقر بإمكانه أن يقاومه، لأن الفقر لا يملك قلبا، ولا يرق لأحزان طفلة.
لحسن الحظ ، شاهد الملاك الطفلة ” نوريتا ” وهي

المزيد


وفجأة تفجر ضوء في داخلي.

نوفمبر 22nd, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

"إحـــدى عـشـــرة دقــيــقــة"
لـبــاولـــو كـويـلـــو

مــا دوّنـتــه مـــاريـــا فــي يــومــيـــاتـهــا

اذا جردنا الجنس من كل ملحقاته ماذا يتبقى منه؟ سبع دقائق؟ ام احدى عشرة دقيقة؟ كيف يمكن ان نطيل المدة؟ بأي علم نستنير؟ كيف يمكننا نحن النساء ان نكون اصدق مع انفسنا ومع الآخرين فنعلّم الرجال اسرار اجسادنا ونتعلم منهم اسرار اجسادهم؟ لكن، هل الحكاية علم فعلا ام ان الشغف يبقى المعلم الاكبر؟ ماريا فتاة برازيلية تحلم بالحب الكبير. يدفعها حبها للمغامرة للذهاب الى سويسرا لتعمل راقصة في حانة ثم في ممارسة الدعارة، هل اختارت الدعارة عن سابق تصور وتصميم، اي حبا بالمال وهربا من اهوال الحب والوحدة، ام ان المصادفة هي التي دفعتها لترمي بنفسها في هذه المهنة التي يقال عنها انها "اقدم مهنة في التاريخ"؟ قلما يهم. المهم انها عاشرت من الرجال ما جعلها تعيش باستمرار في عالم الجنس من دون متعة، وفي عالم الفانتاسمات الكثيرة من دون معنى. فهل يمكننا والحال هذه ان نسأل عاهرة عن سر المتعة الحقيقية؟ اين يكمن يا ترى؟ وكيف استطاعت ان تتجاوز التفاهة والطمع ودمار النفس لتعيد الى حياتها ألقها والى وجهها "الضوء"؟ تحيط رواية "إحدى عشرة دقيقة" للروائي البرازيلي المعروف باولو كويلو، مؤلف "الخيميائي"، بالكثير من الاسرار والمسائل المتعلقة بموضوع الجنس والحب من دون لف او دوران او تمويه، لكأن الثورة الجنسية التي شهدها القرن الماضي وكل المحاولات التي اثيرت لتحرير الجسد لم تتح للرجل او للمرأة فرصة المصالحة الحقيقية. فما هي القيم التي تستند اليها هذه المصالحة؟ هذا ما تحاول الرواية الاجابة عنه ببساطة وعمق وهي تصدر قريبا لدى "شركة المطبوعات للتوزيع والنشر"، بعدما نقلتها ماري طوق الى العربية واختارت لـ"الملحق" هذا المقطع.

إمرأة ورجل: فرنسيس بيكابيا.


رجل وإمرأة: إيغون شيلي.

لا اعرف ما الذي كان يفكر فيه عندما فتح الباب في ذلك المساء ورآني وانا احمل في يدي حقيبتي.

قلت له على الفور:

-لا تشغل بالك كثيرا. لن اقيم في بيتك. تعال نذهب لتناول العشاء.

ساعدني في ادخال حقيبتي من دون ان ينبس بكلمة. لم يقل: "لم هذه الحقائب؟" او "كم انا سعيد برؤيتك". امسك ذراعي ببساطة، جذبني اليه وبدأ بتقبيلي وهو يمرر يديه على جسدي ونهديّ وعضوي، كأنه انتظر هذه اللحظة منذ زمن طويل او كأنه يحدس ان هذا اللقاء سيكون الاخير.

جردني من سترتي وثوبي وتركني عارية. وهناك في الردهة، من دون اي مقدمات، والهواء البارد ينساب من شقوق الباب، مارسنا الحب لأول مرة. رأيت ان من الافضل ان نكف عن مواصلة عملنا وان نبحث عن مكان مريح اكثر، لأثبت له ان لدينا متسعا من الوقت لاكتشاف الاسرار التي اودعها القدر والكون في اجسادنا. لم اقل شيئا. اريده فيّ، فهو الرجل الذي لم امتلكه ولن امتلكه ابدا. لذا استطيع ان احبه بكل كياني وان احصل منه - ولو لليلة واحدة - على سعادة لم احلم بها في حياتي ولن يتسنى لي بلوغها مع رجل آخر.

مددني على الارض وولجني من دون ان يكون عضوي رطبا، لكن الالم الذي شعرت به لم يزعجني - على العكس، احببت ان يكون ولوجه مؤلما، جميل ان يدرك انني ملكه وانه لا يحتاج ان يطلب اذنا مني للدخول. لست هنا لأعلّمه شيئا من خبرتي كعاهرة ولا لأظهر انني متفوقة في احساسي على النساء الاخريات. انا هنا فقط لأقول له "نعم" وانني استقبله بكل كياني وانتظره مثلما ينتظرني وإن تجاوز حدود البروتوكول بيننا يبهجني. لكن، فلنترك الآن لغرائزنا ان تقودنا الى حيث تشاء، انا المرأة وهو الرجل. كنا في الوضعية الاكثر تقليدية. انا تحته وساقاي منفرجتان وهو فوق يتمرغ بي - نظرت اليه من دون اي رغبة في التصنع او التأوه او اي شيء. رغبت فقط بأن ابقى مفتوحة العينين لأتذكر كل دقيقة واراقب تقاسيم وجهه وحركات يديه اللتين تعبثان بشعري وفمه ينهال عليّ عضا وتقبيلا من دون اي لمسات تمهيدية او غير مألوفة. فقط هو فيّ وانا في روحه.

كان يتمرغ بي فيثور حينا ثم يهدأ ثم ينظر الى وجهي حينا آخر. ولم يكن ليسألني هل اجد متعة في ما يفعله، لأنه يعرف انها الطريقة الوحيدة لتتواصل روحانا في هذه اللحظة. زاد جموحه في داخلي وعرفت ان الدقائق الاحدى عشرة شارفت على نهايتها. ليت تلك اللحظات تستمر الى ما لا نهاية! ما اجمل ان يمتلكني رجل والا امتلكه! حصل هذا كله وعيناي مفتوحتان تراقبان كل ما يجري الى ان اصبح ادراكنا بما حولنا مشوشا وكأننا دخلنا في بعد آخر حيث كنت الام العظيمة والكون والمرأة المحبوبة والعاهرة المقدسة في الطقوس القديمة التي حدثني عنها وانا احتسي كأس النبيد واتدفأ بنار المدفأة. شعرت بدنو نشوته قبل ان يبلغها! طوقته بذراعي وشددته الى صدري وزاد ولوجه حمأة وسرعة وعندئذ اطلق زعقة عالية - لم يتأوه ولم يعض على شفتيه بل زعق! وزأر مثل حيوان! خطرت لي الفكرة ان الجيران سيستدعون الشرطة لتتعقب الصارخ وتتبين سبب الصراخ. لكن الامر لم يبد له اهمية. تضاعفت لذتي عند سماع صرخاته التي ذكّرتني بغياهب الازمنة حين التقى اول رجل واول امرأة ومارسا الحب.

وما لبثا ان اطلقا معا زعقة واحدة!

ثم تداعى جسده فوقي. لا اعرف كم من الوقت بقينا متعانقين هكذا. داعبت شعره كما فعلت في ذلك المساء حين وضعنا المنديل الاسود، وكانت العتمة كاملة في غرفة الفندق. شعرت ان خفقات قلبه تهدأ وأن يديه تمران برفق على ذراعي فتقشعر لمرورهما كل شعيرات جسدي. ثم تنبه الى ثقل جسده الذي يضغط عليّ فمال ناحية وهو يمسك بيديّ وبقينا معا ننظر الى السقف والثريا.

قلت له:

-ليلة سعيدة.

جذبني ناحيته مسنداً رأسه الى صدري وداعبني طويلا ثم قال لي بدوره:

-ليلة سعيدة.

قلت:

-لا بد ان الجيران سمعوا كل شيء!

لم اشأ ان اقول له "احبك" في هذه اللحظة لأنه لم يكن لذلك معنى كبير. هو يعرف ذلك وأنا ايضاً.

اجابني:

-الهواء المنساب من شقوق الباب بارد جدا.

بدل ان يهتف قائلا: "ما اروع تلك اللحظات".

ثم اضاف:

-لنذهب الى المطبخ.

نهضنا ولاحظت انه لم يخلع سرواله كليا. كان لا يزال مرتديا ثيابه وعضوه ما زال ظاهرا. لبست سترتي ولحقت به الى المطبخ، اعدّ القهوة ودخن سيجارتين فيما دخنت سيجارة واحدة. جلس امام الطاولة وكان يقول لي "شكرا" بعينيه وكنت اجيبه "انا ايضا اريد ان اشكرك" لكن شفاهنا ظلت مطبقة.

ثم تجاسر وسألني:

-ماذا تعني هاتان الحقيبتان؟

-اعود الى البرازيل غدا صباحا.

هل كان يجدر بي ان اقول: "احبك" او "اود لو ابقى هنا معك" او "اطلب مني البقاء"؟

-لا تفعلي.

ما اجمل ان يقول لي ذلك.

-لا استطيع، هذا وعد. هذا قسم.

لو اني لم اقم بهذا الوعد لكنت اعتقدت ان هذا سيدوم الى الابد، وهو ليس كذلك. ليس الا جزءا من حلم فتاة جاءت من بلاد بعيدة جدا لتتعرف الى مدينة كبيرة وتواجه الف مشقة لكنها التقت الرجل الذي تحبه. هذه ايضا نهاية سعيدة لأنني بعد كل المشقات ال

المزيد


ونلاحظ أن قليلاً من أصدقائنا قد استسلموا داخلياً

نوفمبر 19th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , قصة

قصة طريقين
" قصة عن الشقاق والوفاق"
باولو كويليو
ترجمة : ياسر شعبان
قبل قرون من امتلاء وسائل الإعلام بأخبار عما يسمى " تأثيرات العولمة " ، حكى الشيخ " قالندار شاه " القصة التالية في كتابه " أسرار الوحدة " .

في شرق " أرمينيا " كانت هناك قرية صغيرة تقع بين طريقين متوازيتين ، تُعرفان بالطريق الجنوبية والطريق الشمالية .

وذات يوم وفد إلى القرية مسافر قادم من مكان بعيد ، جاء سائراً عبر الطريق الجنوبية ، وقرر زيارة الطريق الثانية أيضاً . ولاحظ التــجار المحليين امتلاء عينيه بالدموع .

وقال الجزار لتاجر الملابس " لابد أن شخصاً ما قد لقى حتفه على الطريق الجنوبية . انظر كيف يبكي هذا المسافر المسكين بعد أن مر بها " .

والتقطت أذنا أحد الأطفال تلك الملحوظة ، ولأنه يعرف أن الموت شيء سيء للغاية ، بدأ البكاء الهستيري . وفي الحال بكى جميع الأطفال بالشارع .

وانزعج المسافر ، وقرر الرحيل على الفور . وألقى من يديه ثمار البصل التي كان يقشرها ليأكلها وهي سبب امتلاء عينيه بالدموع ، ثم اختفى .

وبعد برهة ، شعرت الأمهات بالقلق لبكاء أطفالهن ، فأسرعن لمعرفة ما يحدث ، وسرعان ما اكتشفن أن الجزار وتاجر الملابس ثم غيرهما من التجار قد انشغلوا بأمر المأساة التي وقعت على الطريق الجنوبية .

وسرعان ما انتشرت الشائعات . ولأن عدد سكان القرية محدود للغاية ، عرف جميع القاطنين بالقرب من الطريقين أن شيئاً خطيراً قد حدث . وبدأ الكبار يشعرون بالخوف من حدوث الأسوأ ؛ متوقعين الانكشاف التدريجي لأبعاد المأساة ، وفضلوا عدم طرح أية أسئلة حتى لا يزيدوا الوضع سوءاً .

وكان هناك رجل أعمى يعيش عند الطريق الجنوبية ويجهل ما يحدث ، ولذلك سأل : ما سبب كل هذا الحزن في مكان كان سعيداً دائماً .

فأجابه أحد السكان : هناك شيء فظيع حدث بالطريق الشمالية . فالأطفال يبكون ، والرجال متجهمون ، والأمهات ينادين أطفالهن ليعودون إلى البيوت ، والزائر الوحيد لهذه المدينة منذ سنوات عديدة ، غادر وعيناه ممتلئتان بالدموع . ربما ضرب الطاعون الطريق الأخرى .

ولم يمر وقت طويل حتى انتشرت شائعة وجود مرض قاتل – لم يكن معروفاً من قبل – في القرية كلها . ولأن البكاء بدأ مع مجيء مسافر إلى الطريق الجنوبية ، أصبح واضحاً بالنسبة لسكان الطريق الشمالي أن الطاعون لابد ظهر هناك . وقبل مجيء الليل ، ترك السكان منازلهم إلى الجبال في الشرق .

واليوم – بعد قرون – ما زالت  القرية التي مر بها المسافر وهو يقشر  البصل ، ما زالت مهجورة .

وغير بعيد عنها ، ظهرت قريتان أخريان تدعوان " الطريق الشرقية " و " الطريق الغربية " . وما زال السكان ؛ من ذرية سكان القرية الأوائل ؛ لا يتحدثون إلى بعضهم البعض لأن الزمن والخرافة وضعا حاجزاً من الخوف بينهم .. فلقد استقر بداخلهم أنه إذا ما حاولوا إعادة الصلات ، سيواجه مجتمعهم خطراً هائلاً .

 ويعلق الشيخ " قالندار شاه " : لا يعتمد كل شيء في العالم على الأشياء ذاتها ، بل على علاقتنا بها .

وعندما ننظر إلى عالم اليوم ، نستطيع إدراك كم ما زالت كاشفة . ففي نهاية تسعينيات القرن الماضي ، لابد أن مسافرنا قد انفجر بالضحك بينما كان يمر بإحدى الطرقات الكبرى للقرية الكونية . فبينما اختفى الاقتصاد القديم ، برزت الأسواق المالية ، سقطت الجدران ، انخفضت معدلات الفائدة ، وتراجعت القيم الإنسانية إلى ما كانت عليه بنهاية القرن التاسع عشر ، ووصلت الحكومات المحافظة إلى السلطة . وبدا كل شيء في حالة من التناغم المثالي . وكل ما كان مفتقداً ، شيء تحتاجه كل حضارة لكي تستمر .. عدو .

وكان من الصعب جداً التورط في حروب جديدة ، وهكذا لم يكن ممكناً اعتبار الإبادة في ( رواندا ) أو الحرب الأهلية في يوغوسلافيا .. ذلك العدو .

وهكذا ، وبنهاية القرن الماضي ، كان الشرير الأعظم هو السيجارة . نعم ، صدق أو لا تصدق ، منذ وقت قريب كان التهديد الأعظم للعالم الحديث ، تلك اللفافة الورقية الصغيرة المحشوة بالأوراق الجافة ، بطرف مشتعل ، وآخر غير مشتعل .

وقبيل الهجمات الإرهابية كان هناك مسافر آخر يطوف بالقرية الكونية وهو يأكل البصل . وعادت الحرب العادلة إلى أوروبا ومعها ما ألحقته من دمار هائل ، وكان ذلك في " بلجراد " .

وبدأت أسواق المال تنهار ، واتجه المحللون ؛ الذين سبق ونصحونا بشراء الأسهم ؛ إلى توقع انهيار لا يمكن تجنبه . وبدأ الناس يشعرون بالقلق على استثماراتهم وتقاعدهم وما القرارات التي يجب عليهم اتخاذها .

أما الخطر الحقيقي فظهر في صباح الحادي عشر من سبتمبر لعام 2001 ، وبدت الإنسانية على شفا انهيار عصبـــــي ، ففي تلك اللحظــــة حدث شقــــاق كبير بين سكـــان " الطريق الشمالية " – ويعرفون كذلك بالمسيحية اليهودية – وبين سكان " الطريق الجنوبية " – ويعرفون كذلك بالإسلام .

ورفضت ذلك الصحف كلها ، وكذلك خرجت البرامج التليفزيونية لتقول : " لا شيء تغير " ، وتقابل رجال الدين من كلا الطرفين في مؤتمرات دولية وعاملوا بعضهم البعض بتسامح واحترام أما في الحياة الواقعية ، فإذا كان جارنا مسيحياً أو يهودياً ( في الطريق الجنوبية ) أو كان الجار يذهب إلى المسجد ويطلب من زوجته ارتداء الحجاب ( في الطريق الشمالية ) ، فمن الأفضـل نتابعه بحرص لأن شيئاً فظيعاً قد يحدث بأية لحظة .

فهل من الممكن إعادة توحيد هاتين القريتين قبل اندلاع الهستيريا وتوابعها الأشد خطورة . وهذا ما أظنه . يجب أن ننحي جانباً التحليل السياسي ، الخطط الاقتصادية والدراسات الاجتماعية ، لنبحث عن إجابة لسؤال رئيسي : من أكون ؟ ولماذا أتصرف هكذا ؟

وليس من طريقة للقيام بذلك أفضل من النظر إلى حياتنا كما لو كانت سباق دراجات .

وعندما كنا صغاراً ، وعند بداية السباق كنا ننطلق سوياً متقاسمين الصداقة والحماس . ولكن مع تقدم السباق ، تتراجع السعادة المبدئية أمام التحديات الواقعية – الإرهاق – الضجر – والتشكك في قدراتنا الشخصية .

ونلاحظ أن قليلاً من أصدقائنا قد استسلموا داخلياً ، لكنهم ما زالوا يقودون دراجاتهم فقط لأنهم لا يستطيعون التوقف بمنتصف الطريق . وكثيرون يبدلون إلى جوار السيارات الداعمة ، مشغولين بمنولوجهم الداخلي للو

المزيد


التالي