سارتر والبير كامو
صداقة هجومية بدأت بارتجالات الفلاسفة


خطير هو هذا الكتاب الذي صدر عن سلسلة عالم المعرفة والذي حمل عنوان ((كامي وسارتر)) - قصة الصداقة والصراع الذي أنهاها - وهو من تأليف ((رونالد أرونسون)) وترجمة ((شوقي جلال)).
ولأرنسون - وهو أستاذ البحوث البينية في جامعة (wayne state)، كتب أخرى عن سارتر منها: ((الحقيقة والوجود عند سارتر - النقد الثاني لسارتر)) أي أنه من المتخصصين بالأدب الفرنسي وتاريخه.
وإذ عدنا الى المقدمة التي كتبها الأستاذ ((شوقي جلال)) الكتاب فسنقرأ أن ((ألبير كامي وجان بول سارتر)) مفكران مبدعان في تنوع : في الأدب والفلسفة وفي الرواية والمسرح وفي السياسة والصحافة.
وكذا في المقاومة صاغا إطار الفكر الثقافي الذي دار في فلكه المثقفون في العالم إبان الحرب العالمية وبعدها على مدى الحرب الباردة.
إتفقا وتحالفا وإختلفا وتباعدا ودارت بينهما معارك فكرية هي شهادة على ثقافة عصر وعلى كل ما عاشته ثقافة العالم من توتر وأمل وإحباط وظلت الصداقة والإعجاب المتبادل ثم الخصومة والقطيعة والصراع قصة غير معروفة بالكامل.
أنها قصة الصراع السياسي والفكري على الصعيد العالمي… وقصة الصراع بين السياسة والأخلاق… بين متغيرات السياسة وثوابت الأخلاق… تقاسماً مع موقف سياسي العالم: سارتر أم كامي؟.. مع السياسة والوسيلة أم الأخلاق والمبادئ… مع العنف طريقاً للحرية أم الحرية وسيلة وغاية للبناء والتقدم… أم هناك موقف ثالث؟… ثم بين المترجم إن هذا الكتاب هو دراما واقعية معززة بالوثائق والسيرة الذاتية وشهادات الكتاب والمفكرين… عن قصة (صداقة) البير كامي وسارتر وصراعهما المرير، وقد وضعت مفردة (صداقة) بين قوسين لأنها ستبشر وأرجو أن نكمل قراءة الكتاب بدقة والكثير من الإلتباس.
هل كان كامي وسارتر صديقين حميمين بمعنى الصداقة الحقة البعيدة عن التحسس والتحاسد والضغائن والقائمة على التضحية والمحبة العميقة؟.
لم يستطع المترجم في مقدمته إلتقاط ما هو غاطس تحت سطح العلاقة بين هذين المفكرين البارزين وهو الأمر ليس من واجبه بالتأكيد لكن المؤلف وهو مختص بالأدب الفرنسي كما قلت كان متردداً بالأفصاح وبصورة قاطعة عن أمرين:
الأول: أن العلاقة بين سارتر وكامي كانت علاقة صراع ومنافسة منذ البداية.
والثاني: هو أن موقف سارتر الهجومي ومقالته الشهيرة ضد كامي كانت سبباً أساسيا في تأزم شخصية الأخيرة وتصعيد سلوك الإنتحاري الهادف إلى تدمير الذات وتوتر علاقاته مع الأخرين.
لنعد إلى التذييل الذي ختم به ((أرونسون)) كتابه والذي إستعرض فيه مسرحية لم تنشر لألبير كامي هي ((ارتجالات الفلاسفة)) وهي مسرحية من فصل واحد كتبها كامي في العام 1946 ويصفها المؤلف بأنها شديدة الجاذبية ومسلية وزاخرة بالتلميحات عن سارتر وكانت محفوظة لدى ((كاترين كامي)) إبنة كامي.
تتحدث المسرحية عن السيد ((فين)) وهو صيدلاني وعمدة ريفي يزور بائعا جوالا يروج لمذاهب جديدة هو مسيو نيانت (والتي تعني العدم) فمن أخر باريس أو فرنسا سيتجه إليه فكر الناس عند سماع أسم نيانيت وهو الاسم المختار عمدا من سفر سارتر العظيم؟ ويخدع نيانت فين لإنجيل جديد الذي يحمله معه من باريس ويتضمن السفر الكبير الذي يكدسه نيانت حوله وهذا تلميح شبه واضح في كتاب سارتر الشهير ((الوجود والعدم)).
ويقول فين لأبنته (صوفي) أن صديقها ((ميلوسين)) سوف يطلب منها إذا كان يحبها حقاً أن يشاركها غرفتها وقد يفضي هذا الى إنجاب طفل سفاحا وهنا يحاكي كامي تأكيد سارتر الفلسفي على المواقف المتطرفة ويلعب بشكل مباشر بكتاب سارتر ((عصر العقل)) الذي أحدث إثارة أدبية في خريف العام 1945 ويخبر السيد فين أبنته ان فتاها لا يمكن ان يحبها من دون إلتزامات، ولن يكون ملتزماً دون أن يصفها في موقف مروع.
ويتذكر كامو في إحدى التبادلات فكرة سارتر المشهورة عنه وهي أن الفرنسين لم يكونوا أكثر حرية ما كانوا عليه في ظل الإحتلال الألماني وهو ما يتمثل في قول (نيانت) أن حرية الفرد رهن بلكونه مقهورا… وها هنا تلميح واضح بواحدة من أشهر مسرحيات سارتر حيث يتسلى كامي بفكرتها وهي أن الجحيم هو الأخرون… المهم: هل كان كامو كما يتساءل ((أرونسون)) يقصد الدعابة نقط؟ أم أن المسرحية تلمح من طرف خفي إلى ما سوف يكون فيما بعد من تباعد حاد بين الرجلين بل ربما يشير إلى تصدع العلاقة والإفتراق؟… لا اعلم لما يتساءل المؤلف في خاتمة كتابه بهذه الطريقة وهو الذي ساق عشرات الأمثلة والوقائع التي تؤكد أن علاقة كامي - سارتر كان محكوما عليها بالفشل وان تنتهي بصراع منذ البدا


























