من الصواب أن نعطي النسر ما يطالب به من «جسد» الإنسان

يوليو 23rd, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

ألف وجه لألف عام - «برومثيوس» أندريه جيد

نحو إنسان يحرّر نفسه من القواعد الضاغطة
إبراهيم العريس

 أحب الشعراء جميعاً شخصية برومثيوس. وراحوا يكتبون له وعنه القصائد والمسرحيات، كما ان رسامين كثراً تفننوا في رسم لوحات تصوره على مختلف وجوهه. ونعرف ان حامل النار هذا وملهم الشعراء، كان موضوع كتابين صدرا في مصر قبل سنوات مترجمين عن الإنكليزية (منشورات المجلس القومي للثقافة) ضمّا تلخيصاً وشرحاً وربطاً للعديد من النصوص والكتابات القديمة والحديثة التي تناولت هذه الشخصية الآتية، أصلاً من عالم الأساطير اليونانية.

والحال ان القرن العشرين لم يشذ عن هذا الاهتمام إذ نجد العديد من كتابه المسرحيين وشعرائه يخصون برومثيوس بنصوص أهم ما في معظمها أنها حررت الشخصية من عبء الماضي الذي كان يكبله ضمن أطر وأفكار تقليدية، لتعطيه جزءاً من حرية لا تتناسب معها بالنسبة الى البعد التاريخي فقط، بل تتناسب مع ما كان يجب ان تكون عليه صورة برومثيوس منذ القدم، أي، في كلمات أخرى، أن القرن العشرين، زمن الهزائم الكبرى والانتصارات الملتبسة، زمن النار وانفلات الأدب، ما كان يمكنه ان يرضى لبرومثيوس بصورته القديمة. ومن هنا عُصرن «الرجل» وصار جزءاً من ثقافة التمرد وحقوق الإنسان بصورة عامة. وفي هذا الإطار قد يكون من المفيد ان نذكر واحداً من اهم النصوص التي كتبت عن برومثيوس في القرن العشرين من منطلق ذهنية هذا القرن نفسها.
ونعني بهذا النص، ذلك الذي كتبه الفرنسي اندريه جيد ونشره عام 1899، لكنه افتتح به ثقافة القرن العشرين وحداثته.
عنون اندريه جيد نصه هذا بـ «برمثيوس الذي أسيء تقييده»، وهو في عرف النقاد ودارسي أعمال هذا الكاتب الكبير، كتب خلال الحقبة التي يقال عنها دائماً انها كانت مناسبة تماماً لكتابة جيد أعماله الدراسية، وليس أعماله الإبداعية الخاصة. أي المراحل التي شهدت ظهور كتب مثل «بيت شيبا»، «فيلوكنيت» و «إلحاح» وهي من بين اعمال جيد المبكرة الكبرى.
بل ان ثمة بين النقاد من يقول ان «برومثيوس» جيد، هذا يعتبر من أنضج أعماله على الإطلاق، وعلى الأقل خلال النصف الأول من حياته ومساره الإبداعي. ويقول النقاد ان اهمية هذا العمل التي تلوح منذ النظرة الأولى تكمن في ان جيد اوضح لنا منذ البداية انه نقل البطل الأسطوري الإغريقي الى عصرنا الحديث. وهكذا منذ الصفحة الأولى للنص نكتشف برومثيوس المعاصر لنا، جالساً الى طاولة في مقهى وهو يستمع الى ما يحكيه له شخصان هما كوكليس وداموكليس… وما يحكيه هذا غريب في غاية الغرابة كما سنرى.
منذ الحوارات الأولى ندرك ان هذين الشخصين إنما هما تابع وضحية رجل ثري وغامض لا يفوت خادم المقهى ان يؤكد لنا انه يعرفه. وما هذا الشخص سوى صاحب مصرف يدعى زيوس، نكتشف ان من بين هواياته القيام بتصرفات غريبة ومجانية، وانطلاقاً من هذا التمهيد سرعان ما ستولد امام اعيننا سلسلة من الأحداث المتتالية التي إن كانت تبدو لنا غير متوقعة بعض الشيء. سرعان ما تبدو – ايضاً – متسمة بالمنطق، وهي كلها أحداث لها علاقة بالثلاثة الجالسين الى الطاولة برومثيوس وداموكليس وكوكليس. وذات لحظة يبدو برومثيوس وكأنه عازم على إرهاب بقية الحضور إذ نراه يستدعي نسره الذي يأتي وسط خوف الآخرين وفضولهم ليبدأ من فوره في قضم كبد برومثيوس والتهامه. ونحن، معشر القراء، ندرك من فورنا ان هذا النسر إنما يرمز في حقيقة أمره الى ضمير برومثيوس. فهو يغذيه ويتمتع بمشاهدة مسراته، من دون ان يدرك في الوقت نفسه انه اذ يجعله دائماً وسيماً اكثر وأكثر، إنما يفنيه ايضاً ويهلكه بالتدريج، بل اكثر من هذا» ان برومثيوس يعتقد بأنه ناجح تماماً في النظرة التي دفع الآخرين الى إلقائها على النسر، ومن هنا يقرر مواصلة مشواره المعرفي ومشوار الوعي لديه، جاعلاً من نفسه ناطقاً

المزيد


الجسد ينتشر في القصيدة ، عن طريق مطالب ملحة

مايو 31st, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

القصيدة و الجسد

حنا عبود

 إن الشعر ملك الملوك ،لأنه هو الأساس وهوالمنشأ لكل الفروع والأنواع الأخرى. وقد ربطنا بين الشعر والجسد ،فلا يوجدعضو من أعضاء الجسدإلا يتقدم بمطالبةإلىالسلطةالمهيمنة… إلى العقل.. وهناك في القبةالجاثمة بين الكتفين تتم دراسة الطلبات، بعضها يرفض ، وبعض منها ينفذ، وبعضها الأخر يقمع ويوبّخ العضو ويعاقب على مطالبه تلك. فالقمع النفسي لا يتحقق في الهواء.. إنه يتحقق داخل الجسد، والحرية النفسية بالمقابل، لا تتحقق في في الهواء، بل في الجسد نفسه. فالطبيعة البشرية خزان النفس ومستودعه،فلا بد من الانطلاق منها لمعرفة (المعنويات المتجسدة في كتابة).إنها مقياس المقاييس، ورادار المعرفة. إن أي فكرة في مجال الشعر، مهما أوغلت في التجريد، لا بد من أن تستعين بأعضاء الجسد وأجهزته، حتى يكون لها حضور وبروز، بدءاً من الخلية وانتهاء بأرقى الأجهزة العصبية. ومهما أوغل الشاعر في التجريد، ومهما أكثر من استخدام (الأمل) و(الرجاء) و(المحبة) و(الصبر

المزيد


من بودلير الى جوريس كارل ويسمانس. وعندئذ، سنشهد عودة المفردات القديمة للكآبة،

فبراير 20th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

الكآبة

السويداء سبب عبقرية الغرب وجنونه

لم يشغل الغرب أي ميل للنفس البشرية زمناً طويلاً وبشكل مستمر كما شغلته الكآبة (Mlancolie). وإلى حد اليوم يبقى هذا الموضوع في صلب المشاكل التي يواجهها الإنسان، ويطال ميادين مختلفة: الفلسفة، الأدب والفن، طب الأمراض العقلية، الدين، الخ. وهذا ما يمنح المعرض المقام حالياً في "القصر الكبير" (باريس) كل أهميته. فمن المسلات الإغريقية وحتى الأعمال الفنية المعاصرة، مروراً بفنانين كبار مثل ديورر وبوسان وغويا وفريدريش ودولاكروا ورودان وفان غوغ ومونخ ودو كيريكو وبيكاسو، يقدّم المعرض الذي يتألف من 250 تحفة فنية تتراوح بين رسوم ولوحات ومحفورات ومنحوتات، نظرة شاملة لتمثيلات الكآبة في الغرب، مبيّناً كيف أن هذا الطبع الخاص سيكيّف العبقرية الأوروبية.

والكآبة التي تسبّب الألم والجنون هي أيضاً، منذ أرسطو، طبع الشخصيات العظيمة. وتشهد تسميتها بـ"المرض المقدّس" على هذه الازدواجية. غامضة، لا تزال الكآبة تحمل هذه الصفة الى حد اليوم، وإن أُخضعت منذ فترة قصيرة لمقاربة طبية وعلمية تحت تسمية "اكتئاب" أو "إعياء نفساني" (d?pression). ومن الرومانسية الى ما بعد الحداثة، شكّلت جميع الطوباويات الاجتماعية إعلانات حرب على "شعور التعاسة"، كما حرّمت أيديولوجيات التقدّم مشاعر النفس، وبشكل خاص عنف الكآبة. ولكن منذ بضع سنوات، حصل تغيير في عملية تفسير هذا الطبع. إذ بدأ مؤرخون، مثل جان ستاروبينسكي، بالنظر الى الكآبة كمحاولة للابتعاد بالنفس عن "خيبة الأمل" التي يخلّفها العالم فينا. وهي النظرة التي يتبناها القيّمون على المعرض الحالي من خلال كشفهم عن غنى التمثيلات الصورية المذهل لهذه الحالة النفسية وتنوع المشاعر التي تعبّر هذه الصور عنها، كالرقّة والعنف والوهن والهيجان والحلم والغضب واليأس. ولهذا لا نعجب أن يقوم تاريخ الفن ـ مع مؤرخين مثل ريمون كليبانسكي وإيرفين بانوفسكي وفريتز ساكسل ـ بمنح أسس المقاربة الجديدة لتاريخ الكآبة.

الصالات

يتألف المعرض الذي يحترم التسلسل التاريخي لظهور الأعمال الفنية المعروضة، من ثماني صالات:

الصالة الأولى مخصصة للكآبة في العالم القديم ويتقدم الأعمال المعروضة فيها سؤال أرسطو الشهير: "لماذا جميع الذين تميّزوا في ميادين الفلسفة والسياسة والشعر والفن كانوا أشخاصاً كئيبين، حتى ان بعضهم عرفوا ألماً شديداً مصدره "المِرّة السوداء" (مٌىق مْىَُ)؟ ويشير المعرض في هذا السياق الى تثبيت نظرية الطباع الأربعة في كتابات هيبوقراط في القرن الخامس قبل الميلاد. وقد اعتُبرت الكآبة كأخطر هذه الطباع نظراً الى تقلّباتها. ونشاهد في هذه الصالة عدداً من المسلات والأنصاب التذكارية والتماثيل الإغريقية والرومانية التي تتميّز بخصائص تشكيلية توحي بالكآبة.

وتنتقل الصالة الثانية بنا الى تمثيلات الكآبة في القرون الوسطى، فيشير القيّمون على المعرض فيها الى ابتعاد عدد من المسيحيين عن مجتمعهم انطلاقاً من القرن الثالث ميلادي وانعزالهم في الصحاري ا

المزيد


أما قدرة أوسكار وايلد على التأنق فقد وصفت بالمتطرفة جداً

فبراير 20th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

سِماهم في صورهم

خافيار ماري/ترجمة: سامي سليمان

عالم الأدب اشتهر تشارلز ديكنز بكرسيه، وأوسكار وايلد بأناقته، ولم يكن بوسع إليوت فعل الكثير فيما يتعلق بآذانه. وهنالك المزيد، هنا يضعنا خافيار ماري أمام معرض خاص به يضم بعض الصور لبعض الأدباء في هذا الشأن، والتحليلات المتعلقة بها.

لا أحد يعلم بالضبط كيف كان سرفانتس يبدو أو يتصرف تماماً، ولا أحد يعرف بدقة كيف بدا شكسبير، ولعل الكثير من الوجوه والتصرفات التي تمر بنا يومياً تشبه إلى حد كبير هؤلاء، ولذا فقد انساقت الأجيال اللاحقة لوضع تصورات وأشكال توحي بالقلق والتردد والإضطراب والمعاني التي تخيلو وجودها في شخصياتهم تلك، والتي ربما لاتمت بصلة لهم، مثل شكسبير وسرفانتس.

في أغلب الأحيان اعتمد القراء على تصورات شخصية، فكل منهم رسم صورة له تبعاً للرواية أو الطريقة أو النهج الذي اتبعه الكاتب، وربما انتبه مؤلفو القرنين الأخيرين إلى تلك الناحية وتركوا خلفهم الكثير من الصور، أنا شخصياً، لدي اهتمام كبير بهذا، وعملت على تشكيل مجموعة غير منهجية بشكل كامل، وهي تشمل الآن حوالي 150 صورة.

القليل من تلك الصور تظهر الجسم بالكامل، فأغلبها يحوي صورة رأس الكاتب من دون جسده، والقلة تظهرأوضاع اضطجاع، جلوس أو وقوف

وفي كل وضعية من تلك الوضعيات، أو تفصيل صورة، تحليل ومفاتيح لشخصياتها، قد تدلنا على الكثير، وخاصة مع قلة تلك الصور أو انعدامها.

 ربما كان ديكينز هوالأكثر استثناءً. فلديه ثلاث صور يبدو فيها في وضعية الجلوس، وفي إثنتان منها، يجلس على كرسي منفرج، في مواجهة ظهر الكرسي. في الصورة الأولى يبدو وحيداً، يوحي منظره بأن تلك الوضعية اصطناعية و تدرب عليها جيداً. حيث يميل ذراعيه على ظهر الكرسي، ويرفع ذراعه الأيمن لتلامس رأسه بشكل رشيق ويميل بكئابة مستنداً إلى تلك اليد. في الصورة الثانية يبدو مع بناته، ويبدو وكأنه يقرأ إليهم مجلد كما يبدو وربما أحد مؤلفاته. هنا أيضاً، يجلس منفرج الكرسي، مواجه لظهر الكرسي، وربما توحي لنا تلك الصورتين بأن الأمر أكثر من مجرد صدفة، فقد توحي لنا بأن ديكنز في الحقيقة كان يجلس في تلك الوضعية في كثير من الأوقات. وعموماً وفي كلتا الصورتين، يبدو بملامح جدية، و لا يبدو  رجلاً مرحاً، أو حتى سعيداً، ويبدو خشناً ومتأنقاً بالأحرى. لكن ذلك قد لا يخدعنا: فالرجل الذي أعطى الحياة إلى بيكويك، ميكاوبير، سنوجراس وإلى العديد من الشخصيات الأخرى تكشف لنا الحس الهزلي اللماح الذي يملكه. في الصورة الثالثة يكشف هذا الرجل عن دهاءٍ وحيلة أكبر، حيث يظهر ربما مدعياً الكتابة، او الشروع بها، يدعي التفكير وقلمه في يده، ويستند بكل من قلمه ويديه على ورقة.وكأن ديكنز قد توقف لتأمل الجملة القادمة، هذا قد يوحي لنا هذا بأنه لن يكتب، أو على الأقل في تلك اللحظة، وهذا يمنحنا شعوراً شبه أكيد أنه يأخذ وقته كاملاً، ويفكر جيداً ربما قبل الشروع بكتاباته.

 

أما قدرة أوسكار وايلد على التأنق فقد وصفت بالمتطرفة جداً بحيث يصعب علينا في النهاية تمييز الأصل من الملابس والزينة، ولكنه وفي كل الحالات يسعى لأن يبدو رجلاً وسيماً للغاية، حتى أنه يبدو وكأنه يشبه نماذج إعلانات الطرق التي تصنع في أيامنا هذه. تعبير الفم هو نفسه في كل المناسبات، كما لو أنه أدرك تماماً من النظر إلى نفسه في المرآة، بأن هذا الجزء هو الوحيد المقبول والأج

المزيد


ينبغي أن تختار في لحظة ما إما أن تنجح في الحياة وتفشل في الأدب،

فبراير 18th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

جيرار دو نيرفال والحياة الخائبة
هاشم صالح
 

هناك أدباء عاثرو الحظ، لم ينالوا من الحياة إلا الفشل والحسرة والندم. ولكنهم تركوا وراءهم أدباً يشهد على عمق الحزن والعبور المأساوي في هذا العالم. وكلما كان عذابهم كبيراً كان أدبهم قوياً وشاهداً على عظمة المحنة والتجربة. يحصل ذلك كما لو أن الفشل في الحياة هو الشرط الأساسي للنجاح في الأدب! أنظر حياة بودلير وبقية الشعراء الملعونين، من فيرلين إلى رامبو إلى لوتريامون.

من بين هؤلاء الأدباء المنحوسين يحتل جيرار دو نيرفال مكانة خاصة. ومعلوم أنه ولد في بدايات القرن التاسع عشر ومات بعد منتصفه بقليل 1808-1855).

 وعلى الرغم من أنه لم يعش إلا سبعة وأربعين عاماً، فإنه يعتبر أحد كبار أدباء فرنسا في ذلك القرن بالإضافة إلى فيكتور هيغو، وبودلير، وبلزاك، وفلوبير، والكسندر دوما وسواهم. والغريب في الأمر هو أن القرن التاسع عشر تجاهله تماماً ولم يعرف قيمته، بل وكان يعتبره كاتباً ثانوياً لا يستحق الاهتمام. وحده القرن العشرون أنصفه ورفعه إلى مصاف الكبار. وهذا شئ يصعب علينا تصديقه نحن الآن. فمن لا يعرف اليوم اسم جيرار دو نيرفال في فرنسا؟ من لم يسمع به؟ ولكن الحقيقة هو أنه قد ينجح أديب ما في عصره وينال شهرة كبيرة ويصبح على الموضة كما يقال، ثم سرعان ما يخفّ تأثيره لاحقاً ويضمحل، ويكتشف الناس أنه ليس إلا كاتبا عادياً بل وأقل من عادي. وقد يعجز كاتب ما عن التوصل إلى الشهرة في عصره، ثم تكتشف الأجيال التالية أنه كبير وعبقري حقاً. ولهذا السبب يرفض بعض الأكاديميين من أساتذة الجامعات أن يدرسوا الأدباء المعاصرين، أو أن يكرسوا لهم أطروحات الدكتوراه، لأنك لا تعرف من الذي سيبقى، ومن الذي سيغربله الزمن وتطويه متاهات النسيان. ونحن بحاجة إلى مرور فترة معينة من الزمن، وربما فترة طويلة، قبل أن نتأكد من أهمية هذا الكاتب أو عدم أهميته. نحن بحاجة إلى اتخاذ مسافة كافية عنه لكي نستطيع أن نحكم عليه. فالزمن يغربل كل شيء. ووحدهم الكبار يجتازون امتحان الغربلة بنجاح. كم كان عدد الشعراء المعروفين في عهد المتنبي؟ كثير جداً. ومن بقي منهم؟ لا أحد تقريباً باستثناء أبي فراس الحمداني، وربما بعض الآخرين الذين نسيت اسمهم. ولكن بالمعنى القوي للكلمة وحده المتنبي بقي، ومعظم الآخرين زالوا. صحيح أن عظمة المتنبي كانت واضحة منذ البداية، ولكن في بعض الأحيان يطغى الشاعر السطحي البراق على المبدع العميق والصعب.

كانت ولادة جيرار دونيرفال في باريس، ولكن أمه ماتت بعد سنتين من ولادته. والسبب هو أنها أخطأت ورافقت زوجها الطبيب العسكري إلى ألمانيا مع جيش نابليون بعد أن وضعت طفلها مباشرة. ولم تتحمّل خضّات الحملة العسكرية وتقلبات الطقس والأجواء، فماتت من الحمى وعمرها لا يتجاوز الخامسة والعشرين ربيعا. وهذه الأم الغائبة هي الجرح الأساسي الذي فجّر في جوانح نيرفال شعلة الأدب. لقد أصبح غيابها حاضراً كل يوم، أصبح أقوى من كل حضور. فبعد أن كبر لم يفهم لماذا تركته أمه وهو رضيع ورافقت زوجها في الحملة العسكرية. كان بإمكانها أن تبقى في البيت لكي تشرف عليه. لقد أحس نيرفال بالهجران منذ البداية. أحس وكأنه مهجور أنطولوجياً، أزلياً، أبدياً، أي قبل أن يخلق تقريباً! وأدرك عندئذ أن الإنسان ملقى في هذا العالم لوحده ولا يمكنه أن يعتمد حتى على أقرب المقربين. وربما كان هذا هو السبب الذي أدى إلى اختلاله النفسي لاحقا. الإنسان وحيد، ووحدته شاسعة واسعة لا حدود لها. وبما أنهم قبروا أمه في ألمانيا فإنه ظل يشعر طيلة حياته بعواطف الحنين والحب تجاه تلك البلاد. بل وكان يحبها أكثر من فرنسا. ولذلك راح يترجم الأدب الألماني بكل شغف، ففيها قبر الأم الغالية، وبالتالي فهي الأرض المقدسة والوطن. ولذا كان يحج إلى هناك من حين إلى آخر لكي يرى قبرها، لكي ينحني عليه ويقبله. فهي لم تتركه كرهاً به وإنما ضرب القدر ضربته. وعندما عاد أبوه من الحرب بعد مرور عدة سنوات بدونها كان نيرفال قد بلغ السادسة من العمر، وأصبح صبياً صغيراً يلعب مع أولاد الجيران. ونظر إليه في البداية دون أن يعرفه، ثم هجم عليه وضمّه إلى صدره بقوة وكأنه يراه لأول مرة. فتضايق الصبي من شدة الضمّ والعناق وحاول أن يدفع أباه قائلاً "يا أبي إنك توجعني!"، فاشتهر بهذه الكلمة فيما بعد.

والواقع أن نيرفال عاش طفولته لدى أعمامه أو أخواله في منطقتين جميلتين من ضواحي باريس غير البعيدة. ومن خلال الاحتكاك بالطبيعة الريفية تشكلت شخصيته الأولى ومشاعره وأحاسيسه. والطبيعة الفرنسية ساحرة، فالغابات والأنهار والأشجار منتشرة في كل مكان على مد النظر. ونادراً أن ترى مدينة إلا وهي واقعة على ضفاف نهر أو بحر. ولهذا السبب يعتبر نيرفال أحد شعراء الرومنطيقية الفرنسية. ولكنه عاد إلى باريس لكي يكمل دراساته ويقوم بأول ترجمة فرنسية لكتاب غوته "فاوست". وكان من زملائه في المدرسة تيوفيل غوتييه أحد أصدقاء بودلير أو بالأحرى أحد أساتذته. وقد انضم معه إلى حلقة فيكتور هيغو وانخرط شخصياً في معركة "هيرناني" الشهيرة. وهي المسرحية الرومنطيقية التي كتبها هيغو عام 1830 وانقسم الناس حولها بين مؤيد ومعارض. وقد دارت حولها معركة كبيرة. وحصل اشتباك بالأيدي بين الكلاسيكيين والرومنطيقيين، أو القدماء والمحدثين. وكان نيرفال بالطبع في جهة المحدثين والطليعيين. ثم عاش الشاعر بعد ذلك عدة سنوات بوهيمية مع أصدقائه في حارات باريس وأزقتها. وربما كانت الفترة الوحيدة السعيدة في حياته. فقد كتب عنها فيما بعد قائلاً "يا له من زمن سعيد ذلك الزمان! فقد كنا نحضر الحفلات والأعياد، ونلعب في التمثيليات العتيقة… كنا سعداء، فرحين دائماً، وأحياناً أغنياء….". ولكن غناه لن يدوم طويلاً، فقد بدّد الإرث الذي ورثه عن أمه في شهور معدودات، وأصبح فقيراً يبحث عن لقمة الخبز.

ثم أدركته حرفة الصحافة وأصبحت فيما بعد مصدر رزقه الوحيد. وكان يقدم للجرائد والمجلات الفرنسية عروضاً نقدية عن الكتب الصادرة، أو عن المسرحيات المعروضة في مسارح باريس، أو عن المعارض الفنية، الخ….

ثم سقط جيرار دونيرفال في الحب لأول مرة عام 1934، فقد تعلق بمطربة كانت مشهورة في ذلك الزمان وتدعى جيني كولان. ولكنها ضحكت عليه بعد أن بادلته العواطف لفترة قصيرة. فقد فضلت أن تتزوج رجلاً آخر ذا مستقبل راسخ ومضمون من الناحية المادية. فماذا يمكن أن تفعل مع هذا الشاعر البوهيمي المتسكع من حارة إلى حارة في شوارع باريس؟ وأي أمل مع الشعراء أو ال

المزيد


جاك لاكان فهو حاليا مضرب المثل،

فبراير 12th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

جاك لاكان..

النظرية والإخفاق

 

تعرض جاك لاكان طوال حياته الفكرية إلى اشد أنواع سوء الفهم وانعدام الثقة خاصة من قبل الأوساط الطبية النفسية التي كان من المفروض انه محسوب عليها، الأمر نفسه ينطبق على موقف الوسط الثقافي الفرنسي بشكل عام. وكذلك هي وجهة نظر زملائه في "البنيوية" وهذا ما يزيد الحيرة والإرباك في تقييم الخطاب النفسي الجديد الذي تبرع به "لاكان" وأسهب في عرضه كثيراً.

والشعار الأساسي الذي أعلنه "لاكان" يتلخص في عبارة "العودة الى فرويد" تلك العودة النظرية المهمة التي خوض بها "لاكان" وحدّث آلياتها المعرفية من خلال التوكيد على منظومة اللغة في علاقتها بـ (اللاوعي) واكتشاف أهمية "الدال" في قيادة الوعي الذاتي للشخصية الإنسانية والخروج بفرضية جديدة اطلق عليها "نظرية المرآة" او "جدلية النظرة والتشيؤ في المكون النفسي للفرد، ومن المفروض ان كل هذه الطروحات والاشتراعات كانت جديرة بان تجعل منه واحداً من أهم مفكري العصر ومن الناهضين بالخطاب النفسي –التحليلي، فما الذي جعل جاك لاكان يخفق في تحقيق ذلك؟ وكيف ولماذا تدهورت سمعته الطبية ومن ثم التشكيك، بعد ذلك في اخلاصه العلمي؟ مما دفع الرابطة الدولية للتحليل النفسي الى اتخاذ قرار بتعليق عضويته وطرده منها في عام 1959.

يعزو "جون ستروك" اسباب هذا الاخفاق في عمل وفكر "جاك لاكان" عندما قدم دراسته المعروفة بـ (البنيوية وما بعدها) بعد ان يستعرض افكار زملائه في البنيوية (ستراوس وبارت وجاك دريدا) حيث يقول: Xاما جاك لاكان فهو حاليا مضرب المثل، لان الفرنسية التي يكتب بها شديدة الخصوصية يصطنع تركيبها اصطناعا مقصودا، لكي يمثل به "لا ان يشرح" العمليات اللغوية التي تجري في اللاوعيZ

المزيد


انتهت لعبة الحضور، ولعبة الحلم، ولعبة الوهم، ولعبة الجنون، ولعبة التغيير،

فبراير 11th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

يا صموئيل بيكيت

إنها فعلاً نهاية اللعبة

إنها المئوية الأولى على ولادتك يا صموئيل بيكيت، فهل اختليت الآن أيضاً بنفسك وبكيت، كما كنت تفعل في حياتك مع مرور كل سنة على ولادتك؟

غودو لم يأتِ بعد يا صموئيل، والأرجح أنّ أحداً لم يعد ينتظرهُ. الكل بات يعرف أن لا شيء اسمه غودو، وأنّ اللاشيء لا يأتي. وإذا كان أحد لا يزال، بعد، ينتظر اللاشيء، فهو بلا شك ينتمي إلى الجنون. وجنونه عظيم جداً. ولكن إذا الجنون تعاظم هل يمكنه خلق شيء من لا شيء؟ هل يمكن الجنون إحضار غودو؟

وإنْ حضر غودو يا صموئيل ماذا سيكون هذا الغائب الأبدي الذي انتظرناه طويلاً؟ ما شكله، ما المختلف فيه عن الحاضرين؟ وماذا قد يغيّر فينا، وفي العالم؟

كنتَ حقاً مجنوناً، ونقلت إلينا عدوى جنونك. لكنّ جنونك البائس وصلت إلينا عدواه أكثر بؤساً. فنحن، يا بيكيت، بالكاد نرى شبحاً اسمه غودو. بالكاد نرى شبحاً، باسم أو بغير اسم، يمكن أن يأتي. أنت رأيت شيئاً في جنونك، ونحن لا نرى شيئاً حتى في وعينا.

كنت، كما نعتقد، تبحث بقلق في كتاباتك عن شكل قادر على التعبير عن اللاشيء. اللاشيء الذي اسمه غودو، الذي اسمه معنى الحياة. اللاشي

المزيد


ان الفرنسيين ينتجون اكثر من ثلاثمائة صنف من الجبنة

فبراير 4th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

والصُّمود.. نابلسيّ أيضا

خيري منصور

نظلم هذه المدينة العريقة عندما ننسب اليها الصابون والجبنة والكنافة فقط، رغم ان صابونها في زمن الاحتلال هو من طراز آخر، يمتزج فيه الدم والزيت لغسل أدران الهزيمة، وتعقيم الجرح الغائر..

أما كنافتها فقد يليق بها ما قاله كاسترو ذات يوم عن قصب السكر في كوبا فقد قال ان الكوبيين وحدهم يستشعرون مرارته في حلوقهم، فخوضه هو وثمانون رجلا وامرأة في المستنقعات من أجل استقلال باهظ التكلفة، لا يزال هو وشعبه يدفعون أقساطه بإضافة نسبة من الربا السياسي لتاريخ غير محرر من اسطبلات الأباطرة الجدد.

واذا كانت الجبنة نابلسية بامتياز، فان الجبن ليس نابلسيا على الاطلاق، فالمدينة الباسلة التي احتشدت ذات ظهيرة سوداء في وادي التفاح ما فتحت ابوابها الا لضيف أو لائذ ، لكنها لم تفتح بابا أو حتى نافذة لغزاة ، لأنها تخلو من العلاقمة الذين تذوق العرب علقم خياناتهم على امتداد التاريخ.

والاسابيع التي مرت على نابلس ، كانت أعواما بمقياس تقاويم اخرى غير التي نتداولها في حياتنا الرّتيبة ونهاراتنا الداّجنة، فالحصار تتجدد صيغه التي ينحتها الاحتلال له بين يوم وآخر، ومنع التجول الذي يحول الأزقة والأخاديد الى تجاعيد في جبين المدينة، لا يطال الشمس لاعتقالها سواء في غربال أو حتى في ليل مديد بلا كهرباء ينتجه المحتل من خلال ما يسميه تدمير البُنى التحتية.

على امتداد الزمان كانت الطرق تتنافس على مداخل نابلس بحيث تسأل بيروت القاهرة ودمشق عمان والقدس حيفا.. أي الطرق أقصر الى ذلك المرتفع الذي صرخت عليه الراحلة فدوى طوقان.. قائلة انها على قمة الدنيا وحيدة.. لكنها أخيرا وجدتها كما وجد ارخميدس الحقيقة الفيزيائية في حوض ماء.. فالتاريخ له فيزياؤه الصارمة وعناصره وسلطته ايضا وما من قوة تعيده الى الوراء.. لان الانهار لا تقطع مرتين ولا تعود الى المنابع ما دام هناك مصبّات.

لقد تعلمت في تلك المدينة وعلمت فيها ايضا ، لكنني بقيت التلميذ الذي يستقرئ الكتاب منذ لثغ بأول حرف منه.. سواء في زقاق قديم يشبه الوريد او في ساحة تحصي ساعتها القديمة دقائق الحرية..

وقد سبق للعرب ان ظلموا واحدة من أبهى مدن الشام هي حلب عندما نسبوا اليها الفستق ونسوا سلمان الحلبي الذي قتل كليبر في مصر بعد ان عاثت خيوله فسادا في الجامع الازهر، مثلما نسوا عبدالرحمن الكواكبي الحلبي الذي أسس مع كوكبة من ابناء جيله للنهضة التي أُجهضت.

وبالمقياس المعوي نفسه اختزلت الموصل العريقة الى نوع من الكبة، أو المن والسلوى ، ونسي العرب اسحق، وسائر السلالة التي فكرت وقاومت وغنت على امتداد العصور..

والبصرة ليست بلحا برحيا طيب المذا

المزيد


فالأضطرابات واعمال الشغب في كل مكان، والأنتفاضات في كل البلدان،

يناير 16th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

خلود القصيدة الرومانسية

يتواصل الحديث عن الشعراء الرومانسيين حتى وان فات آوانهم. فقد تعكس القصيدة الفترة الزمنية التي كتبت فيها، لكن الشعراء الرومانسيين يستلهمون دائماً رؤى الخيال الأنساني بكتابتهم عن ما يمكن ان يوجد في الخيال، وفي الخيال فقط، فالخيال هو القصيدة نفسها تلك التي يؤكدها الاستمرار والدوام بألهام فكر الذين يقرأونها. حتى ولو كان ذلك القارئ شخصاً واحداً.
لقد بدأ عصر الرومانسية في أواخر القرن الثامن عشر وامتد حتى منتصف القرن التاسع عشر، وشهد ظهور شعراء أمثال: بليك، كيتس، ووردزورث وكوليرج. في ذلك الوقت كان العالم يشهد ثورات ومعارك دائرة في أمريكا وفرنسا وكانت تلك الثورات موضوع الحوار الرئيس لدى الجميع.

فالأضطرابات واعمال الشغب في كل مكان، والأنتفاضات في كل البلدان، ومع قيام الأنتفاضات كانت هناك أيضاً أنتفاضة في عالم الشعر. فالشعراء في كل أنحاء الأرض بدأوا يعبرون عن وجداناتهم، رداً على قرن الكلاسيكية الجديدة، إذ ان صيغة الشعر السائد آنذاك كانت تحتوي على تراكيب صارمة ومشاعر مكبوته.
لقد ألهبت الأعمال عاطفة الشعراء بدلاً من ان تلهب الأعتبارات الفكرية، والخيال الحدسي بدلاً من المنطق. وأخذوا يفضلون التعبير عن العاطفة والحرية والفعل التلقائي بشكل صريح ومن دون قيود بدلاً من التعقيد وفرض النظام. لقد فهم شعراء الفكر الرومانسي الطبيعة على أنها روح حية، تتوافق مع مشاعر الحب والرحمة الأنسانية، وهم يتوقون الى أبدية لا يمكن بلوغها بسهولة، إذ أمن الفكر الرومانسي انه على الرغم من معرفة الأنسانية لجزء بسيط من الواقع من خلال حواسنا الخمس، فلا زلنا نشغل أنفسنا، الى حد كبير، بالحقائق العلمية والقيم المادية التي نكتسبها بحواسنا. وسلمنا بأننا لا ندرك الحقيقة الواسعة التي تقع خلف حدود حواسنا وتحقيق السيطرة الكاملة عليها ألا إذا تعلمنا الثقة بغرائزنا وطاقاتنا ورؤانا التخيلية.
نجد ان العاطفة الرومانسية الملتهبة بالحياة والطبيعة تتجسد في قصيدة شيلي “أغنيةللريح الغربية ” فهي قصيدة تدعو دعوة جادة لحدوث ريح شديدة، وتتناول بجدية روحية الفكر الرومانسي فترسخ القوة في الوجدان والريح الثورية العظيمة التي تجعل الطبيعة عاجزة عن الوقوف أمامها - (.. أعرف صوتي، يشحب وجهك فجأة من الخوف). لقد عبرت قصيدة “أغنية للريح الغربية” أيضاً عن التوق لفضاءات خيالية واسعة، ونالت عملية كتابتها بأتقان حظوة لدى شعراء الرومانسية. إذ لم يكن الشاعر شيلي وحده الذي انحاز الى مبدأ القوة لتجعل منه “مزمار نبؤة”، بل إلى الريح لتجعل منه قيثارة إذ قال: “إجعليني قيثارة”- والقيثارة رمز يتكرر لدى الفنان الذي يعزف على حالة الألهام.
كان السبب الرئيس وراء كتابة هذه القصيدة هو ان شيلي كان يحلم بتغيير يعتقد بأنه يلف الأرض كلها، حيث ان خيراً قد يخرج من جنبات الشر والضياع ليحتل العالم كله، فهو يستلهم الريح الغربية القوية، القوة التي مثلها بالشر، عالمه المتغير دائماً، وشعوره الخاص، الذي يعمل من خلاله لحدوث التغيير الذي يتمناه للعالم، وكان يعتقد ان حدوث مثل هذا التغيير ممكن. فقصيدة شيلي، أذن، كانت محاولة وجدانية لجعل الريح الغربية تثير فيه الثورة. هذه العاطفة التي أطلق عنانها في نفسه وفي شعراء رومانسيين أخرين أدت الى تكوين أدب يصور الموضوعات العاطفية بشكل خيالي، وبحب للطبيعة والحياة ولكل ما هو حسي، وكان أعظمها على الاطلاق؛ الحب والجمال والحقيقة والخالق. ولقد أوضح بليك اشتياقه لأدراك اللا نهاية والخلود والأفكار التجريدية الأُخر، عندما قال: “لرؤية الجمال في حبة رمل” والسماء في زهرة برية، تضع الخلود براحة يدك وتكون الأبدية في ساعة”. ضمن أربعة ابيات يذكر بليك اربعة مفاهيم دقيقة، جميعها تقع ضمن الأشياء الحسية المجردة.
كانت هذه الكتابات العاطفية عن المحسوسات غزيرة بحالات الوصف التعبيرية. فالصور التي يكونها العقل عن تلك المحسوسات تكون أكثر تأثيراً من

المزيد


وفي المحكمة لم يتراجع عن موقفه ولم يعتذر حتى حين حاول محاميه ان يعلن في المحكمة ان هامسون يعاني من ح

يناير 5th, 2008 كتبها علي الربيعي نشر في , مقالات

الروائي النرويجي كنوت هامسون ـ1859 ـ 1952،

حمزة الحسن

الروائي النرويجي كنوت هامسون ـ1859 ـ 1952، لا يزال يشغل الاوساط الثقافية وغيرها ولا يتعلق الامر  بموهبة وكفاءة وعقلية هذا الروائي الكبير الذي يعد معلما لكثير من كتاب الرواية في العالم ، ولكن الامر يتعلق بموقف اشكالي وغريب اتخذه هامسون خلال الاحتلال النازي للنرويج، حين وقف هامسون موقفا غريبا ونشازا وذلك بتأييد النازية والدفاع عن الاحتلال بل انه قابل هتلر وكان كنوت وقتها يحمل جائزة نوبل ، وهو موقف استعصى على كثيرين في ذلك الوقت وهذا الوقت رغم ان التفسيرات كثيرة حتى انه كتب مقالا عن موت هتلر: موت اخر العمالقة

وبعد هزيمة النازية وانسحابها من البلد قامت المقاومة النرويجية بمحاكمة جميع الذين دعموا الاحتلال وقد صدرت احكاما قاسية كانت في مجملها الاعدام

ولم يفلت هامسون من المحاكمة رغم كبر السن وجائزة نوبل وشهرته وتأثيره الذي يعادل في الادب العربي المتنبي أو من هو في قامته، وكان على مقربة رمشة عين من حائط الموت

 وفي المحكمة لم يتراجع عن موقفه ولم يعتذر حتى حين حاول محاميه ان يعلن في المحكمة ان هامسون يعاني من حالة خرف، الامر الذي اثار غضب هامسون حتى  الف كتابا كي يثبت ان موقفه كان في كامل قواها العقلية 

يومها قامت حملة تضامن عالمية شارك فيها سارتر وهمنغواي وفوكنر الذي يقول بعض النقاد ان كنوت هو معلمه الاول  وغيرهم وطالبوا السلطات مراعاة وضع كنوت الخاص وقد اكتفت المحكمة بالحكم بغرامة باهظة على الروائي واطلق سراحه

 ورغم هذا الموقف الغريب الا ان هامسون ينال تقديرا كبيرا من عامة الناس في النرويج ومن النقاد وقد عملت عن حياته عدة افلام حتى في السنوات الاخيرة وسبب ذلك هي طبيعة العقل الاسكندنافي المميز والمشحون بثقافة قانونية أو في الاقل بحس حقوقي عقلاني لذلك فإن السؤال اليوم عن موقف هامسون ذاك يرد عليه في النرويج، بموجب تلك العقلية الحقوقية المنطقية العقلانية، بان هامسون ربما تعرض لضغط، أو انه وقع في  ما

المزيد


التالي