أنّ هذا النجاح الذي حققه مسلسل باب الحارة يُهدد مستقبل الدراما السورية،

ديسمبر 24th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

الحصاد الثقافي العربي لعام 2007 (سورية): كثافة في الانشطة الثقافية والفنية والاصدارات

لكن النوعية ضعيفة في ظل سيطرة الايديولوجيا

 

دمشق القدس العربي ـ من أنور بدر: أول ما يفاجئ أي متابع للمشهد الثقافي والفني في سورية، هو الكثافة الكمية ـ إن صح التعبير، تطور هائل في الأرقام، عدد الكتب التي تطبع في سوريا، كثافة عدد دور النشر الخاصة، عشرات الصحف والمجلات الخاصة التي بدأت تصدر تباعاً في السنوات الأخيرة، ازدياد كبير في أعداد المهرجانات الثقافية والفنية التي بدأت تتوزع في كل المحافظات والبلدات السورية وصولاً إلي القري (مهرجان المزرعة الثقافي، مهرجان الملاجة، مهرجان حصين البحر…)، المهرجانات المسرحية، كثافة الدراما السورية، تنامي شركات الإنتاج الدرامي والسينمائي الخاصة، كاليريات المعارض التشكيلية، أعداد الفنانين التشكيليين، أعداد المطربين والمطربات المسجلين في نقابة الفنانين، التضخم في أعداد الموسيقيين مما أدي الي كساد في سوق التشغيل، وأشياء أخري كثيرة.
لكن التدقيق في نوعيّة هذا المنتج الثقافي أو الفني بعيداً عن الأرقام العددية قد يُصيبنا بخيبة أمل حقيقية، فهذا الطغيان الكمي في الإنتاج ليس أكثر من ساحة أيديولوجية تكرس المقولات والشعارات الشعبوية، في حالة عداء مع الديمقراطية باعتبارها بضاعة مستوردة ليست في ثقافتنا، أو هي محاولة لتجسير عبور الآخر إلينا من خلالها، وفي هذه اللعبة الغبية ظلم للثقافة وللديموقراطية أيضاً. لكنها شكلت إغواءً للمثقف السوري الذي قرّر معاداة الديمقراطية طالما أنّ الإدارة الأميركية رفعت هذا الشعار في سياساتها تجاه المنطقة، مُتجاهلاً ـ أي المثقف ـ أننا كمجتمعات وأفراد نحتاج إلي هذه الديمقراطية في علاقتنا مع بعضنا البعض ومع الآخر أيضاً. لأنّ علاقات الموطنة، وحريّة الإبداع لا يُمكن أن تتشكل بدون مناخات ديمقراطية.

وفي هذه المسألة يكمن مقتل الاتحادات والنقابات والمؤسسات الثقافية والإعلامية التي تساهم في طغيان الإنتاج الكمي وكذلك في التوظيف الأيديولوجي للمنتج الثقافي والإعلامي. وهو ما يظهر في زحمة المهرجانات الثقافية التي تكاد تغطي مساحة الوطن خلال عام كامل، مع حضور خجول للقيمة الثقافة بالقياس للجانب الفني والسياحي والدعائي كذلك، حتي أنّ ذلك الحضور الثقافي يكون من باب رفع العتب لا أكثر في بعض الأحيان، دون أن يحمل رسالة أو أدني رغبة بالتواصل مع الجمهور.
فإذا علمنا أن دمشق عاصمة الثقافة العربية عام 2008 وأن مرسوماً جمهورياً صدر في بداية عام 2007 بتكليف الدكتورة حنان قصّاب حسن برئاسة أمانة احتفالية دمشق عاصمة الثقافة العربية للعام القادم، اكتشفنا ضرورة أن تكون قد أُنجزت كامل الاستعدادات للانطلاق مع بداية العام القادم بهذه الاحتفالية، خاصة وأن مرسوم تشكيل الأمانة العامة منحها صلاحيات واسعة، وتمّ تشكيل لجان استشارية ولجان فرعية وتخصيص مبني عام لأمانة الاحتفالية، كما جري الإعلان عن تقديم مشاريع للرعاية من قبل هذه الأمانة. إلا أنّ أغلب المؤسسات الثقافية الرسمية والمثقفين السوريين يبدون تخوفاً أن تأتي الاحتفالية تكراراً مشوهاً من احتفالية حلب عاصمة الثقافة الإسلامية عام 2006 خاصة وأنهم لاحظوا غلبة اللون الفرانكفوني علي مجمل اللجنة الاستشارية التي جمعت أسماء كبيرة في الثقافة السورية المهاجرة، دون أن نكتشف أثراً لفعاليتها الميدانية، بينما اعتذرت أغلب الأسماء التي أدرجت في اللجان الفرعية، رغم انتمائها للون ذاته، وهو ما يُنبئ بإمكانية إضاعة هذه الفرصة، إذ أنّ تشكيل الأمانة العامة للاحتفالية قبل عام كامل من انطلاقها، كان يُفترض أن تتحوّل دمشق بل سوريا إلي مشغل ثقافي مفتوح لتقديم الإنجازات في كافة الصعد السينمائية والمسرحية وصولاً إلي حقل التشكيل وطباعة الكتب، دون الاكتفاء بإنجازات أمانة العاصمة من تغيير مادة الإسفلت في بعض الشوارع والساحات العامة ضمن دمشق إلي مادة الحجر الأسود الصناعي، والذي كان يُستخدم قبل اكتشاف مادة الإسفلت وقبل انتشار وسائل المواصلات العصرية، أي السيارات، فلماذا هذه العودة إلي الوراء؟! وهل تكفي التبريرات الجمالية والتاريخية إن وجدت؟!
لماذا لم يجر الاهتمام بملتقيات النحت التي كنا نفترض أن تغيّر معالم تلك الساحات وحتي شوارعنا العامة؟ أين هي الكتب التي طبعت و الأفلام التي صوّرت؟ وإلي متي تبقي أمانة الاحتفالية تشكو من غياب التمويل؟
لفت انتباهي بهذا الصدد خبر صغير أوردته أكثر من صحيفة ومصدر إعلامي، يُفيد أنّ الحكومة التونسية وبالاشتراك مع البنك الدولي، خصصت مبلغ 72 مليون دولارا لمشروع إدارة وإحياء التراث الثقافي في تونس، دون أن تكون تونس عاصمة الثقافة العربية هذا العام أو العام القادم. فأين ميزانية الاحتفالية وأين أوجه الصرف المخطط لها؟
ملاحظات كثيرة قد نسوقها لكننا لن نتوقف معها مطولاً حتي لا نستبق الحدث، وحتي لا نرجم بالغيب، وبانتظار بدء نشاطات الاحتفالية بعد أيام، دعونا نلقي نظرة سريعة علي أهم النشاطات الثقافية التي جرت خلال عام 2007 الذي قارب علي الانتهاء.
وزارة الثقافة وهموم المثقفين:
لا يمكن الحديث عن الثقافة بمعزل عن وزارة الثقافة باعتبارها الجهة الرسمية الراعية للنشاطات الثقافية المتباينة، إلا أنها علي ما يبدو قد أخذت بالعناوين الثقافية الكبيرة وتجاهلت المثقفين والتفاصيل التي تصنع المشهد الثقافي، واكتفت بالتغييرات الإدارية كحل لأزمة المؤسسات الثقافية، فعلي سبيل المثال أجرت وزرة الثقافة تغييرات في مديرات المسارح والموسيقي ومديرية الفنون الجميلة ومديرية التأليف والترجمة، لكنها في كل ذلك لم تتقدم خطوة واحدة باتجاه دعم هذه المحاور الثقافية. فلا مديرية المسارح ولا مديرية الفنون الجميلة تطوّرت نشاطاتهما مع التغييرات الجديدة في منصب المدير، وكانت الطامة الكبري في مديرية التأليف والترجمة التي انشقت لأوّل مرّة إلي مديرية للتأليف أنيطت بالدكتور كريم أبو حلاوة، وأخري للترجمة أوكلت للسيد ثائر ديب، لكنّ إحداث الهيئة العامة للكتاب وما صاحبه من لغط ٍ في تسمية مدير الهيئة وتغييره خلال أيام من د. عبد الله أبو هيف إلي د. عبد النبي اصطيف، أثار موجة من الاستنكار في أوساط المثقفين، وجعل هذه الهيئة في موقف لا تحسد عليه.
ويأخذ البعض علي الدكتور رياض نعسان آغا وزير الثقافة، طغيان العلاقات الشخصية في تعامله مع التعيينات والتغييرات الإدارية، وإلا كيف يصبح الأستاذ بسم ديوب مدير الشؤون القانونية في الوزارة مديراً للمسارح والموسيقي ثمّ مديراً للمركز الثقافي السوري في اليمن؟ وكيف يضرب السيد حسام دولّي نائب رئيس الهيئة العامة للكتاب الروائي والمترجم خليل الرز الموظف في مديرية الترجمة دون أن يُعاقب؟ وكيف تستمر مديرية المسارح والموسيقي بدون ميزانية إنتاج لعام كامل، ومع ذلك يعلن السيد الوزير عن تشكيل مجموعة من المسارح القومية في أكثر من محافظة؟
تتكاثر علامات الاستفهام، كما تتكاثر أنشطة الوزارة، كتكريم عدد من الأدباء والفنانين خلال العام المنصرم، أو طباعة مئتي كتاب مهم في مطابع وزارة الثقافة، مع أن الضالعين بكواليس مطبعة الوزارة وخطتها للنشر يدرك أنها لم تطبع منذ تسلم السيد الوزير مهامه إلا سبعة عناوين جديدة، هي: كتاب الدكتور عبد النبي اصطيف مدير الهيئة العمة للكتاب بعنوان العرب والأدب المقارن ، وجزأن من أصل ثمانية أجزاء من كتاب الدكتور شاكر الفحام باسم القطوف الدانية ، وكتاب المتفرج لعادل أبو شنب، وكتاب للسيد أحمد عبد الحميد الحمد بعنوان حضارة طريق التوابل ، مع ديواني شعر الأول للسيد جميل حسن بعنوان حقيبة الذكريات والثاني للسيد فؤاد نعيسة بعنوان قصائد للأرض والإنسان ، فإذا علمنا أن ديواني الشعر وكتاب حضارة طريق التوابل سبق وأن رفضت الوزارة طباعتهم، لكنهم أرسلوا إلي المطبعة مع تنويه بخط الدكتور اصطيف يقول: وجدته جيداً فأرسلته إلي الطباعة، ولا أعتقد أن هذا الاكتشاف الذي سجل باسم مدير الهيئة العامة للكتاب يمكن أن تدار وفقه آلية النشر في وزارة الثقافة، علما أن الوزارة طبعت حقيقة في تلك الفترة ما ينوف عن 180 عنواناً، لكنها كتب قديمة أخذت موافقة الطبع في زمن الوزير الدكتور محمود السيد وبعضها قبل ذلك. وهي تعود لجهات مختلفة ناشرة في الوزارة كالمؤسسة العامة للسينما أو مديرية الترجمة أو سلسلة إحياء التراث.
من جهة ثانية تشرف الوزارة علي حوالي 400 مركز ثقافي تنتشر في مختلف المحافظات والمدن السورية وحتي في بعض القري الكبيرة، لكن باستثناءات قليلة كمديرية ثقافة الرقة، أو المركز الثقافي العربي في مصياف نجد أنّ نشاط هذه المراكز يكاد يتلاشي تأثيره، من حيث النوع والكم، رغم تنفيذ الخطط الموضوعة مسبقاً، إما لأنّ تلك الخطط لا تجد صدي لها بين الجمهور، أو لأنّ هذا الجمهور اللاهث وراء رغيف الخبز لم يعد يجد متسعاً من الوقت لحضور أمسية شعرية أو ندوة فكرية. لكن إشكالية هذه المراكز تتبع في نشاطاتها لوزارة الثقافة فيما تتبع ماليا وإداريا لوزارة الإدارة المحلية، حيث ألحقت بالبلديات ومجالس المدن، والتي احتلت الثقافة آخر مرتبة في جدول اهتماماتها.
لكننا نقول وبالرغم من ذلك أن أزمة الثقافة في مجتمعنا لا تكمن في أعداد الكتب المطبوعة، قدر ما تكمن الإشكالية في أزمة القراءة، خاصة وأنّ نسبة الأميّة في المجتمع العربي تبلغ ربع السكان، كما أشار السيد عمرو موسي في مؤتمر التنوّع الثقافي الذي عُقدَ مؤخراً في دبي، إذ أكدّ أنّ الأميّة في الوطن العربي وضمن الفئة العمرية ما فوق 15 سنة بلغت خلال العام الماضي 71 مليون شخصاً، لا يجيدون القراءة والكتابة، لكن أزمة القراءة برأيي الشخصي تكمن في صفوف المتعلمين أساساً، ولأسباب خارجة حدود الأميّة، ورغم الاحتفال السنوي بعيد القراءة الذي يقيمه المركز الثقافي الفرنسي في سوريا، ورغم بعض المحاولات الخجولة من بعض دور النشر لتشجيع القراءة، إلا أنّ تغييراً مهماً في أمزجة الناس، وبشكل خاص الناشئة لم يحدث إطلاقاً.
اتحاد الكتاب العرب ومنشوراته:
يبقي اتحاد الكتاب العرب ممثلا للقطاع العام في حقل النشر ورديفا لوزارة الثقافة فيما يخص طباعة الكتاب والرقابة عليه أيضا. إلا أن الإتحاد تورط هذا العام بإشكالية تبديل سنة تأسيس الإتحاد من عام 1954 إلي عام 1969 لاغيا مرحلة هامة في مسيرة الاتحاد ونضالات الكتاب النقابية، وقد مرّت هذه المسألة بقليل من اللغط، لكن تصريح الدكتور حسين جمعة وموقفه بخصوص عضوية الكاتب والمسرحي سعد الله ونوس للإتحاد، وبالتالي الموقف القانوني من قضية التعويضات النقابية والمالية أثارت زوبعة من النقد والردود لا تليق بسمعة الإتحاد ولا بسمعة الراحل ونوس.
أما خطة النشر في اتحاد الكتاب العرب لعام 2007 فقد بلغت قرابة 115 مخطوطاً تتضمن الكتب الأدبية والمترجمة وكتب التراث، وتتوّزع الخطة وفق الترتيب التالي: 25 كتاباً شعرياً، 10روايات، 5 مسرحيات، 10دراسات نقدية، 20 دراسة فكرية، 5 كتب من سلسلة أدباء ومفكرون ، 15 مجموعة قصصيّة، 10كتب للأطفال، 5 كتب في التراث، و 10 كتب مترجمة.
في المقابل وحتي منتصف كانون الأول (ديسمبر) لم يصدر إلا 32 كتاباً، إلا أنّ الدكتور حسين جمعة رئيس الاتحاد يتوقع حتي نهاية العام أن تبلغ إصدارات الاتحاد بحدود المئة كتاب، ويعزوا سبب التأخير إلي أسباب فنية ومالية أدت لتغيير المطبعة، وربما يتعرّض متعهد الطباعة السابق إلي محاكمة.
كذلك يؤكد الدكتور جمعة علي استمرار إصدار الكتاب الشهري ـ كتاب جيب ـ مرفق مع مجلة الموقف الأدبي ويوزع مجاناً معها، كما أشار إلي الملفات التي أعدتها المجلة حول القصة القصيرة في سوريا، ملف الرواية وآفاقه، ملف قصيدة النثر، تخصيص عدد للمسرح، والإعلان عن جائزة المجلة لعام 2007 في مجال الترجمة.
كما يصدر الاتحاد مجلة فصلية بعنوان الآداب العالمية ومجلة التراث العربي وأخري بعنوان الفكر السياسي ، وأخيراً أسبوعية باسم الأسبوع الأدبي .
وإن كان يُلاحظ علي مطبوعات الاتحاد مجانية بعض العناوين، فالدكتور جمعة يُحيل الموضوع إلي لجان القراءة، والتي يشكو منها الكثير من الكتاب والمثقفين وحتي دور النشر الخاصة، باعتبارها ملزمة بأخذ موافقة الاتحاد علي مطبوعاتها، ورغم تشكيل اتحاد جديد للناشرين في سوريا منذ عامين تقريباً، وهو يضم حوالي 234 دار نشر خاصة، مع التراخيص الممنوحة من قبل وزارة الثقافة تشير إلي وجود أكثر من 400 دار نشر مرخصة في سوريا. بعض هذه الدور لايطبع الحد الأدني المقر من قبل اتحاد الناشرين وهو عنوانان في العام، بينما بعض دور النشر تطبع مابين خمسين إلي مئة عنوان سنويا.
المشهد المسرحي في سوريا خلال عام 2007
دلفنا إلي عام 2007 ونحن نعيش نتائج فشل مهرجان دمشق المسرحي الأخير، حيث اكتفت الوزارة ببعض الإجراءات الإدارية وكان في طليعتها استبدال مدير المسارح والموسيقي جهاد الزغبي بعد أن وُضعَ علي كاهله وزر المهرجان، بل ووزر أزمة المسرح في سوريا خلال العقود الأخيرة، وجيء لأوّل مرة بشخصية بسام ديوب الإدارية من الوزارة إلي مديرية المسارح والموسيقي علّه يشيل الزير من البير ، وفعلاً حاول هذا الرجل أن يضبط دوام موظفي المديرية، وان يتخذ بعض الإجراءات الإدارية، إلا انه فشل في إقامة علاقة وديّة مع فناني المسرح المتمردين علي مؤسسة ما زالت تنتقل من سيء إلي أسوأ، ولم يجده نفعاً تعيين الأستاذ عماد جلول معاوناً له، وحتي استلام الفنان نضال سيجري إدارة المسرح القومي بدمشق. رغم حالة الاطمئنان التي عكسها وجود السيجري في هذا الموقع. لكنه اضطر في النهاية لتقديم استقالته المشفوعة بإعلان اليأس من إمكانية الإصلاح في هذه المؤسسة.
وأذكر في بداية حواري معه السؤال: نحن متفائلون بتسلمكم زمام المسرح القومي, فإلي أي درجة أنتم متفائلون؟!
وكان نضال سيجري واضحاً حين أكدّ أنّ هذا الموقع لا يُشكل إغراءً مادياً أو معنوياً له. فإذا نجح في تفعيل خشبة المسرح القومي المعاقة منذ سنوات كان به، وإلا فهو قد أعدّ استقالته، وكان مضطراً لتقديمها بعد تسعة اشهر من ذلك التاريخ، لأنّ النوايا الطيبة لا تكفي وحدها لتحريك عجلة التاريخ بعد أن أصيبت بالعطب.
قبل ذلك بأشهر حاولت الوزارة تدارك الأمر، فأرسلت بسام ديوب إلي المركز الثقافي السوري في اليمن، علّه ينجح بتنشيط المشهد الثقافي السوري في صنعاء، معوضاً ما فشل في تحقيقه ضمن أروقة المديرية التي كانت بحالة بائسة فعلاً، واستعيض عنه بالدكتور عجاج سليم الذي سبق له واستلم إدارة المسرح القومي بدمشق، والتدريس في المعهد العالي للفنون المسرحية، وإخراج بعض الأعمال المسرحية والمهرجانات الفنية والثقافية، وقد أخذ الدكتور عجاج علي عاتقه إخراج مبني المديرية من حالته المزرية إلي شكل يليق بالمسرح والفنانين. ونستطيع القول أنه قد نجح في إعادة تأهيل هذا المبني المستأجر أصلاً، لكنه لم ينجح بالسويّة ذاتها في إعادة تفعيل الحركة المسرحية خلال هذا العام لأنّ الميزانية قد صُرفت مُسبقاً علي المهرجان سيء الصيت. ولم تنفع وعود الوزارة في ضخ الدماء إلي جسد الحركة المسرحية الداخلة في سبات مُزمن.
لكنّ الدكتور عجاج لم يستسلم لهذه الحالة، فاستعاد عروض المهرجان إلي خشبة القومي مجدداً، بل واجتهد في إضافة عروض جديدة من المحافظات وفرق الشبيبة والهواة، ليقدم من هذا الخليط ما عُرف بمهرجان صيف دمشق المسرحي والذي شاركت فيه أكثر من 15 فرقة. شغلت الفضاء المسرحي خلال أشهر الصيف التي يستسلم فيها الفنانون لعادة القيلولة وقت الظهيرة، أو لزحمة التصوير في المسلسلات الدرامية لمن جاءه الحظ، وأتاح هذا المهرجان لفرق الهواة والمحافظات لأوّل مرّة فرصة تقديم عروضهم في العاصمة، كما أتاح لجمهور المسرح المهتم والإعلام المتمركز في دمشق فرصة الإطلالة علي هذه التجارب التي كانت وما تزال تعيش في الظل وبعيدةً عن الأضواء.
ويجب الاعتراف بأنّ هذه العروض استقطبت جمهوراً وخلقت حراكاً مسرحياً ضمن العاصمة دمشق، لكنها لم تنجح في تقديم حالة نوعية، أو حتي أنها لم تعدْ بخروج المسرح السوري من عنق الزجاجة التي دخلها مطمئناً.
وظلّ رهان المديرية الأخير علي تلك الفرق من خلال رعاية المهرجانات المسرحية التي نشأت في بعض المدن والمحافظات السورية، مع محاولة لمأسسة تلك الفرق في إطار بُنية المسرح القومي الرسمي، وكانت هذه المأسسة كالهبة التي ينثرها السيد وزير الثقافة في رعايته لتلك المهرجانات. لكنها لم تتجسّد عملياً إلا في افتتاح المسرح القومي في طرطوس ضمن عرض لائق وخشبة جديدة، فيما حالت الآلية البيروقراطية دون تجسيد هذه الهبة في بُنية كيانية للمسرح القومي في المحافظات، تتألف من مقر ومسرح وكادر وميزانية تشمل توظيف وتشغيل فناني المحافظة، وحتي في حفل إطلاق المسرح القومي في محافظة حماة، شاهدنا عرضاً ينقصه الكثير، وفي مقدمة ما ينقصه خشبة حقيقية وخاصة بهذا المسرح، بعيداً عن خشبة الاحتفالات الرسمية والخطابات التي زودت بها كل المراكز الثقافية في سوريا.
ومع ذلك نستط

المزيد


أشهر هذه الرسوم المبهمة هي

أكتوبر 26th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

شخص عند النافذة

سلفادور دالي

 

ولد سلفادور دالي في 11 مايو 1904، في كاتالونيا، إسبانيا. كطالب فن في مدريد وبرشلونة، استوعب دالي عدداً كبيراً من الأساليب في الرسم. في أواخر العشرينات، حدث أمرين أديا إلى تطور سلوبه الفني. الأول هو إكتشافه لكتابات سيجموند فرويد عن الأهمية الجنسية للصور اللاشعورية، والأمر الآخر هو إنتسابه إلى سرياليي باريس، وهي مجموعة فنانين وكتّاب.

السريالية
لعرض الصور من عقله اللاشعوري، بدأ دالي بإقناع الحالات الهلوسية في نفسه بواسطة عملية سماها "النقد المذعور". حالما يقوم دالي بهذه الطريقة، ينضج أسلوب رسمه بسرعة إستثنائية. من 1929 إلى 1937 أنتج الرسوم التي جعلته أحد أشهر الفنانين العالميين السرياليين.

كان يتصوّر عالم الأحلام الذي تكون فيه الأجسام الشائعة مشوّهة ومصفّفة، أو مغيّرة بطريقة غريبة وغير طبيعية. يصوّر دالي هذه الأجسام بدقة، وبتفصيل واقعي، ويضعهم عادة في مناظر الطبيعية المضاءة بنور الشمس الكئيبة، والتي كانت تذكره بوطنه كاتالونيا.

ربما أشهر هذه الرسوم المبهمة هي "إصرار الذاكرة" (1931)، التي بها ساعات متعرجة وذائبة تستقر في منظر طبيعي هادئ بشكل مخيف.

مع المخرج الإسباني لويس بوويل، أنتج دالي فلمين سرياليين أيضاً هما "Un Chien andalou" (الكلب الأندلسي) عام 1928، و "L’Age d’or" (العصر الذهبي) عام 1930. ويمتاز كلا الفيلمين بنفس طريقة التشويه، ول

المزيد


جوف صحراء غامضةٍ لم يطأها الحَنينْ

أكتوبر 3rd, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

البداية لي والنهاية لن

 

         شعر

نريدُ طعامًا لسيّدةِ الدارِ، ثوبًا لأمِّ البناتِ اللواتي هنالك يلعبن تحت خيوطِ النهارِ وأمِّ البنينْ.
ونريدُ مياهًا لشمسِ الظهيرةِ، عاصفةً للحقولِ، وأسيجةً للحدائق، قبوًا لعمرو وليلى، وصهريج زيتٍ لمروان، أغطيةً لصديقتِه، وشتاءً طويلاً لأُمهما، ونريدُ شطائر خبزٍ طرىٍّ وفاكهةً وقوارير، نحتاجُ بعض هواءٍ نقىٍّ، وبعض حنانٍ، ونحتاجُ خوفًا وغيمًا وأسرى ونافذة لا تطلُّ على غير أوديةٍ وسراديبَ، غير مراعٍ وبعض سماءٍ، ونحتاجُ بعض جنونْ.
ونحتاجُ أن نرقب العابرين، نراهم، نرى بينهم ذلك المستريبَ كأيّةِ أغنيةٍ تتساقطُ منها الحصونُ التي لاتزالُ تُقامُ، الحصون التي كلّها من ترابِ السنينِ ومن أرجوان السنينْ.
ونحتاجُ أنْ ندخل البهوَ، أن نسألَ الخدمَ الذاهلين إذا جاء سيّدُنا كيف نلقاهُ، كيف نكلّمُه قبل أن تتولاّه أيدي الرعاةِ، وقبل انسدالِ الظلامِ عليه، وقبل انسرابِ الرؤى والظنونْ.
هل صحيحٌ سنوقفُه ونقول له: أيُّها من تكونْ؟
نحن منذ تركنا المنازلَ، منذ مشينا إلى النورِ، منذ حملنا السماءَ القريبةَ، منذ رأينا سواك ومنذ رأيناكَ، منذ استربنا بمن يحبسون الطيورَ على حافةِ الملكوتِ، ومن يحبسون الأنينْ.
ولا صوت غير دبيب عصاكَ، ولا ضوءَ غير الذي يستقرَّ بعيدًا عن الجسرِ، يجلوه ماءُ العيونِ، ويخ

المزيد


لا تكمن أهمية هذا العمل في فكرته الطريفة فقط

سبتمبر 30th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

عاجلاً أو آجلاً سيأتي الموت

جهاد الترك

يرى النقاد في هذا العمل احدى أكثر الروايات اثارة للرعب منذ صدور القصة العالمية الشهيرة "لعبة اللعنة" للكاتب العالمي، كليف باركر قبل عشرين عاماً على وجه التقريب.
تبدأ هذه الرواية بمقدمة بسيطة، لكن أخاذة بالمقاييس الدرامية: شبح للبيع على الانترنت. ومع ذلك فهي تنطوي على دلالات انسانية عميقة ومؤثرة، يلجأ فيها الكاتب الى تقنية صعبة ومشوقة في آن، وهي تضمين نصه الروائي مؤثرات نفسية قوية اشبه بالمشهد السينمائي حتى على مستوى الكلمة الواحدة، السرد، في هذا السياق، يحمل معاني أخرى غير كلاسيكية على الاطلاق.
الكلمات لا تدور فقط في وعاء زماني ومكاني، أو للانتقال السهل بين شخصية وأخرى. الأرجح انه يستحوذ على مهمة اخرى ذات جاذبية كبرى تتمثل في الكلمة الحية النابضة المفعمة بالاحاسيس والانفعالات الهادئة والعنيفة معاً.
الشخصية الرئيسية في الرواية، جودا كوين، يهوى جمع الاشياء التي تثير القلق والخوف وقشعريرة الرعب. يحتفط في مكتبته، على سبيل المثال، بكتاب لطهي لحوم البشر، ومن بين مقتنياته ايضاً، ادوات للتعذيب يستخدمها الجلادون، وشريط فيديو حول واقعة ارتكاب جريمة حقيقية. وهو، وفقاً لاحداث الرواية، احد اساطين موسيقى الروك بأشكالها الحادة، كما يظهر شغفاً استثنائياً بالأمور غير المألوفة، اذ يولي اهتماماً مبالغاً فيه بأولئك الشبان والشابات الذين يعشقون فنه، ويضع دائماً نصب عينيه ماضيه الحافل، خصوصاً سنوات الشباب ومع ذلك لا يستهويه امر، على الاطلاق، كانغماسه في الشؤون والاحداث التي تبعث على الرعب والتورط في الاهوال. لذلك لم يستطع هذا الرجل، بأطواره الغريبة. ان يتمالك نفسه امام شبح معروض، بكل وقاحة، للبيع على شبكة الانترنت تلبسته هذه الفكرة، وجد فيها ضالته المنشودة لم يتردد لحظة واحدة في الاقدام على هذه المغامرة المحفوفة بالمخاطر. مد يده الى محفظته. اجرى الاتصال الضروري بالجهة البائعة. مقابل ألف دولار، فقط، أصبح هذا الرجل المثير للشفقة والتحدي، يمتلك بزة رجل ميت، يقال إنها مسكونة بروح هائمة. لا يبدي خوفاً يذكر. امضى حياته وهو يتعايش مع هذه الفكرة. والد يمارس الأذى ضده نساء يهجرنه، زملاء له يخونونه، كان مستعداً ليخوض معركة جديدة مع المجهول. ايام قليلة مضت قبل أن يفتح باب منزله ليرى على العتبة علبة سوداء

المزيد


وحققت مازارين ابنة فرانسوا ميتران بهذا العمل، حسب النقاد، أفضل عمل أدبي لها

سبتمبر 28th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

موسم الدخول الأدبي في فرنسا: 770 رواية وجوائز اقترب موعد قطفها

فوزي سعد الله

باريس القدس العربي قبل سنوات فقط، لم يكن أحد يتصور في فرنسا أن ما أصبح اليوم يعرف بـ الدخول الأدبي سيتحول إلي أحد أكبر وأهم الطقوس الثقافية في البلاد، حيث يتبوأ الكتاب الأدبي صدارة الأحداث ويسيطر علي وسائل الإعلام لعدة أسابيع وقد يؤثر حتي في وقع حياة الناس. الدخول الأدبي الفرنسي موسم أيضا لإطلاق المواهب الجديدة و للتنافس بين الكُتّاب علي كبريات الجوائز الأدبية علي غرار جائزة غونكور التي يُعلن عن الفائز بها في 5 تشرين الثاني (نوفمبر) من كل عام، و جوائز رونودو و فيمينا و ميديسيسْ أو حتي الجائزة الكبري للأكاديمية الفرنسية .
بلغت إصدارات الدخول الأدبي لهذا العام 770 رواية بما فيها تلك المترجمة من اللغات الأجنبية، مقابل 683 الموسم الماضي، في وقت تراجع فيه حجم مبيعات الكتب بـ2.3 بالمائة. ويثير هذا العدد الهائل من العناوين مخاوف بعض المثقفين ودور النشر من انهيار السوق عاجلا أم آجلا كما تنهار البورصات، لأنهم يعتبرون هذا التضخم في الانتاج الادبي غير طبيعي، بينما يهلل آخرون ويرون فيه إشارة أكثر من إيجابية علي صحة الوضع الأدبي والثقافي العام في فرنسا بل مفخرة يتميز بها بلد فيكتور هوغو عن غيره من بلدان العالم.
تكشف الاتجاهات الكبري للدخول الادبي لهذا العام عن عودة قوية للمواضيع الواقعية والاجتماعية، الاتجاه الذي بدأت تتشكل معالمه منذ السنوات الثلاث الأخيرة، أو تلك المستوحاة من أحداث محلية أو عالمية بمسحة من الحزن، مقابل تراجع لما يعرف بـ أدب السّرة La liژrature nombriliste ؛ الأدب النرجسي الذي يهتم بالذات وهواجسها بمعزل عن قضايا المجتمع. وتشكل رواية A l’abri de rien ( ليس في مأمن من أي شيء) لـ: أوليفييه آدم، الصادرة عن دار لوليفييه، إحدي الأعمال النموذجية لهذا الاتجاه الواقعي الطاغي علي هذا الموسم الأدبي، وتتناول وقائعََ تسردها بطلة الرواية من مخيم سنغات، شمال فرنسا، للمهاجرين غير الشرعيين.
وبطريقة نقدية لاذعة وساخرة، اختارت ليدي سالفير هي الأخري الاتجاه الواقعي الاجتماعي بتشريحها آليات النزعة الاستهلاكية في المجتمعات الليبرالية من خلال رواية صورة الكاتب كحيوان داجن الصادرة عن دار لُوسُويْ . أما مازارين بانجو، ابنة الرئيس الفرنسي الراحل فرانسوا ميتران، فقد قدمت مساهمتها ضمن الاتجاه الاجتماعي الواقعي هذا برواية مستوحاة من حادثة قتل أم فرنسية لطفليها في السنوات الأخيرة وإخفائهما في الثلاجة، وحققت مازارين بهذا العمل، حسب النقاد، أفضل عمل أدبي لها وأكثر أعمالها جدية حتي الآن.
وبأسلوب يتراوح بين السرد والتحقيق الصحفي كتب هوبير حدّاد رواية من قلب الصراع العربي الإسرائيلي تحمل عنوان فلسطين بطلها جندي إسرائيلي يضل طريقه ويفقد ذاكرته ويجد نفسه يعيش حياة أخري مع الفلسطينيين. كما حوّل فرانسوا بيغودو وقائع خطف الصحفية الفرنسية فلورونس أوبينا في العراق إلي عمل روائي يحمل عنوان نهاية القصة .
وككل دخول أدبي، تنفجر قضايا تتخذ شكل فضائح حيث يتبادل عدد من المؤلفين أو دور النشر الاتهامات بالسرقة الأدبية أو بالاستنساخ وغيرها من التهم، وتفتح الصحف والمجلات والقنوات التلفزيونية والإذاعية فضاءاتها لمناقشتها وبث السجالات بين الكتاب والنقاد، فتساهم في إثارة الفضول في الوسط الثقافي وحتي الشعبي وفي تحريك سوق الكتاب الأدبي بشكل عام، والمستفيد الأكبر من كل الضجة ، بطبيعة الحال، هو صناعة الكتاب من جهة والثقافة الفرنسية من جهة أخري. ألم تساهم هذه الظاهرة العام الماضي في حصول رواية المتسامحات للكاتب الأمريكي جوناثان ليتل، التي أثارت جدلا كبيرا عند صدورها، علي جائزة غونكور؟ أما هذا العام، فالجدل قائم بشكل خاص حول اتهام الكاتبة كاميل لورانز لزميلتها ماري داريوسيك، رغم صدور كتابيهما عند نفس الناشر Pol (دا ر بول)، بـ الاستنساخ البسيكولوجي ، أي بانتحال أجواء العمل الأدبي وبنائه العام وإيقاعه دون الاستنساخ الحرفي. وتقول كاميل لورانز إن الرواية الجديدة لداريوسيك مات توم ليست سوي ان


المزيد


ماذا يمكن أن يحدث في رواية تدور عن اختفاء الموت في حياة البشر؟

سبتمبر 27th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

خوزيه ساراماغو في روايته الجديدة

عن اختفاء الموت أمام عشبة الحياة الأبدية

عبد الهادي سعدون / إسبانيا

 

في جملة من روايته الجديدة، يقول الراوي في عبارة تكاد تكون ذات طابع عام ولكنها تلخص الفكرة الرئيسية للعمل الجديد لحائز جائزة نوبل جوزيه ساراماغو "تقاطعات الموت"، الصادر حديثا بالاسبانية عن دار "الفاغوارا": "هكذا هي الحياة، تعطي بيد حتى يصل اليوم الذي تأخذ منك ما اعطته باليد الأخرى". الراوي هنا، وإن يتحدث عن الحياة نفسها بوصفها الواهب والقابض، هو في الحقيقة يتحدث عن الموت بوصفه جزءا لا يتجزأ من الحياة، وعضوا متصلا لا ينأى يذكرنا بوجوده الحميم بيننا وفينا.

كما هو واضح من العنوان، تدور فكرة الرواية الرئيسية حول الموت بصيغة جديدة تضاف الى أفكار ساراماغو السابقة وتأملاته التي تنطلق من اعتبارات غريبة، ولكن أصيلة، مثلما تناولها وخصوصا في أعماله الثلاثة الأخيرة بعد حصوله على نوبل الآداب. ففي روايته "القارب الحجري" مثلا، يتحدث عن انفصال شبه الجزيرة الإيبيرية عن اوروبا ودلالات هذا الانفصال السياسية والاجتماعية والتاريخية. اما في روايته "في العمى" فيروي اليوم الذي يستيقظ فيه شعب كامل عمي بصورة تامة وشاملة ما عدا شخص واحد. وتدور روايته "في الصفاء" عن قرار مدينة التصويت في الانتخابات بورقة بيضاء، وما يسببه ذلك من إرباك للحياة العامة والسياسية.

فعلا، لقد دأب الروائي البرتغالي جوزيه ساراماغو (1922) المقيم في اسبانيا على تناول موضوعات تكاد لا تمت بصلة الى الواقع الروائي المألوف، بل راح يجعل من الحياة مادته ويصبغها بصبغة غرائبية تقترب من اللامعقول، ويضيف اليها زخما نابعا من السخرية والتأمل في المسائل الإنسانية التي لا يكل الكاتب من تكرار مفرداتها المتعددة. فكما هي الحال في روايات سابقة، نتلاقى في روايته "تقاطعات الموت" بفكرة غريبة، ألا وهي اعلان الموت عن وقف قيامه بوظيفته، مما يشكل تراكماً غير معقول في الحياة. هكذا يبدأ العمل بالجملة التالية: "في اليوم التالي لم يمت أحد".

ماذا يمكن أن يحدث في رواية تدور عن اختفاء الموت في حياة البشر؟ في بلد من 10 ملايين مواطن، وابتداء من الدقيقة الأولى لشهر كانون الثاني وخلال 6 أشهر لا يموت أحد. من هذه النقطة يمضي ساراماغو في تحليل البنية الاجتماعية وظروفها في حال شعب من الشعوب دون أن يسميه بالاسم. من هنا تتفاقم الأمراض وتعم الفوضى ول

المزيد


نص مفتوح

سبتمبر 25th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

  ليلة طوفان الصواريخ
محمد علوان جبر

في حسابات منقسمة تشبه السقوط في فخ هلامي تناهى الى مسامعه صوت المؤذن من بعيد ، والساعة المتبلدة تتحجر في ذاكرته ، ساعة حجرية عقاربها جامدة على رقم موغل في صحارى ذاكرة لزجة ،  ساعة تشبه الكرة ،  تقرأ من الزاوية التي ينظر اليها ،فهي تحتمل كل تأويلات الارقام  لكنها عصية عن الفهم وهي  بلا حراك ، ودونما مناسبة كانت السماء تشير الى خيوط تتصاعد ببطء لضوء رصاصي بدأ يخترق العتمة ككرة متجمدة تتحول بصبر عجيب الى اصابع تخترق حافة الليل السفلى تعلو نحو حافة وهمية لافق مسطح ….كالافق الذي يراه الناظر الى السماء في مكان وقوفه على الحافة حيث تتشابك عشرات الاصابع الرصاصية في اتحاد اول لتشكيل فسحة الرؤية ، 
-  (في ليل المدن التي تترقب حدثا ما، يشكل صوت المؤذن فيها ملاذا ).  هكذا كان يردد مع نفسه الكلمات التي كان يقولها الجميع ،وتدور في فمه يمضغها كل حين كلعابه، لكنه استدرك حينما وجد نفسه وسط مجاميع من اناس مثله تماما قال احدهم: كنا نشكل عينا واحدة تتجه الى السماء  تنشطر الى ملايين العيون ،  او وهذا ماحدث حينها قبل الفجر حيث تحولت ملايين العيون  الى عين واحدة تراقب السماء ،  وتردد الشفاه كلمات المؤذن الاخيرة في صباح بدا انه لايريد ان يظهر او يعلن عن وجوده، بقي هكذا لون رصاصي اولي للضوء الاحمر المرتقب الذي يوشك ان يولد ،  وبقيت العتمة طاغية على كتلة الضوء الرصاصي التي عجزت عن اظهار الارتفاعات  المتوارية في الظلمة – ايما ارتفاع مهما كان كبيرا او صغيرا - ،  او اشباح العمارات الهائلة المطلة على شوارع  خلت تماما من كل شيء ، ولم تظهر تلك البيوت التي اغلقت ابوابها ، او الحقول المرسومة بعناية ، لم تظهر ايما قوة للون خضرتها وبدت سوداء كالمقابر الفسيحة المطلة على اول الصحراء ،  حيث تطل الشواهد من داخل المدينة حتى تخومها البعيدة ،  حيث الصحراء التي بدت كبساط اسود وفسيح دونما اى ضوء يشرخها ،  وكان كابوس الساعة الحجرية الجامدة هو المهيمن ،  وعدا صوت المؤذن لم يستطع احد منا ان يتحرر من ترقبه ،  ولم نسمع ايما صوت في ساعاتنا التي كانت تشير الى ارقام مختلفة ، ولم يجزم احد منا في  تحديد الوقت الحجري البارد في ليل مدينة تترقب حدثا ما في ساعة ما رغم ان عيوننا كانت تتطلع الى العقارب التي تحجرت وكذلك الارقام التي تفاوتت وتقاطعت مع قوة الضوء الرصاصي المنبثق من حافة الارض ، وغدا توقفنا الحزين في ذلك اليوم بلا جدوى وتركنا التطلع الى مكان ما بعد ان غادرنا صوت المؤذن وصمتت مكبرات الصوت التي شقت سكون مدينة ممتلئة بالاضطراب ،  اما باقي حيواتنا فقد انصبت – عدا الانتظار – على قدرة حواسنا على التكيف ، فتحولنا الى نوابض تضرب الارض وترتفع قليلا لتهبط ثم ترتفع ، حواس متيقظة ومستيقظة لامتصاص كل مايتعلق بالصدمات ،  صدمات الارتفاع والهبوط ………..
-           رأيت فيلما يوم امس ….  وبقيت ………
صمت محدثي وهو يلامس بكفيه الارض حيث تمدد وسط الغرفة المستطيلة،  ولم اعره انتباها ،  وخيم صمت طويل اجبرني على التطلع في الافق حيث  كتلة اللون الرصاصي متجمدة فيه ، وعدت احاول ان ابحث عمن يتطاول على الصمت بحثت في حيوات الساعة الحجرية فوجدتها جامدة مثلي ومثل هذا الكائن الذي انبثق من مكان لااعرفه ، كنت اطوق بنظراتي الهلعة حجر الساعة الصامتة ……..
-    الفيلم يتحدث عن شرخ في الزمن ، تحت جسر هلامي كبير ،  جسرا، ساعة يظهر ككتلة حديدية واخرى ككتلة خشبية ،  وكل من يقف قريبا منه ويستطيع بشكل ما ان يصعد سلالمه الخشبيه الموزعة تحت الهيكل كخيط عنكبوتي ، بدوائر وارتفاعات ، ويصل اعلاه يتحول به الزمن ،ويتحول اقصد بها انه يتقدم عبر بوابة تاريخية يسقط متقدما خمسين عقدا ربما اقل قليلا او اكثر قليلا …….
صمت الرجل الممدد على الارض وكان يراوح بساقيه ،  يمدهما حينا او يطويهما حينا اخر ، وكنت حينها امتلك حواسي بشكل مذهل ، حيث تتوزع بين الساعة الحجرية والتطلع اليها ، مجردا من كل نوازعي الانسانية المختلفة، جسدا متوترا ينبض في تلك الحركات الايقاعية الصامتة والمنفلتة التي لااستطيع ان اكبح جنونها، او ان اسيطر على حركات جسدي وهو يحيا بشكل او باخر في اتون الايقاع الحزين والرتيب الذي رسم لي ولغيري ، فكرت في الشرخ الزمني الذي يتحدث عنه وتخيل

المزيد


عالجت قضايا جوهرية في النفس البشرية ما زالت تشغل فكر الإنسان

سبتمبر 11th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

رواية مايا للكاتب جوستن غاردر

(ثمة مصادفات عجيبة تعطي الحياة طعماً، وتنمي دورياً الأمل المكنون بوجود قوى خفية تبسط رعايتها على حياتنا، وتسحب، بين الفينة والأخرى، خيوط أقدارنا…)، جاء هذا الكلام على لسان إحدى شخصيات رواية (مايا) التي صدرت في فترة سابقة عن دار الكلمة (دمشق -2001)، وربما انطبق هذا الكلام – بصورة ما – على سيرة كاتب الرواية النرويجي جوستين غاردر الذي بدأ حياته مدرساً للفلسفة، وانتهى إلى كتابة الرواية فطبقت شهرته الآفاق، ولا سيما بعد روايته الشهيرة (عالم صوفيا) التي بيع منها في تسعة أعوام أكثر من 16 مليون نسخة في أكثر من خمسين بلداً، وحولت إلى فيلم سينمائي، والى قرص مدمج، والى مقطوعة موسيقية.

وفي روايته الجديدة (مايا) التي ترجمها إلى العربية، بكثير من الحرص والاهتمام ياسين الحاج صالح على الرغم من صعوبة الرواية وعوالمها الغريبة التي تستدعي الكثير من الجهد، في هذه الرواية يجد القارئ نفسه أمام نص أدبي غير تقليدي، مليء بالنظريات العلمية والآراء الفلسفية والأسئلة الوجودية المقلقة، نص متميز في حبكته وبنائه وشخصياته، مختلف في طريقته الفنية، فالرواية مصاغة من قبل بطل الرواية النرويجي فرانك أندرسون عالم الأحياء التطوري إلى زوجته المنفصلة عنه فيرا، على الرغم من الحب الذي يربطهما، لكنهما آثرا الانفصال لأنهما (فقدا ابنتهما سونيا حين كانت في الرابعة والنصف، ولم يستطيعا بعد ذلك المضي في العيش معاً، إذ كان هناك كثير من الأسى تحت سقف واحد) ففضلا تقسيم حزنيهما إلى حزنين منفصلين.

تبدأ مجريات الرواية – الرسالة في إحدى الجزر الفيجية الصغيرة (تافوني) التي تقع على خط الطول 180 درجة، وهي أول مكان تشرق عليه الشمس، حيث يستهل فرانك رسالته بصورة غنية بالتفاصيل عن تلك الجزيرة التي قدم إ

المزيد


توماس مان مؤلف «الجبل السحري» و«فاوست» و«موت في البندقية» لا يزال الى يومنا علم الرواية الالمانية

سبتمبر 11th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

طـونيـو كـروجـر لتـومـاس مـان
 
لا نعرف العام الذي نشرت فيه ترجمة «طوني كروجر» لتوماس مان الروائي الألماني الأشهر، غير ان من دواعي عجبنا ان نعلم انه نقل الى العربية في وقت مبكر نخمن انه غير بعيد عن زمنه فإن من نقله هو يحيى حقي رائد الرواية العربية والذي كتب افضل أعماله في النصف الأول من القرن الماضي. إنه لقاء مجهول لنا بين الروائي الذي كان يومذاك علم الرواية الالمانية والروائي الذي كان يومها ايضا علم الرواية المصرية. قلّ ان تواقت الاصل والترجمة كما تواقتت ترجمة «طوني كروجر» مع أصلها. هذا بحد ذاته حدث في تاريخنا الأدبي، ثم انه حدث في سيرة يحيى حقي الثقافية، إذ انه يلقي ضوءاً جديداً على مؤلف «قنديل أم هاشم»، على مصادره الروائية وثقافته.
الأرجح ان يحيى حقي نقل «طوني كروجر» عن لغة وسيطة، قد تكون الانكليزية او الفرنسية. لكن عنايته بالمؤلف الالماني تجعلنا نعيد النظر في تاريخ صلتنا بالثقافة الالمانية.
توماس مان مؤلف «الجبل السحري» و«فاوست» و«موت في البندقية» لا يزال الى يومنا علم الرواية الالمانية. عاش الالماني الذي تحدر من أسرة بورجوازية صناعية تضعضعت احوالها واضطرت في النهاية الى بيع مصنعها في مدينته لوبيك فميونيخ وتزوج من امرأة بورجوازية ايضا ما سمح له بأن يتكرس لأدبه تكرسا لم يترك له مجالا لشيء آخر. غطى هذا على حياته الخاصة وسمح له بأن يوارب مثيلته التي ظهرت في «موت البندقية» وغادر المانيا بعد ظهور النازية الى أميركا لكنه تأخر عن الالتحاق بالنضال ضد النازية ضنا بنفسه وأدبه عن الغرق في

المزيد


ناتانايل سيشل العالمة

أغسطس 14th, 2007 كتبها علي الربيعي نشر في , مقتطفات

ناتانايل سيشل

العالمة..

 عبود عطية

تمثل هذه  اللوحة نموذجاً  معبراً عما يمكن لفنان أن ينجزه بالاعتماد فقط على قدرته الذاتية وذوقه وخياله وثقافته العامة، بعيدًا عن الواقع المرئي والمعيش.

          «العالمة»، كما هو معروف، امرأة تعتاش من الغناء والرقص في حفلات الأفراح والمناسبات. وقد عرف الأوربيون «العوالم» من خلال كتابات بعض المستشرقين، ومنها على سبيل المثال الوصف المسهب الذي كتبه الروائي الفرنسي جوستاف فلوبير في رسالة بعث بها إلى صديقه لويس بويا في مارس 1850م.

          أما رسام هذه اللوحة فهو الألماني ناتانايل سيشل الذي ولد عام 1843م في ماينز، ودرس في أكاديمية الفنون في برلين ، وعاش سنتين في روما (1866م -1868م) وزار باريس قبل أن يعود عام 1874م الى برلين التي استقرا فيها نهائياً حتى وفاته عام1907م.

          برع سيشل في رسم الصور الشخصية، غير أن أكثر أعماله شعبية، هي لوحاته الاستشراقية، ولوحة «العالمة»، المحفوظة حالياً في متحف الأرميتاج قد تكون واحدة من أفضلها.

          يمكن لمتأمل هذه اللوحة أن يستنتج فوراً أنها من بنات خيال الرسام ، وأن صاحبنا لم ير عالمة حقيقية في حياته،  فالآلة الموسيقية (الجنك) هي آلة الصالونات الأوربية، وليست أبداً من آلات عوالم الأفراح وا

المزيد


التالي